Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

عبد القادر علولة و تجربته مع مسرح الحلقة ... ثلاثيته الخالدة أنموذجا

قبل الولوج الى قراءة بعض هوامش مما تحوزه تجربة عبد القادر علولة في مجال المسرح , أرى أنه من الضروري و ليس من الخيار فهم علاقة النص بالمسرح : لأن الكثير من الهواة ينظرون الى النص المسرحي على أنه عمل مستقل يمكن أن يقرأ دون الارتباط بالركح المسرحي و بمعنى أدق و أوضح . أن النص المسرحي يمكن أن يقرأ كما تقرأ الرواية أو يقرأ ديوان من الشعر . و الحق أن النص المسرحي مهما تبلغ قيمته الأدبية و الفنية لا يمكن أن يكشف للقارئ عن كل قيمه و معانيه ورموزه الا اذا ربط القارئ بينه و بين الركح المسرحي من خلال تجسيم شخصيات النص و تخيل حركاتها و اشاراتها و اسلوب حديثها , ... لأن التجربة أثبتت أن القارئ عادة ما يتجاوز و صف المؤلف للمشهد المسرحي من حقائق اعتمادا على ظهورها في الاداء و الاخراج فيفوته بذلك الاطار الذي تتحرك فيه الشخوص على خشبة المسرح (1)

و بعد هذه اللفتة القصيرة المتعلقة بعلاقة النص بالركح المسرحي نعود الى تجربة المسرحي الكبير عبد القادر علولة و بما أن الراحل , أشهر من نار على علم , و منه سوف لن أسهب في تعريفه , أو تقديمه عبر مسار سيرته الذاتية و الابداعية . بل مداخلتي سوف تقتصر على أهم الاضفات التي التي أثرى بها المسرح الجزائري و المغاربي .

إن المتتبع للأعمال الفنية للمسرحي الكبير عبد القادر علولة , تتأكد له فرضية في غاية الأهمية مفادها : أنه كان فعلا منظرا للمسرح الجزائري , و مثل هذا الاستنتاج ليس مبعثه الخواء , و انما يستند على خلفية تاريخية و مختصرها أن : (جورج أبيض) لما زار الجزائر في الربع الأول من القرن العشرين لم يلق الاهتمام اللائق, مما يدل على الفقر الشديد بأدنى أبجديات الأدب التمثيلي فيها, ولكن الحقيقة ليست كذلك إذ إن العروض المسرحية المشخصة للأحداث كانت عبارة عن وهم يبعث في نفس المشاهد الإحساس بالانفصال عن الواقع المعيش وعن المنطق السائد, وبالتالي الإحساس بالحيلة والخداع. وهذا راجع لطبيعة المجتمع الجزائري الذي يعتمد الكلمة الصادقة الحكيمة وسيلة للإقناع والتأثير والإمتاع, إذ كان ثمة عروض شبه مسرحية تستقطب الجماهير, وهي عروض الحلقة الأسبوعية التي يجسدها المداح أو الراوي الذي يجول في أساطير وتاريخ المجتمع وتراثه, فيحوله ببراعة إلى متعة فنية.(2)

إن ما سلف ذكره من تلخيص يؤكد لنا حقيقة عدم ازدهار المسرح في الجزائر في الربع الأول من القرن العشرين ؟إ و من باب التدقيق أكثر أنه لم يكن هناك مسرح على الاطلاق بالمواصفات العالمية ـ قاعة ’ ديكور ’ ممثلون , نص , اخراج .... الخ . بل ما كان متوفر هو القوال أو الحكواتي أو الحلقة أو المداح في الاسواق التجارية الجزائرية الأسبوعية . و من هنا يبدأ الاستثمار الحقيقي في التراث الشعبي من لدن المسرحي الكبير عبد القادر علولة و تبعا لتوصيف الحلقة الذي يتضمن الحلقة عرض قصصي في الأسواق التجارية الأسبوعية التي تعرفها أغلب مناطق المناطق الجزائرية , حيث يتجمع الناس على شكل حلقة دائرية حول المداح الذي يحكي بنوع من المهارة السردية قصصا ملحمية ووعظية مازجا لوحاته الحكائية بأغان شعبية تعضد ما يسوقه من أخبار, .

