Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

هاتف أبي

- ألو
- ..................................
- أهلاً وسهلاً، إزي حضرتك؟ وإزي الباشمهندس عماد؟
- .....................................
- الله يسلمك؛ بلّلَّغيه تحياتي.... وإن شاء الله نشوفكم قُرَّيْب.
- .........................................
- إيه؟! أبويا!!..... أبويا مات من 13 سنة يا افندم؛ بيسلم عليَّ إزاي مش واخد بالي؟!
- ..........................................
- قابلتوه في اسكندرية؟!..... أكيد في سوء تفاهم أو حد بيهزر!!.... بقول لحضرتك أبويا مات من 13 سنة الله يرحمه.

(بينما كانت مدام هالة تدفع لزوجها – المهندس عماد – بالهاتف ليؤكد لي واقعة مقابلة والدي لهما في الإسكندرية فتحت السماعة الخارجية إشباعاً لفضول زوجتي وأولادي).

- ألو
- أهلاً يا افندم ازي حضرتك؟... واحشني جداً.... إيه الحكاية.
- ازيك أنت وإزي لطيفة والأولاد.
- كلهم بخير بيسلموا على حضرتك... إيه حكاية السلام اللي باعته لي أبويا معاكم ده؟... يا عمنا أبويا مات وشبع موت!!
- يا ابني هو ده اللي حصل... إحنا كان قاعدين ع الكورنيش
- كمان ع الكورنيش؟... أوعى تقول لي كان خارج من البحر لابس المايوه؟!
- خلليني أكمل وبطل هزار... فجأة عدى واحد قدامنا الخالق الناطق أنت... قلت لهالة: مش ده وائل؛ وللا أنا مش واخد بالي؟.... قالت أي والله هو.... أنده له... ترددت لحظة لأنه كان لابس جلابية بيضا.... الحقيقة هو كان لابس أبيض في أبيض.... قلت لها: وهو وائل هايلبس كده ليه؟.... وكمان هو عارف إننا هنا لو جاي كان اتصل واتقابلنا... لكن الشبة الغريب شجعني على إن أنادي عليه...
• يا وائل؟
التفت ناحيتي وقال - بابتسامة لا تختلف أبداً عن ابتسامتك-:-
تقصدني أنا؟!... وقبل أن أعتذر لقيته بيسلم علينا ببشاشة... لما قرب بان إنه أكبر منك في السن .... التجاعيد هي الفرق الوحيد بين وشك ووشه.... قال لي: إنت تعرف وائل ابني؟..... قلت له: آه إحنا نسايب... زغدتني هالة في جنبي وقالت لي بص على علامات التعجب على وشه.... هي بالظبط علامات التعجب اللي بتظهر على وشك يا وائل... تداركت التعريف وقلت له أنا خال زوجته ويمكن إحنا فعلاً ما اتشرفناش بحضور الفرح وماقابلناش حضرتك قبل كده.... لكن وائل نسخة تمام من حضرتك!... قال: ابني بقى؛ وضحك كما تضحك أنت!.... ما اتكلمش كتير وأخرج محمولاً وقال لي: نمرتك كام؟... أمليتها له فرنَّ عليَّ.... وسجلتها؛ تحب تاخدها لو مش معاك؟!
- أوبا... افتكرت...
- افتكرت إيه؟... افتكرت إن والدك ما ماتش؟... وللا أنت عاوز تجنني؟!!
- لا يا عمنا العفو.... لكن دي حاجة غريبة جداً.... من سبع سنين أول أما اتجوزت لقيت عمي بيكلمني في التليفون وبيحكي لي عن مقابلة أبويا له.... المرة دي كان عمي راجع من الشغل...
- عمك مين؟!
- نسيبي.... بابا لطيفة...
- ها وبعدين يا سيدي؟!
- وبعدين عمي استغرب زي حضرتك كده تمام وقال لي عموماً نمرة التليفون اللي سابها أبوك أهه.... خدها واتأكد بنفسك إنه هو وللا لأ أنتوا أدرى ببعض!!...... لم تلفت نظري ساعتها غرابة النمرة .... لهفتي على سماع صوته والتأكد من الحكاية خللاني أضرب النمرة على طول.
- ها وردت؟!
- أيوه... وطلع هو... أبويا!!.... بارك لي ع الجواز... ودعا لي.... ووصاني ع المرحومة أمي .... كانت لسه عايشة... وقبل ما أسأله هو فين وإزاي أشوفه... انقطع الخط!!
- بتقول إيه يا وائل؟!... الكلام ده جد.... ناوليني الموبايل يا هالة...
