Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

رواية مصحف أحمر .. قراءة في سيرة جماعية

رواية مصحف أحمر
قراءة في سيرة جماعية

مصحف أحمر رواية يمنية ، اكتشاف آخر في المدونة السردية العربية بشهادة كتاب و نقاد عرب ، أهدانيها الروائي نفسه محمد الغربي عمران يوم التقيته بمسقط بمناسبة مهرجان الشاعر البهلائي العماني ، و من ثم كانت بداية الاكتشاف للروائي الذي يعتمد في هذه الرواية على قراءة النماذج البشرية و هي تتصارع في نقاط عديدة من الحياة إذ تتخذ أسلوب المراوغة في صدّ الهجمات ، من داخل البيت أو من خارجه ، و لعبة التشكيل التي اعتمدها السارد تتصف بالمرونة في عرض الشخوص و ملاحقة تصرفاتهم بعيدا عن اتخاذ المواقف المستعجلة ، في كثير من الحالات يتركها السارد تواجه الظواهر المستفزة تتعامل معها بواقعية ، غير أنّها لا تخلو من سذاجة في إدراكها ، و يظل « المصحف الأحمر » لعبة الأيديولوجية التي عاشها اليمنيون خلال العقود الأخيرة و كانت المشهد البارز في الحياة ، الذي بسببه تشكلت جبهات اجتماعية متعددة التوجهات شديدة الوضوح ، تغذيها أفكار محلية قديمة و دخيلة انطلاقا من قناعات عرفية و دينية و طائفية تحقيقا لمكسب بات مهددا من أطراف و جماعات لا همّ لها إلا الوصول إلى النهاية المطلوبة ، و لا خيار غير الحروب فتأتي على الأخضر و اليابس ، و تظل آلة الدمار تحصد الأرواح من الجهتين ، رحلة شاقة عبر الزمان و المكان ، يغشيها مصطلحات ، الحرب ، الدمار ، الموت ، القتال ، التشرد ، العزلة ، الجبهات ، و قليلا ما يرد مصطلح الانتصار الذي بات حلما يكتنفه الرعب و الخوف و القلق و ما يلبث أن تتجدد هذه اللغة فتعيش المدينة بل المدن أجواء الحزن ، فوبيا العراك هنا و هناك ، و السارد يضع فواصل متشابهة في عرض حكايات تسرد بالوصف شخصيات من أماكن مختلفة ترسم ملامح الحرب و مغامرات أبطالها حينما تنظر الأم إلى ولدها الذي سيغادر صنعاء باتجاه العراق لأجل التحصيل العلمي و يعود إليها طبيبا
« - فقط أرجو أن تتذكر بأنك وحيدي .. و أنك أملنا الذي ننتظر عودته .
- و أنت كلّ الدنيا .. هي أشهر معدودة و أعود إليكم.
- أتتذكر حين طلبت منك أن تسمع بعض حكايات جذور أسلافنا..قلت لك:
هل أحكي لك حكايات أسلافك ؟
- يسعدني ذلك.
- إذاً سأحكي لك حكايات ..قد تراها حكايات ساذجة..لكنني أشعر بمتعة حكايتها:
- هيا أحكِ .»1 هذه التفاصيل تكون المتكأ الحكائي الرئيس في التعبير عن الوضع الذي تتزاوج فيه الصراعات المحلية بعوامل خارجية عندما تتداخل الرؤى و تتشابه النتائج و يظل لغز المدينة مشفرا كلّما كانت هناك بادرة لفكّه ، هي حيلة ذكية من السارد عندما تتكشف له الحقائق ، بدايات المشكلة ، فيوزع الأدوار بين حكاية ترويها هذه الأم و هي تعلق أحلامها على الولد الذي صار بطلا فاعلا يتخذ منها السارد ظلالا متنوعة لجلب انتباه المتلقي و بين تحريك حفيظته و استنطاق قناعته الموروثة ، تعمل الرواية على فك هذه البدايات بشيء من التفسير السياسي للظواهر المتشابكة و علاقة التصدع الاجتماعي بها من الداخل ، في ظل أجواء عالمية متعسكرة داخل قناعات الأفراد و الجماعات التي ساهمت بقدر كبير في تأجيج الفتنة و تأسيس جبهات القاتل و المقتول ضحيتها ، و تظل الحقيقة غامضة فيطول الوقوف بحثا عن مسلك واضح يخلص المدينة من تطاحن طال كل أفراد المجتمع ، فاسترجاع الذكريات على لسان الأبطال توظيف مقصود له مبرراته التاريخية و الفنية تعمّدها السارد ليحقق مصداقية الصورة و طبيعية ألوانها ، وهو الأمر الذي يجعل الحكاية تأخذ مسارا طبيعيا في عرض هذه التفاصيل بأسلوب مشوق و مؤثر ، عادة نلمسه لدى الروائيين ذوي اللغة /الإشكال ، أي من تيسّر لهم قراءاتهم للواقع الغوص في أعماق المجتمع و البحث عن هذه الحقيقة له عدة بدايات ، يرسم منها السارد بوابات ، ننطلق من قناعات مختلفة و متناقضة لدى كل الشخصيات ، تنطلق بتواز و على استواء واحد و لكن الوصول متفاوت بين هذه الخطوط التي شكّلتها الشخصيات باحداثيات مكانية و زمانية «...أمست كل المناطق و القرى منقسمة بين مساند للسلطة و معارض لها..المواجهات هنا و هناك .. عمليات تصفية.. إحراق المنشئات و المساكن .. تنوعت المواجهات بين مؤيدي السلطة و رجال المقاومة.
عناصر الجبهة يعتمدون على حرب العصابات بعد أن جعلوا من الجبال مأوى لهم.
كانت الشعارات التي ترفعها السلطة .. تعتمد على تدني وعي أفراد المجتمع في ترويجها مثل : “الحفاظ على الفضيلة .. القيم و العادات المكتسبة.. تطبيق الشريعة و الحفاظ عليها..”»2 هذه الجرأة في الطرح تثبت مدى فقدان التوازن الذي أصاب كلّ الجهات التي تسعى من وجهات نظر حدّ التناقض القاتل تحقيق حلم المدينة الممزقة و لمّ شملها في الداخل و الخارج ، رغبة عميقة ، السارد لم يكن بعيدا عنها حقيقة و مجازا حينما حاول صرف الأنظار عن صعوبة الموقف و الالتفات إلى فكرة مفتوحة على آمال بعيدة و إقناع غيره بما يمكن أن يخدم الوحدة و رإب الصدع الذي أحدثته انزلاقات قديمة جديدة ، و عن قناعة يرى بأنّ أسلوب العلاج لا يمكن أن يكون بهذا التفكير الذي تشوبه تصدعات رغم جبرها فهي قابلة للتجدد ، و من هنا فإنّ مركز القضية في هذه الرواية لا يخص الإنسان اليمني وحده بقدر ما يرمي إلى الإنسان الذي طحنته الآلة و الدمار و فك عزلته و الدعوة إلى التخفيف من عبئه على الأقل ، و مواجهة جبهات بشرية أصابها العفن لا همّ لها سوى تحقيق ما يمكن تحقيقه من لذّة و سعادة ، تعاني فسادا في البنية الذهنية و خللا في تساوق المشاعر و غموض في كثير من المفاهيم التي تحدد معنى الكون و غياب القوانين الإنسانية المشتركة ، استاطاع السارد أن يحقق بهذا العمل تصنيف الصراع بشيء من الذكاء و التحفظ في المعطيات التي شهدها أو نقلها ، بلغة بسيطة ، منسجمة في الأداء، لا تفارق الواقع في التوصيف و الترتيب ووضوح الخطاب الذي تحمله ، بداية و نهاية ، المصحف الأحمر محور الرواية و محركها ، أهمّ عتبة تتسع و تتنامى عكسيا لتحطيم جدران المدينة ، لكن الروائيي يجعل منه في النهاية صورة قابلة للزوال و العودة بمفهوم جديد في انتظار ذلك لابد من قناعة جديدة أيضا« سهرت الليالي أنتظر ظهورك من جديد كما كنت تظهر فجأة.. حاولت أن أتخيل طرقاتك على الباب كما كنت .. أن أسمع صوتك.. و هاهي السنة العاشرة و أنا أحاول في كلّ ليلة أن أجدك إلى جوار فرش أمي التي رحلت و تركتني و حيدة أمضغ وحدتي... لم يعد لوجودي معنى إلا بوجودك .. سأظل أنتظرك بعد مغيب كلّ شمس على حافة فراشي أمّي...» 3.

-----------
1 - محمد الغربي عمران ، مصحف أحمر ، رواية ، مركز عبادي للدراسات و النشر ، نادي القصة إلمقه ، ط 4 ، 2012 م ، ص:17.
2 - ص:177.
3 - ص: 311.

صورة السعيد موفقي