و لو حاولنا تقفي الحس الفني للمسرحي عبد القادر علولة في الحيزين الزماني و المكاني و أثناء استثماره في فرجة الحلقة نلاحظ أن عبد القادر علولة اقتنع فعلا بأن المداح شخصية فنية و تقدم شيئا مفيدا و الدليل تحلق الناس من حوله و هم في ذلك غير آبهين بحرارة الشمس صيفا , و البرد القارص شتاءا , ترى من أين بكل هذه القدرات للمداح حتى يأسر جمهوره فيتوغل بذلك الى احاسيسهم و مشاعرهم و يدخل الفرحة الى قلوبهم ؟. جمهور من المتسوقين يتفاعلون مع غنائياته و حوارياته الرصينة و المطعمة بالحكمة و الرؤى و الخيال الساحر ... نعم عبد ىالقادر علولة و هو على هذا الحال من الدهشة ازاء ما يقدمه المداح قرأ عدة هوامش في فنه الغارق في التراث الشعبي ,,, و منه فهم أن فرجة الحلقة في الأسواق الشعبية لها علاقة و طيدة بالمسرح و منه سارع الى توظيف فنيات المداح فيه و على الركح المسرحي ؟إ بعد مزجها بتجربة ـ بريخت ـ :
و أهم تجربة مسرحية في هذا المجال قام بها الكاتب الدرامي عبدالقادر علولة (1939-1994) فقد مزج بين المفاهيم البريختية (برتولد بريخت 1898 -1956 ) وبين مسرح الحلقة بتوظيف القوال (الحكواتي) مع الحفاظ على عنصر الفرجة المتمثل في المشاهد المسرحية التي يجسدها الممثلون والتقمص التام للشخصيات, وهذه ميزة مهمة جعلت المسرحيات تحافظ على بنائها الدرامي. ..... كما أستعان الكاتب الدرامي عبد القادر علولة بمشاهد مونودارامية في ثنايا بعض مسرحياته تشبه إلى حد بعيد البناء الدرامي لمسرح المقهى, حيث يتجلى لنا هذا في اللوحة الأخيرة من مسرحية (الأجواد) مع جلول الفهايمي, فهو مشهد يمكن الاستغناء فيه تماما عن الممثلين المساعدين مع الحفاظ على الممثل الواحد.و مع مرور الايام و السنين نجح عبد القادر علولة في ترسيخ هذا النوع من المسرح في المعامل و القرى الاشتركية و من خلال هذه التجربة الذكية صار للمسرح الجزائري جمهورا .

لقد أثرى الكاتب الدرامي عبد القادر علولة الساحة المسرحية في الثمانينيات بثلاث مسرحيات متميزة هي (الأقوال) 1980 و(الأجواد) 1985 و(اللثام) 1989, عدها بعضهم ثلاثية لترابط الحدث فيها في العمق.