- زي ما بقول لحضرتك كده... قعدت يومها خمس ساعات أحاول اتصل به تاني ما فيش غير رد واحد: "هذا الرقم غير موجود بالخدمة من فضلك تأكد من الرقم الصحيح وأعد المحاولة".... أربع مرات أكلم عمي أطلب منه النمرة تاني... يمليها لي.... ويحلف إنها صحيحة ويحاول هو كمان يتصل ما فيش فايدة!!...... لعمي واحد صاحبه في السنترال اتصل به وملاه النمرة علشان يشوفها باسم مين ... الراجل قال لعمي: مليني بقية النمرة.... عمي قاله هي كده.... رد: مافيش نمرة كده خالص الرقم ناقص تلات أرقام.... قال له عمي: طيب يمكن نمرة من بلد تانية... الراجل أكد إنه ما فيش نمرة كده في أي حتة.....
- استنى يا وائل.... أبوك معايا على الموبايل..... ألو.
(وانقطع صوت المهندس عماد؛ فانتظرت.... ولم يعد.... قلت: ألو لم يرد... كانت هناك أصوات بعيدة للسيدة هالة تناديه: عماد .... فيه إيه؟!.... يا عماد رد علي.... قلقت جداً وخاطبتها عبر الهاتف المفتوح: ألو يا مدام هالة.... ردي عليَّ من فضلك.... إيه اللي حصل؟!.... ماله المهندس عماد؟!.... لم ترد... تركت سماعة التليفون في يد زوجتي تحاول أن تتلقى منها إجابة وقفزت على سلالم منزلي – بالبيجامة – للشارع... لا أعرف كيف وصلت إلى منزل المهندس عماد!!.... دققت الجرس مرات ثم خبطت على الباب نفسه... لا أحد يجيب... نزلت أسأل البواب الذي رمقني بنظرة مستنكرة... لم أكترث لها... ولكنه أفادني بأن المهندس عماد في المستشفى!!... مستشفى إيه؟! سألت البواب فلم يعرف.... عدت إلى بيتي وبدأت أطلب مدام هالة والمهندس عماد على الموبايل... ساعتين حتى تلقيت رداً منها: إحنا في مستشفى "عين الحياة".... اصطحبت زوجتي إلى هناك... كان عماد يرقد على سريره زائغ العينين.... يتمتم بكلمات غير مفهومة... دخل الطبيب وأخرج الجميع من الغرفة: لازم نسيبه يرتاح.... بكره الصبح هايبقى عال... معلش صدمة عصبية... لكن مش خطيرة!!....
لم استطع مغادرة المستشفى... كان الإحساس بالذنب يقتلني... ولم أستطع حتى أن أتحدث مع زوجته أو أعرف منها تفاصيل ما حدث....
صحوت على صوت الممرضة يحادث عماد: صباح الخير... حمداً لله ع السلامة... دخلت الغرفة بينما هو يحاول الاعتدال في السرير ويسأل الممرضة عما حدث وأين هو؟ ولماذا.... عندما رآني أومأ برأسه كأنه قد تذكر أخر ما كان منتبهاً له بالأمس...
- روايتك محبوكة قوي... أبوك مات.... ومع ذلك كلمته امبارح في التليفون!!.... وقابلناه في إسكندرية!!... هو فعلاً .... لكن امبارح كان غاضباً جداً عليك لأنك قلت لي اللي حصل.... قال: قل له إزاي تبوح بالأسرار دي؟!.... أبوك غصبان منك؛ وماتحاولش تكلمه.... وقفل الخط... حاولت اتصل به تاني فكان الرد: "هذا الرقم غير موجود بالخدمة من فضلك تأكد من الرقم الصحيح وأعد المحاولة"... الغريبة إني لم ألاحظ أن النمرة مكونة من رقمين بس إلا بعد خمس محاولات للاتصال!!.... رقمين؟ وترد؟!... وواحد ميت بكلمني؟!.... قبل كده قابلني؟! إزاااااااااااااي؟!.... رواية محبوكة لكن لن تدخل دماغي أبداً.... ده ملعوب منك وخللي بالك أنت كده بتخسرني للأبد....
- يا افندم إزاي بـــ.....
- قد كده أنتوا جيل مستهتر؟!... فاكرني عيل صغير ممكن يخيل عليه حاجة زي دي؟!... إزااااااي؟! ولك عين تكمل وتيجي هنا واريا؟.... إيه عاوز تجنني؟! أطلع بره....
