Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

الناقد المغربي فريد معضشو... في ضيافة المقهى

- الحلقة 123-

من الناظور الساحرة، مبدع ينبش في أغوار النصوص ويقرأ ما وراء المكتوب، ليقدم لنا قراءات نقدية تنثر أريجها هنا وهناك، يحلم بمقاهٍ ثقافية يؤمُّها المبدعون والفنانون لتدارُس قضايا الأدب والفن والفكر، من أجل التعرف على علاقة المبدع فريد معضشو بالمقهى كان الحوار التالي...

بعيدا عن عالم الكتابة، من هو فريد معضشو؟

في الحقيقة، أجدُ بعضَ الحَرَج في الحديث عن نفسي؛ لأني أعتقد أن الكاتب الحقّ يُرْجئ ذلك إلى وقت لاحق من حياته بعد أن يحقق التراكم، الكمّي والكيفي، المُسوِّغ لمثل ذلك الحديث، لتكون سيرته المكتوبة "حصاداً" لمسيرته الحياتية التي مَلأها بالعطاء الفكري. وقد يكون الأمر أجْدى وأفضل لو تولاّه أحدٌ من مَعارفه المقرّبين منه، المُلازِمين له .. طبعاً، هذا كلامٌ أشير به إلى كبار الكتاب ممّنْ يتركون بصْماتٍ في سماوات الإبداع والفكر عموماً، لا إلى أولئك الذين لا تزيد أعمارُهم في عالم الكتابة عن بضع سنوات؛ مِثلي! ومادام قد جَرَتِ العادة على استهلال الحوارات بمثل هذا السؤال النمَطي، أقول – باختصار – هذا العبد الضعيف من عُشّاق الحَرْف، أحْبَبْتُه منذ بدأتُ أتهجّاه، وأُدْرِكُ دلالات الكلام القريبة أولا؛ فانتسجتْ بيننا علاقة غريبة، مِلْؤها المحبة واللذة اللامحدودة، إلى درجة أني لا أستطيع، ولا أتصوَّرني قادراً في يوم ما، مُفارَقته، ولو إلى حين. وقد لا أبالغ إذا قلت إنه من "مكوِّنات الهواء الذي أستنشقه، وبه أحيا" (والكلام على المجاز كما لا يخفى). وبعيداً عن عوالم الكتابة، فإني شخص يحب الجدّ والصراحة والإخلاص في كل شيء، ويكره المكر والرياء وما يتصل بهما من قيم سَلبية. وأمارس مهنتي، وأؤدّي رسالتي، بحُبّ وتفانٍ، ويروقني التواصل مع مَنْ يُقاسِمني الاهتمامات والهموم.

كيف جئت إلى عالم الكتابة؟ والنقد بشكل خاص؟

فيما ذكرته، قبل قليل، إشارات إلى الإجابة عن الشق الأول من سؤالك. فقد كانت القراءة طريقي إلى الكتابة. ولا كتابةَ بلا قراءات سابقة عليها إطلاقاً؛ قراءاتٍ كثيرة ومنوَّعةٍ معاً. ولم آتِها بالصدفة، بل بالقصْد وبالاختيار والعشق أيضاً. ولستُ مِن الذين يُوثِرون التخصص الدقيق، والانغلاق على مجالٍ بعيْنِه، بل أميل إلى تنويع قراءَتي، وطرْق أبواب عدة أجناس أدبية وحقول معرفية مِمّا تقوم بينها أواصرُ وتكاملات. ولكني أُولِي أكبرَ اهتمامي وأوْفرَه لميدان النقد الأدبي، لعدة اعتبارات؛ منها الحاجة المتزايدة إلى نقدٍ يُواكِب الإبداع العربي، ويوجّه مساراته، ويُقيل عثراته .. نقدٍ يتسلّح بأدوات حديثة ناجعة قادرة على سبْر أغوار النصوص، وقراءة ما وراء المكتوب. ومنها الإحساسُ بضرورة الإسهام، في حدود المُسْتطاع، بإغناء مشهدنا النقدي ليتبوّأ مَكاناً سَنِيّا بين سائر النقود العربية اليوم. وإن صِلَتي بالكتابة بدأت، وتوطّدت، من خلال الممارسة النقدية، سواء بما أنجزتُه من أبحاث جامعية أو بما دبّجْته من مقالات ودراسات في مضمار النقد الأدبي (نقد الشعر – النقد السردي – النقد المُصْطلحي...).

