Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

الرحلة العلائية

إلى الفقيد العزيز محمد الدنّاي
بغيابك انتعش يتم هذا الجيل، ويتم هذه المدينة، أيضا، و التي يتساقط أبناؤها ، تباعا، وهم في عز العطاء! مدينة منذورة للموت دون أن تدير ظهرها للحياة!
في لحظة الفقدان يحضر المكان، ولو كان وجر ذئاب، قبل الزمان الذي توقفت عقاربه لحظة الموت، في حين ظل المكان مجسدا ل( الهيولى) التي لم يجد أمامها المعري- شاعرك الأثير- سوى طلب تخفيف الوطء بعد أن ارتدت إلى منبعها الأول. الناس في هذه المدينة يتوزعون بين قبر الحياة، وبين قبر الموت، وما بينهما مشاتل القبور المتناسلة. وسارد الذين لا سرد لهم- محمد زفزاف رحمه الله-كتب عن قبور الماء التي نافست قبور الأحياء والأموات المنتشرة بين الحجر والتراب.
لم يكن يملك جيلنا سوى العرق. لم ينحدر من سلالة مخنّتة تخرج مفتاحا وهميا، كل وقت وحين، لأرض ضيعتها في لحظة نشوة أعمت الأبصار والصائر!
ولم يحمل هذا الجيل دما أزرق يقايض به كل شئ.
ولم ينتسب إلى المحميين الجدد الذين سبّحوا بحمد الغازي ، بعد أن اقتطع لهم من البر والبحر والنهر ما شاء، واقتعدوا، أمام حوانيتهم الفارغة من كل شئ، الدكك المرتفعة، وزرابي مبثوثة، والطنافس المدغدغة، ورموا برؤوس أسماك الشابل المصدّرة إلى ما وراء البحر، وباعوا بالشئ الفلاني( بونات السكر والشاي والدخان) لرقيق الأرض، ونظرات شهبندر التجار تشع من عيونهم المفتوحة عن آخرها ، وكأنها أفواه غائرة لا تكف عن طلب المزيد!
لم يكن يملك هذا الجيل سوى العرق، ثم العرق. وكان الفرد منا ينافس الآخر في بذل مزيد من العرق. ولذلك انتشينا بالكتاب الأول، والفوز الأول، والبذلة الأولى والقبلة الأولى، والمنحة الأولى التي سمحت لنا بتفصيل أحدث موضات ذلك الزمان، وكأننا فرق رياضية تستعد للنزال، بالقميص المزهر، وبنطال رجل الفيل وحذاء الموكسان المستوحى من نعال الهنود الحمر.
ولما كانت هذه المدينة لاتشبه مدن الأسوار والمتاريس والأقفال والرتج ،والمتاهات الطافحة بالمؤامرات الصامتة، والأحقاد الدفينة، فإنها كانت وراء حبنا للحياة بصدر مشرع على الجهات الأربع دون حسابات ضيقة، أو صداقات موسمية.. وذهبنا إلى أقصى تخوم الهزل، إلى أقصى تخوم الجد أيضا. استقطرنا المتعة إلى آخر مداها.. متعة الجسد والعقل والروح! ورفعنا راية العصيان ضد المواضعات الزائفة، في الفكر والسلوك والمواضعات المختلفة، شفيعنا في ذلك الكثير من الأمل، القليل من متاع الدنيا، الكثير من الحكم والأقوال وقيم العدل والخير والإنتصار للإنسان، القليل من التجربة، الكثير من السذاجة، والحرب سجال.
صديقي العزيز
كل فرد منا حمل هذه المدينة بين الحنايا، وكأنها تعويذتنا الدائمة التي تمنع عنا البلاء ونحن نبحث عن موطئ قدم عند اختراقنا لبوابة الحلم بهذه المدينة التي أحاطتنا بأسوار من حرير، وأعطاف حارات ودروب من مسك وعنبر! في هذه المدينة تناسل الجد بالهزل ، والهزل بالجد.. وتناسلت الحكايا، وجسدت السنوات الأربع، أو الخمس، ما كان وما سيكون.. تذكر ، صديقي العزيز، تلك الليلة الليلاء، التي استيقظ فيها أستاذنا المنتسب إلى العالم الآخر، أستاذ المثل المبتذل الشهير ( ضرب زيد ضربة) الذي عوضه ب ( ضرب محمد علي كلاي ضربة)، تذكر لحظة فتحه لباب شقته- والساعة تشير إلى الثالثة صباحا- مرتعبا، أمام امرأة مكلومة تحمل صبيا لا يكف عن السعال، فلم يجدا أستاذنا الجليل بدا من الصراخ بأعلى صوته وهو يناقل سبابته بين جبته والمربع النحاسي الحامل لاسمه الكامل ولقبه العلمي الذي أوهم المرأة بالطب والطبابة. ولعن الأستاذ- الدكتور، في تلك الليلة سعال الديكة، وأصوات كل الطيور، معرجا على الحوافر والمخالب والأظلاف والأظافر..
