Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

شيء معتاد

شيء معتاد

قال له المحامى مهنئا :
- مبروك كسبنا القضية .
بدا عليه الارتباك والتلعثم ، شعر الأستاذ طنطاوى أن المسألة ستزداد تعقيدا من هذه اللحظة ؛ يالها من لحظة !
استأنف المحامى كلامه مبتسما :
- يا أستاذ طنطاوى ؛لا تنسى الحلاوة مع باقى الأتعاب !
تأكد له أن جهنم سوف تفتح أبوابها بهذا الفوز الذى طال انتظاره ؛لا يدرى أيفرح حقا أم يحزن ؟ ما حدث لا يترك أى فرصة للأفراح ! اعتقد أن مصارعة دون كيشوت لطواحين الهواء أهون كثيرا من صراع هؤلاء الإخوة وجدلهم العقيم .
---***---
لهؤلاء الإخوة بيت ورثوه عن أبيهم ، بإحدى الشقق الرحيبة كان يقطن عجوز وحيد ، عند وفاته حضر ورثته من خارج المدينة لعمل إجراءات الدفن وتقبل العزاء .أبت عليه النخوة إلا أن يترك لهم مفتاح شقة المرحوم حتى ينتهوا من العزاء ، الحق أنه لم ينتظر منهم شكرا على ذلك .
على النقيض مما توقع ، سمع الأستاذ طنطاوى أنهم دخلوا فى عراك ومشاجرات من لحظة دخولهم الشقة ، كل منهم يريد أن يفوز بنصيب الأسد من التركة ؛ فهذا أعجبته الساعة الذهبية ،وذاك قلب فى جيوب ملابسه بحثا عن المال ، وسيدة مسنة طلبت طقم الأنتريه من رائحة المرحوم ، وأخرى أعجبها طقم "الكتشن ماشين" ، أما سيارته فلم يجرؤ أحد أن يتحدث عنها جهرا فور الوفاة.
انتهت أيام العزاء الثلاثة والوضع كما هو ، ومر أسبوع آخر ولم يتزحزحوا .
قابل أحدهم مصادفة على سلم العمارة ، كان قد شاهده يأخذ العزاء ويتردد على الشقة كثيرا ؛ سأله:
- متى تحبون أن تنقلوا عفش المرحوم ؟
- لا أدرى على وجه الدقة ؛ يمكنك سؤال السيد حامد فهو أخو المرحوم .
- وأنت لم أتشرف بمعرفتك ؟
- أنا صهر الأستاذ حامد .
- وأين الأستاذ حامد ؟
- قال لنا سيشترى بعض حاجات لابنته لأن فرحها - عقبال أولادك - قريب .
تعجب الأستاذ طنطاوى من هذا المسلك , ولكنه أبتلع ريقه ، قائلا لنفسه: الصباح رباح .
فى الغد دق الأستاذ طنطاوى جرس الباب متلهفا على إخلاء الشقة ، وخصوصا أنه وكيل عن إخوته الأربعة ,فهو إذن فى وضع حرج ، ولكن المسئولية لا يجب أن تنسيه المروءة والشهامة .
---***---
فتحت له عجوز متشحة بالسواد فسألها :
- الأستاذ حامد موجود ؟
- لا يا بنى؛ سافر البلد
- والمفتاح ؛ أين المفتاح ؟
- أى مفتاح ؟
- مفتاح الشقة
- معه يا بنى ؛ كل حاجة معه.
- شكرا يا حاجه ...
قالها وعاد يجر أذيال الخيبة
---***---
قال له الأخ الأوسط:
- كيف تترك لهم الحبل على الغارب ؟
وبخته الأخت الكبرى :
- أنت وكيلنا ؛عيب عليك!!
أما الأخ الأصغر فراح يسأل المحامى ويستعجله في رفع الدعوى على هؤلاء الورثة الرعاع .
كان الأخ الأكبر يقول لهم دوما :
- عندما كان يدفع ثلاثة جنيهات صبرنا عليه سنوات طويلة ؛ والآن لا تحتملون الانتظار أياما قليلة ؟
ترد الأخت قائلة :
- المهم أنه مات وغار فى داهية ! آن الأوان لنستفيد من الشقة ، ولابد من الإسراع فى طرد هؤلاء الملاعين .
أما الأخت الصغرى فهى متزوجة من موظف بمصانع حلوان للحديد والصلب وتعيش معه فى القاهرة ، بين الحين والآخر تتصل للسؤال عن نصيبها وعن إخوتها.