ما الدور الذي يلعبه النشر الإلكتروني في مسيرة المبدع الأدبية؟

في الواقع، يلعب النشر الإلكتروني دوراً أساسيا في مسيرة المبدعين والكتاب، ولاسيما في أيامنا هذه، التي تشهد ثورة معلوماتية وتقنية غير مسبوقة. وذلك بالنظر إلى ما يُتيحُه من إمكانات لنشْر الإنتاجات الإبداعية والفكرية على نطاق واسع جدّا، وتبليغها إلى القارئ في أي مكان على البَسيطة بأقصى سرعة، ودون مشاقّ تُذكَر. ولذا، تعجّ المواقع الرقمية والمُنتدَيات الإنترنيتية بالمنشورات الأدبية، من إبداعات ومقالات وحوارات وغيرها، ويتعاظَمُ الإقبالُ عليها باطِّراد، لاسيما بعد أنْ أَدْخل القيِّمون عليها تعديلات وإضافات مهمة سهّلت العملية التواصلية التفاعُلية، ومكّنت زُوّارَها من خِدْمات أخرى رغّبَتْهم في النشر الإلكتروني وما يقدّمه لهم من موادّ أدبية متنوعة. ولئن كان هذا النشر وسيلة مُحَبَّبة بالنسبة إلى الكتاب الشباب، أو العاجزين عن توفير المال الكافي للنشر الورقي المكلّف، إلا أننا نرى – في الواقع – اقتحام هذا العالم من قبل الكتاب جميعاً، دون اعتبار لأجيالهم، بمَنْ فيهم المدافعون عن النشر الورقي، الذين يوصفون، أحياناً، بـ"التقليديّين"، والقادرون على توفير مقابل هذا النشْر؛ لِما تتيحه الشبكة العنكبوتية من فرَص النشر على أوْسَع النطاقات داخليا وخارجيا. لذا، إخال أن نشر الإبداعات وغيرها إلكترونياً مهمّ بالنسبة إلى الكاتب، اليوم، إذا ما كان يُراهِن على وصول إنتاجه إلى أكبر قدْر من القراء. وهذا التواصلُ مع القارئ يفيده، بلا شكّ، في بلْوَرَة تجربته الأدبية وصقْلها وتقويم ما قد يعتريها من فجوات وهنات، لاسيما في البدايات. و"البداية مزلّة"؛ كما قال أبو هلال العسْكري في القرن 4 هـ.

ما هي طبيعة المقاهي في الناظور؟ وهل هناك مقاه تهتم بالمجال الثقافي؟

لقد كانت المقهى – وماتزال في عدة أماكن من العالم – فضاءً أثيراً، ذا أهمية خاصّة، لدى المبدعين والكُتاب. ولكن هذه الأهمية تتراجَع في المجتمعات المتخلِّفة التي يقصد الزوار والناس فيها المقاهي لتزجية الوقت في التَّوافِه، وتَمْضِيته في النميمة وفي الجدالات العقيمة التي ضررُها أكثر من نفعها، علاوة على احْتساء كؤوس المشروبات التي تقدّمها لهم. وإذا اقتصرْنا على مدينة الناظور، فهي – كأغلب المدن المغربية – تعدّ مَقاهِيها فضاءاتٍ تُقصَد للاستراحة والترفيه، وللالتقاء بالأحِبّة والرفاق، ولمتابعة مباريات كرة القدم أو الأخبار وغير ذلك. وعلى الرغم من أن المدينة تتوفر على مقاهٍ راقية، من حيث التجهيزُ وجودة الخدمات المقدَّمة وظروف الراحة المُوفَّرَة، إلا أننا لا نجد من بينها ما يهتم بالمجال الثقافي اهتماماً واضحاً، بقدْر ما يهمّ أصحابَها مالِكِيها تحقيق الربح المادّي. وكل ما هنالك بعض المقاهي التي يرتادُها مثقفو الناظور، ويعْقدون فيها جلسات مسائية، تتخلّلُها نقاشات أدبية وفكرية جادّة تطول ساعات في بعض الأحايين، ويطّلعون خلالها على جديد مُبْدِعيهم ونقادهم فيما يخص نشْر الكتب أو المقالات أو النصوص الإبداعية، ويَقترحون مشاريعَ علمية وأنشطة ثقافية ترْعاها بعض الجمعيات الناشِطة في المجال الثقافي. وكان قد حاول بعض هؤلاء المثقفين، قبل سنوات قليلة، تأسيس صالون أدبي في إحدى تلك المقاهي، ولكنّ الفكرة لم تمْضِ بعيداً رغم التحمُّس الواضح الذي قوبِلتْ به إبّانئذٍ. وثمة مقاهٍ تُنظَّم فيها، أحياناً، أنشطة ثقافية؛ كتلك التي نَطمت فيها "رابطة المبدعين المغاربة بالريف"، خلال يونيو المنصرم، فعّاليات المقهى الثقافي للرابطة، في نسختها الرابعة. هذا رغم كثرة المقاهي في المدينة، على غرار باقي مدننا، إلى درجة أنكِ تسمعين مِنْ بعضهم قوله: "بين مقهى ومقهى يوجد مقهى"! وهي مع ذلك تظل مشاريع مُرْبحة لأصحابها، لا تحتاج إلى تكاليف كثيرة بعد شروعها في تقديم خدماتها للناس.