و ما يؤسف له ومن خلال متاباعاتي و حضوري لكثير من الندوات , لاحظت أن الكثير من النقاد عندما يتناولون الراحل عبد القادر علولة , يحددون ماهمه في في التمثيل و و الاخراج , و الصحيح أن الراحل كاتب مسرحي من الطراز العالي , و لابراز بصماته في الكتابة المسرحية اقتبست ثلاثة نماذج من ثلاثيته ـ ( الأقوال , و الأجواد , و اللثام ) لآبرز حقيقة في غاية الأهمية تتمثل في أن المسرح ليس ارتجالا , بل قاعدته النص , و لو حاولنا قراءة النصوص السالفة الذكر نجد عناصر بنية السرد مكتملة بها و أعني بعناصر بنية السرد هو حضور ـ الزمان و المكان و الشخوص و الحدث و الحوار و اللغة القريبة من الشعر ..الخ و هذه بعض العينات
مسرحية (الأقوال)
تمثل مسرحية (الأقوال) بداية النضج والوعي الاجتماعي الحقيقي من خلال شخصية قدور السائق الذي يقدم استقالته لمدير المؤسسة التي يشتغل بها منذ أكثر من خمس عشرة سنة, فبعد ما كان تابعا لمديره في كل شيء يدرك في الأخير حقيقته بأنه كان ينهب أملاك المؤسسة ويعيث فيها خرابا.
(سي الناصر خذ اقرأ هذه الرسالة.. رسالة موجهة إليك يا حضرة المدير نعم فيها استقالتي..)
والاستقالة في الحدث هي انفصال شخصية قدور عن شخصية الناصر مدير المؤسسة, مع أن الرابط التاريخي كان قويا بينهما, فكلاهما شارك في الكفاح المسلح ضد المستعمر إلا أن ذلك لم يمنع الناصر من تخريب ممتلكات الشعب.
(واحسرتاه على سي الناصر الشاب البطل.. الشاب الذي كافح من أجل العدالة الاجتماعية..أين ذاك الشاب? السي الناصر - رحمه الله).
(إن تبعية قدور لمديره الناصر كانت تبعية مطلقة, وسببها الثقة العمياء والصداقة المخلصة, إلا أن إدراك قدور الحقيقة جعله يمقت مسئوله وأعماله الشنيعة مما جعل الثقة تنعدم بينهما).
(بعدما أخرج من هنا.. أرجوك لا تبحث عني ياسيدي..فطريقنا من اليوم لم يعد واحدا.. وربما يكون اختلافنا إلى الأبد..).
إن ما جرى لقدور يمثل لحظة وعي تام لأحد أفراد شعب أدرك من متناقضات الحياة أن الخطابية الأيديولوجية لا تكفي بل يجب تدعيمها بالأفعال.
تلفت مسرحية (الأقوال) الانتباه إلى بعض المشاكل الاجتماعية العويصة التي سيواجهها المجتمع الجزائري ومنها الفقر والبطالة الناجمة عن تسريح العمال وطردهم, وهذا ما شهده المجتمع الجزائري وعايشه بعد ذلك بصفة رهيبة., وهذا ما تصوره قصة غشام ولد داود الذي يحال على التقاعد مرغما جراء مرضه المزمن الخطير..
(ودخلت المعمل, كانت أصعب لحظة بالنسبة لي حين وصلت الورشة التي أشتغل بها.. كل الزملاء كانوا على علم بالخبر ويتألمون لذلك, ولكنهم يكتمون ألمهم..أخبرهم بوعلام النقابي بلا شك, وأوصاهم بأن يحسنوا الكلام معي, لمحت في وجوههم وسكوتهم الموت..).
ويطرد الجيلالي خال زينوبة بنت بوزيان العساس كذلك من العمل جراء إضراب قام به ليعيش حالة فقر فظيعة.
(جمعنا العمال في جمعية عامة وأنشأنا نقابة ثم انتخبنا المكتب, كنت أنا وستة أشخاص من الأعضاء.. بعد ثلاثة أشهر طردت من العمل ولم نحقق أي شيء للعمال..).
(الأجواد)
تمثل مسرحية (الأجواد) بالنسبة لعلولة مرحلة المقاومة للدفاع عن المكتسبات الشعبية, وهذه المقاومة يقودها أفراد من الشعب لمجابهة التخريب والمساس بالثوابت, فالأجواد: الكرماء, والجود صفة تميز الأثرياء من أفراد المجتمع, بيد أننا نجد أجواد عبد القادر علولة من الطبقة البائسة المعدمة فالربوحي الحبيب حداد بالبليدة, له دخل محدود ولكنه بفعل تكوينه الاجتماعي والفكري جواد كريم, يجود على المجتمع بجهده ووقته وحكمته وشجاعته وأفكاره ويواجه مصاعب البلدية.
الربوحي الجيب الحداد تحمل القضية, قال لهم: (من أجلكم وفي خدمتكم ولو بقطع الرأس أتجند وألتزم بالمهمة).
كما أن عكلي يجود بجسده أي بهيكله العظمي للثانوية التي يشتغل بها, إنه بفعل ثقافته المتبصرة وفكره النير يدرك جيدا أن الفرد لا قيمة له في المجتمع, ولكن التغيير في نظره وليد المبادرة والشجاعة..