---***---
بعد انتهاء الأربعين يوما؛ اضطر الأستاذ طنطاوى - الأخ الأكبر- إلى رفع الدعوى القضائية بصفته وكيلا عن إخوته بعد أن فاض الكيل ، وبدأ هؤلاء الورثة الأراذل فى المساومة على مبالغ طائلة حتى يتركوا لهم العين ، كثر المترددون على الشقة لدرجة أن الأخ الأكبر احتار فيمن يحدث ومن يترك ، وتاه مفتاح الشقة بينهم، أو هكذا كانت خطتهم ، كل منهم يدعى أنه أعطاه للآخر الذى سافر إلى البلد وسوف يعود بالسلامة بعد يومين أو ثلاثة على الأكثر .
---***---
مر أكثر من عامين فى المحاكم ؛ وانتهوا أخيرا إلى كسب القضية ، فى هذا الوقت بالذات ، استفرد كل واحد منهم بالأخ الأكبر ليحكى له عن مشكلاته، و يعرض عليه طلباته وهمومه
تقول الأخت الكبرى :
- إيجار الشقة الآن يساوى أكثر من 300جنيه ،غير المقدم المرتفع
أما الأخ الأوسط فقد سبق أن قال لأخيه على انفراد :
- أخذت وعدا كما تعلم من المرحوم الوالد بأن أسكن فبها حين خلوها .
اتصلت الأخت المقيمة فى حلوان بأخيها الأستاذ طنطاوى ؛ وأبلغته أنها تتمنى أن تكون هناك شقة للعائلة يقيمون فيها عند حضورهم لزيارة المدينة
أما الأخ الأصغر فازداد تلهفا على التقاط مفتاح الشقة من أخيه الأكبر – بعد أن يستلمه – مقابل مبلغ من المال يدفعه سرا إلى الأخ الأكبر الذى رفض هذا العرض وقال لأخيه الأصغر :
- هذه ليست أخلاقنا ، لابد أن يكون كل شيء فى النور .
---***---
أحس أن الأمر يزداد تأزما ، بالرغم من إحساسه بفشل المواجهة إلا أنه قرر أن يواجه الإخوة بعضهم البعض؛ حتى يعرض كل منهم فكرته على الآخرين , عسى أن يصلوا جميعا إلى قرار واحد، وليكن ما يكون .
استمر يؤجل هذا الاجتماع حتى لا يحدث صراع بين الإخوة ، لم يخبر أحدا منهم بوجهة نظر الآخر حتى لا تتعقد العلاقة بينهم ،عندما أصبح أمام الأمر الواقع ، وبعد أن سلمه المحامى مفتاح الشقة أخيرا ،اضطر إلى عقد الاجتماع .
قال الأخ الأصغر :
- لا بد أن تهتموا بى وتكرموني ، المرحوم الوالد كان فى نيته أن يعطيني هذه الشقة فى حال إخلائها ، وهذا من حقى ، الغريب كان يؤجرها بثلاثة جنيه ، وأظن أنا أولى منه .
ردت الأخت مندفعة :
- يا سلام !! هى الأنانية بعينها ، لا تفكر إلا فى نفسك !
قال الأخ الأوسط :
- وتريد أن تؤجرها بثلاثة جنيهات أيضا ؟؟
- وهل الغريب أفضل منى ؟
قال الأخ الأكبر :
- تريدون أن تسمعوا كلامي ؛ نعرض الشقة عن طريق سمسار يؤجرها لأعلى سعر؛ لتعم الفائدة على الجميع
رد الأخ الأصغر :
- ما معنى ذلك ؟ أنتم متفقون على ولا شك ..!! أنا فى بداية حياتى العملية ، ومرتبى محدود ، فأنتم لا تجهلون أنى موظف حكومة ، لست مثلكم أعمل فى التجارة أو أى مهنة حرة !!
شاطت الأخت قائلة :
- أنت عينك صفراء ،أعوذ بالله منك ومن نقك ..
بعد أخذ ورد تشاتم الأخان الأوسط والأصغر , وانحازت الأخت إلى الأخ الأوسط الذى عشش فى قلبه أن أخاه يحسده على ما آتاه الله من فضله كما يزعم . وقرر الأخ الأكبر أن يفض الاجتماع بحزم قبل أن تزداد الأمور اشتعالا ، و يمسكا فى خناق بعضيهما ، ويصبح الموضوع فرجة للجميع .
---***---