لعبت المقهى دورا مهمّا في مختلف المجالات خلال السنوات الماضية، فهل مازال هذا الدور قائما؟

هذا كلام صحيح، ولكن فيما مضى لا اليوم. فقد قرأنا عن مقاهٍ في الغرب، وفي بعض بلدان الشرق كذلك، اضطلعت بأدوار طلائعيّة سياسيا واجتماعيا، وأسهمت – بفعالية – في تنشيط المشهدين الأدبي والثقافي؛ بحيث كان يحتضن بعضُها لقاءات حاسمة، وتُطرح فيها أفكار للنقاش، وتولَد في أرجائها تصوُّرات ومشاريع مهمة، وتعقد فيها أندية ومجالس تحْفِل بالإبداع والنقد. والملاحَظ أن أدوار المقهى هذه قد تراجعت إلى أدنى المستويات، حتى لا نقول إنها قد اختفت! واستعاض عن تلك المهمّات، تحت تأثير ظروف كثيرة، بأخرى معروفة، اللهمّ إذا استثنينا منها بعض المقاهي التي يأوي إليها المبدعون والمثقفون؛ فيجتمعون إلى بعضهم، ولا تخلو لقاءاتهم تلك – أحياناً – من إثارة قضايا ذات صلة بالهمّ الثقافي والفني والإبداعي ونحو ذلك من النقاشات في شتى المجالات الحيوية.

إلى أي درجة تحضر المقهى في حياتك الإبداعية والاجتماعية؟

أرتادُ المقهى بصورة شبه يومية. أسْتَرِق بذلك برهة من وقتي للقاء الأصدقاء، وتصفح الصحف اليومية، ومعرفة المستجِدّات، علاوة على مقاسَمَة الجُلساء – أحياناً – بعضَ الأفكار والتصورات في مجال الكتابة بطبيعة الحال. وأرتاحُ أكثر في المقاهي التي توفر لزبنائها شروط الاستراحة؛ مِنْ مِثل منع التدخين في أجنحة منها، وجودة الخدمات المقدَّمة.

ماذا تمثل لك: الورقة، الطفولة، الحرية؟

الورقة: مَحْضَن آلامنا وآمالنا، على صفحتها نقيِّدها اتقاءَ انفلاتها منا مع انفلات أيامنا.
الطفولة: أسُّ الحياة السوية السعيدة، ومخزن جيناتها.
الحرية: كنزٌ لا يعْدِله كنز.. كنزٌ لا يشعر به المرء إلا حين يُحْرم منه.

كيف تتصور مقهى ثقافيا نموذجياً؟

في ظلّ الوضع القائم الذي عليه مقاهينا، آمُل أنْ تكون لنا مقاهٍ، في قادم الأيام، مُغايرةٌ، أو بعضها بالأحْرى.. مقاهٍ تولي اهتماماً أوفرَ للثقافة بصفة عامة، وتكون مزارات يؤمُّها المبدعون والفنانون وغيرهم من المثقفين لتدارُس شؤون الثقافة والفن، ومناقشة جديدها وقضاياها، والتعريف بإنتاجاتهم، والتقدُّم بمُقترَحاتهم وأفكارهم بما يعود بالنفع على الساحة الثقافية ببلدنا. والمقهى المأمول، ها هنا، أو "المِثالي" كما عبّرتِ في سؤالك، أتصوّرُه مُسيَّراً من قبل رجل، أو امرأة، ذي (ذات) اهتمام بالثقافة، ويحرص على توفير ظروف الراحة لقُصّاده من أهل الثقافة والأدب والفن، وحَمَلَة القلم؛ مِنْ مكيِّفات في أوقات الحر، ومُدفّئات في أوقات القرّ، ومنع التدخين على الأقلّ في زوايا أو أجنحة منه، وتأثيث فضائه الداخلي بأعمال فنية مناسبة تحترم ذائقة زُواره، وتوفير صُحُف متنوعة وخدمات راقية، وسيادة الهدوء داخله حتى تُتاحَ فُرَصُ القراءة والتأمل والإبداع... ولا ريب في أن مقهىً بهذه المواصَفات سيُقبل عليه المثقفون بكثافة، وسيستفيد منهم كذلك من جميع النواحي، وسيعطي له إشعاعاً، ويَضْمَن له سُمعة محترمة.

صورة فاطمة الزهراء المرابط