(كان صوته مرتفعاً وحاداً؛ الأمر الذي جعل الطبيب يدخل مسرعاً... يا الله!!... إنه هو نفس الطبيب الذي لجأت إليه منذ سبع سنوات بعد أن عانيت من الحمى والتخاريف لمدة سبعة أيام – على أثر مكالمة أبي السابقة - ... أمي نصحتني بمراجعة طبيب مخ وأعصاب بعد أن ذهبت إليها أحكي لها ما حدث وعن نيتي أن أنبش القبر لأتأكد من وجود رفات أبي؟!.... قالت: أنت اتجننت رسمي... كل دي تخاريف وأحلام... وللا نسيت إنك فضلت لمدة أربعين يوم تحلم بالمرحوم راجع من ناحية المقابر ورايح جاي معاك من هنا لهناك؟!.. كانت دي برضك حقيقة ولا أحلام؟!... لحد أمتى حبك ليه هايخرب حياتك؟... روح اتعالج يا ابني وسيبك من التخاريف دي.... وإياك تنبش القبر!!... )
- فيه إيه؟ مالك يا باشمهندس؟!
والتفت الطبيب إلي دون أن ينتظر رداً من عماد...
- أنت مين وبتعمل إيه هنا؟!.... أوعى تكون عصبته؟!... اتفضل اطلع بره..
- إيه يا دكتور؟!... حضرتك مش فاكرني ولا إيه؟! ... أنا وائل...
- وائل مين يا سيدي اطلع بره دلوقتي... فيه إيه يا باشمهندس؟!
- معلهش يا دكتور اسمع الأخ وائل وحكايته....
(ابتسم الطبيب عندما تذكر الأمر وأدرك أن مجيء عماد بالأمس كان بسبب حكايتي القديمة/ الجديدة.....)
- يا أساتذة اسمعوني كويس... من يوم وائل ما تعالج عندي وأنا أبحث الأمر وأتابع ربما أجد ما يؤيد روايته في أي مكان.... المفاجأة إني لقيت....
- لقيت إيه؟! (رددت أنا وعماد في نفس واحد)
- لقيت إن التاريخ وخبراته وحدها تظل عاجزة عن تفسير الحاضر والمستقبل...
- يعني إيه مش فاهم؟! (رد المهندس عماد)
- يعني قوم يا باشمهندس روح... معندكش مشكلة... اللي مفروض يكون في السرير هو الجدع ده (قال الطبيب مشيراً إلي؛ وأردف)... لازم يستنى معانا هنا وأنا هابعت له استشاري الطب النفسي... ده ولد متدلع وحبه لأبوه حب مرضي وصل لدرجة الاعتماد عليه في حل مشاكله حتى وهو ميت.... أنا بأكد إن المشكلة عنده.
- لسه مش واخد بالي يا دكتور.
- شوفوا بقى أنا مش فاضيلكم... أظن كفاية تلات سنين مش عارف أنا نايم وبحلم وللا صاحي...
- فيه إيه يا دكتور مالك؟!
- تلات سنين أستيقظ على صوت الهاتف.. أرفع السماعة فأجد الممرضة على الخط تستدعيني لحالة حرجة... أجدني بعد لحظات في المستشفى .... أدخل هذه الغرفة فأجدكما... أسمع حكاية عن رجل ميت يتحدث في الهواتف ويقابل الناس ويوصي خيراً بابنه... أمنح المهندس عماد كتاب "فيزياء المستحيل" واحتجز وائل للعرض على استشاري الطب النفسي وأنصرف..... أجدني في مكتبي وقد غفلت لحظة... أصحو على صوت الممرضة تستدعيني هذه المرة مباشرة قائلة: لو سمحت يا دكتور في مريض نقلته الإسعاف وهو غائب عن الوعي ومعه زوجته..... أدخل هذه الغرفة لأجد المهندس عماد ملقى على السرير وزوجته بجوازه تبكي وتحدثني عن مكالمة هاتفيه من رجل ميت انتهت بإغماءة لعماد لم يفق منها.. أعمل ما يلزمه وأنصرف.... لأصحو مجدداً على هاتف منزلي يرن وصوت الممرضة يستدعيني....يتكرر المشهد الحالي..... تلات سنسن على ده الحاااال..... حرااام عيكم أنا هاتجنن خلاص أخرجوا من دماغي بقى....
- يا دكتور أنا فعلاً عندي كتاب "فيزياء المستحيل" بس حضرتك أنا ما أخدتوش منك.... أنا اشتريته من أسبوع.... ثم أنا جيت هنا امبارح بس... وبعدين...
- لا بعدين ولا قابلين كفاااااية... نفس التبريرات والكلام المكرر من تلات سنين!!... تحب أقولك كنت ها تقول إيه بعد "وبعدين" بتاعتك دي؟!
- ها.... تحدي بقى يا ريت تقول لي كنت هاقول إيه؟!
- كنت ها تقول "وبعدين دلوقتي مراتي تيجي وتأكد لحضرتك كلامي إني جيت هنا أمبارح بس".. ها صح؟! قول كلمة حق...
(فغر المهندس عماد فاه وقال: صح صح .... كده أنا اللي هاتجنن... أنا كنت ها قول كده فعلاً.... بس ده جنان فعلاً... وتمالك نفسه وفر هارباً من المستشفى... بينما وقفت أنا لا أدري ماذا علي أن أفعل)
- تمت -
القاهرة 27 أغسطس 2013

صورة عبد الغني عبده