قابل الحاج نجاتى صاحب محل الفراشة بأول الشارع ، فاجأه بقوله :
- مبروك القضية أعرف أنك تبحث عن ساكن محترم
- إن شاء الله يا حاج
- وهل ستجد أحسن منى ؟
- لا طبعا
- اعتبر هذا وعدا
- ربنا يسهل
وأشاح بوجهه ساحبا يده بجهد من يد الحاج نجاتى التى كانت قابضة بشدة على أصابعه
---***---
فى المساء عندما كان جالسا على كرسى الحلاقة ، مخبئا وجهه فى جريدة؛ سارحا فى أفكاره, مسلما رأسه إلى الشاب نوشا المزين ، تحدث نوشا بصوت كالهمس فى أذن الأخ الأكبر ، قال له:
- لا أستطيع أن أعبر عن فرحتي لك بقرار المحكمة!!
- من أبلغك يا نوشا ؟
- لا شيء يختبىء ؛ فنحن عائلة واحدة ،أبناء منطقة واحدة ؛أم هل لك رأى آخر ؟
- لا طبعا !!
- سمعت أنك تطلب عشرين ألفا من المقدم ؛ وليس لدى مانع ، سأنتظر منك الرد
- خلاص
- خلاص ماذا ؟
انتزع الأستاذ طنطاوى شبه ابتسامة ، وقد لاحظ زيادة جرعة البودرة والكولونيا والاهتمام هذه المرة ،
و هم بالوقوف قائلا :
- خلاص الحلاقة ؟
- نعيما يا أستاذ طنطاوى
خرج من الصالون مهموما ، أدركه نوشا على الباب وهو ينفض الملاءة البيضاء قائلا :
- أوعى تنسى ما اتفقنا عليه
- ربنا يسهل , كل شيء نصيب .
---***---
لم يستطع الأستاذ طنطاوى أن يأخذ قرارا فى موضوع الشقة ،وخصوصا بعد تأكد له أنه لن يستطيع أن يرضى الجميع ، توقف لحظة عن الانغماس فى همه ،واستدرك قائلا لنفسه : ولماذا لا أشرك زوجتى معىفى التفكير فى الأمر ؛ عسى أن تجد لنا مخرجا .
فى المساء قال لها : - الأخوة ليس لهم رأى موحد
ردت عليه بازدراء :
- أنت السبب فى كل هذا
- أنا؟
- نعم أنت
- ولم تقولين هذا ؟
- لأنك غير حازم معهم
- وكيف يكون الحزم من وجهة نظرك ، والمشكلة معقدة ؟
- لا يوجد أى تعقيد
تعجب من قولها ، وقال:
- وكيف ؟
ردت قائلة ببساطة متناهية :
- ألا ترى أن احمد ابنك يريد الزواج ؟
- وما لهذا وشقة العائلة ؟
- أردت أن أوفر لك بدلا من أن تدفع مائة ألف أو أكثر فى شقة ، وأنت تاجر وتعرف أن السوق غير مضمون، دائما فى الطالع والنازل !!
- لم يكن هذا يخطر على بالى قط !
- اجعله على بالك ، خلينا فى بالك الذى يفكر دائما للآخرين .
---***---
لم تمض أيام قلائل حتى حرر الأستاذ طنطاوى – بصفته وكيلا عن الورثة عقد إيجار باسم أحمد طنطاوى ، وسارع - بناء على إلحاح من زوجته - إلى توثيقه بالشهر العقاري حتى يضع إخوته أما م الأمر الواقع ، لم يكتف بذلك ، بل أن أسلوبه قد تغير معهم من النقيض إلى النقيض ، اختلف تماما بعد هذه الواقعة ، فأصبح يتهرب منهم كلما سألوا عنه ، ويتعلل بأوهى الأسباب حتى لا يواجه منهم أحدا .
عندما دق الباب ؛ وجد الأستاذ طنطاوى نفسه أمام أحد المحضرين وقد طلب منه توقيعه بالعلم على إلغاء أخوته للتوكيل ، بعدها بيومين جاءه شاويش من القسم زافا إليه طلب حضور ، وذلك للنظر وإبداء أقواله فى حادث اعتداء بالضرب والسب على أخيه الأصغر، و نصب في إيصال أمانة بملغ مائة ألف جنيها , وموقع عليه باسم الأخ الأوسط والأختين شاهدتين على ذلك .
السويس –ابريل 2005

نشرت بمجلة العربى – الكويت عدد ديسمبر 2005

صورة د.رضا صالح

التعليقات (1)

قصة جميلة .

صورة زينب الخضيري