ومادام الشئ بالشئ يذكر، سأروي لك وأنت هناك ما فعله، أحد المغرمين بالألقاب الزائفة عند حصوله على الإجازة التي وضعها في إطار من نحاس- كما فعل أستاذنا الجليل- وكتب بخط عريض فلان الفلاني: أستاذ مجاز! وقبل أن تشرق شمس الصباح تحول المجاز إلى موجز، بعد أن حفر أحد الخبثاء ،بتقنية عالية، اللقب الجديد الذي جعل ن صاحبنا موجزا بين يوم وليلة. !!
لم نكن نملك إلا العرق، ولتذهب النياشين الزائفة إلى الجحيم. ومنذ انشغالك- في نهاية المرحلة الجامعية- بأبي العلاء- وما أدراك بأبي العلاء- لم يكن ديدنك سوى المعرفة والتعرف والتعريف، برزانة الباحث، وعشق المتيم، ومتعة الولهان. ولم يمنع اشتغال قامتين سامقتين(طه حسين وبنت الشاطئ) على شاعر الفلاسفة أو فيلسوف الشعراء من اختيارك، لزاوية غير مطروقة، في هذه المرحلة مجسدة في السخر عند أبي العلاء، وهو اختيار أملته الرغبة في الإضافة واستكناه النص، دون السقوط في تلخيص التلخيص. والحفر لا تكون إلا لضعاف الطير!
وسيحظى شعر أبي العلاء، بأطروحتك الباذخة- في جزءين- والصادرة في2012 التي نظرت فيه لشعر هذا الشاعر عبر حفر أركيولوجي في المتن الشعري العميق ، شرحا وتأويلا وتركيبا لنظرية متكاملة تداخلت فيها البصيرة بالحس ، والوجدان بالمعرفة الواسعة، والإرتحال في المكان والزمان، بالسفر في الذات .وكما جاء في تقديمك للجزء الثاني بأن الدواوين الخمسة للشاعر( سقط الزند، ولزوم ما لا يلزم، واستغفر واستغفري، وجامع الأوزان، والدرعيات) إلا شهودا على تشعبات الطريق التي سلكها الإنجاز الشعري العلائي في رحلته الطويلة).
أستسمحك إذا تطفلت قليلا على هذا الميدان، و أشرت إلى أن –والمعري عرف عنه ذلك- الشاعر قد خبر الدنيا خلال سنوات أربع-ولعلها تعادل سنوات الرؤية البصرية- ثم رماها وراء ظهره لينخرط في نسق رؤية البصيرة، والعبرة – على حد قوله- بالمرئي وليس الرائي.
اعذرني إذا تطاولت على شاعرك الأثير، وهو الذى مارس النقد بأنصع أساليبه ، بل مارسه في السلوك اليومي أيضا. وامتناعه عن أكل اللحم ينبع من رؤية عميقة ترى في الكائن مجرد(آكل للحمه إلى أن يحين أجله).
لم يغادر-حربا أو سلما- المعري المعرة، ولم تغادر المعرة المعري. ولم تغادر- صديقي العزيز- مدينة الرحم الأول، ولم تغادرك هذه المدينة وأنت بين أحضان
( وردة الآس). كل ما في الأمر، أن (الطريق انتهت، وابتدأت الرحلة).
صديقي العزيز
هل كنت تعلم بأن هذه المدينة- وأنت تحمل مدينتك الرحم- ستكون مثواك الأخير، بعد أن حضر المثوى الأول ناصعا مثل مياه النهر عندما تتناوب مع السماء الزرقاء خلال أمسيات صيف ينفث عطر المرابع والمراتع بدون حساب. ومن المؤكد أنك قد رددت مع مالك بن الريب بيتيه الشهيرين تمجيدا لمكان المثوى
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا
برابية إني مقيم لياليا
أقيما علي اليوم أو بعض ليلة
ولا تعجلاني قد تبين ما بيا
آن للفارس أن يترجل.
عليك السلام إلى يوم الدين.

صورة عبد الرحيم مؤذن

التعليقات (1)

يُسْعِدُني أن أجِدَك
هُنا ــ أ . عبد الرحيم
تحِياتي لكَ وكلّ
الودّ لِقلَمِك
الجميل

صورة محمد الزهراوي أبو نوفل