(أهدي جسدي.. هيكلي العظمي للمدرسة, وأجعلك وكيلي في تنفيذ الوصية).
أما جلول الفهايمي فكان يجهد نفسه لفهم متناقضات المستشفى, كان يرفض الظلم واللا معقول فهو يختلف تماما عمن يرضون بالواقع ويتماشون معه.
(إنكم تقولون بأننا (مافيا) وأنتم تريدون تطبيق الاشتراكية افعلوا إذن ... إنكم تقولون بأننا نسرق..فلنفرض أننا نسرق وأنتم ماذا تفعلون?!).
إن المسرحي علولة من خلال اختيار هذه النماذج من المجتمع, إنما يشخص الداء الذي ينخر جسد المجتمع الجزائري, فقصة الربوحي الحبيب تظهر سوء التسيير الإداري الداخلي وقصة عكلي تبين أزمة المنظومة التربوية وبالتالي أزمة العلم ومستقبل الأجيال, أما قصة جلول الفهايمي فتجلي أزمة المنظومة الصحية وتدهور أحوالها.
إن هذه القطاعات الثلاثة حساسة جدا في أي مجتمع من المجتمعات, بقوتها يتقوى المجتمع وبضعفها يسوده التفكك والفوضى.
(اللثام)
بعد مسرحية (الأجواد) يواجهنا علولة بعرضه (اللثام) الذي ينبيء فعلا عن انهيار النظام القائم وانحسار الأيديولوجية السائدة آنذاك, إذ يبين بطريقة رمزية أن مؤسسي الفكر الثوري وحاملي لواء العدالة الاجتماعية هم المخترقون الأصليون للمبادئ التي يحملونها, وبالتالي فهم الذين يقضون عليها, إذ تعرض المسرحية القصة الكاملة لبرهوم ولد أيوب الميكانيكي العامل البسيط في أحد معامل صنع الورق, حيث يتمكن بتحريض من ثلاثة نقابيين من إصلاح الآلة الرئيسية بالمعمل, فيتهم إثرها بالتخريب والخيانة, والحقيقة أن المسيرين والإداريين خربوا الآلة للقضاء على المصنع, لتحويله بعدها إلى قطاع خاص فيتمكنون من الاستيلاء عليه.
(أحب أن أقدم خدمة في حياتي ..لا يمكنك أن تقوم بأي شيء ..مصيرك يتحكم فيه الآخرون).
ويجدع أنف برهوم بعد محاولته إنقاذ المصنع, ويحاول تقديم شكوى ضد المسيرين, ولكنه يضطر إلى المرور بشوارع المدينة فيكبله الخجل, وكأنه قام بجريمة, ويجاهد نفسه للوصول إلى الجهات المعنية لتقديم شكواه.
(أحس برهوم الخجول أنه يطير في السماء.. يعلو مرة ويهبط أخرى, كأنه يسبح فوق رءوس الناس, وبدت له المدينة غريبة..وتراءت له صورة عجيبة كأنه فقد عقله.. من الأعلى رأى أناسا يصرخون عدالة.. عدالة..رأى صبيانا عارين يجرون وفي أكفهم الجمر, رأى أناسا ثيابهم أنيقة ينظمون مظاهرة وهم مسلحون ويحملون لافتات كتب عليها (الجشع ..الجشع حتى الموت .. كل شيء يؤخذ بالقوة وكذلك الويل لمن لم يرقص مع أمريكا) رأى ساعات عقاربها تسير معكوسة .. رأى نيرانا مشتعلة في العمارات الإدارية ...خاف برهوم ولد أيوب الأصرم وانطلق يجري حتى بلغ خارج المدينة), وتكون نهاية برهوم الهروب إلى مقابر المدينة بعيدا عن المجتمع وعن أسرته.إن مسرحية اللثام بينت عمق الأزمة السياسية الأيديولوجية التي عاشها المجتمع الجزائري في الثمانينات, كما تنبأت بصدق عن انحسار الفكر الثوري فيها, واقتراب سقوطه, وكانت الأحداث السياسية التي شهدتها الجزائر بعد ذلك مرآة عاكسة لتكهنات الفنان.
إذا كانت مسرحيتا (الأقوال) و(الأجواد) تنبأتا بفساد الوضع الاجتماعي, فإن مسرحية (اللثام) حاولت التحذير من العواقب السلبية, لتبين أن الأزمة أصبحت أكثر عمقا وتعقيدا وأن الحل أضحى مستحيل

خلاصة الخلاصات و من خلال عرضنا لثلاثية الراحل عبد القادر علولة نكتشف أخيرا و ليس آخرا أنه يمتلك رؤية سياسية , و له مستويات راقية في قراءة التحولات التي عرفتها الجزائر .و ما يميز ه عن الكثير من المسرحين أنه لا يكتفي بعرض الأزمات و لا أقول المشكل و لكنه يحاول تنمية احساس المشاهد قصد
استفزازه للبحث عن الحلول .

المراجع :
ـ مداخلة للراحل عبد القادر علولة في المسرح الوطني ـ 1988ـ
ـ مسرحية اقوال
ـ مسرحية الاجواد
ـ مسرحية اللثام

نص مداخلتي في المهرجان الوطني للمسرح الفكاهي ـ المدية 27 سبتمبر 2013 ـ

صورة جمال غلاب