Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

خريطة

أصبح الصندوق ممتلئًا، لا بد أن تحضر صندوقًا آخر. ولا بد أن تبدأ في عمل جرد شامل لمحتويات الصندوق قبل أن تحكم إغلاق غطائه بشريط لاصق استعدادًا لتخزينه تحت السرير. الصندوق الجديد سيمتلئ أيضًا عما قريب.

لا تشعر بأية مرارة تجاه بُعْدِه الذي سيدوم أبدًا. الألم الذي تخلفه خيبة الأمل وطول الانتظار غير متحققٍ أيضًا. لم يخدعها؛ أخبرها منذ البداية أنه لن يعود. طارد حلمه حتى أمسك به؛ عقد عمل في شركة شحن بحري عملاقة. سيلف العالم كما تمنى. أدى ما عليه حين طلب منها أن ترحل أيضًا، أن تلحق به، ولكنها رفضت. اللعنة على دوار البحر، أو دوار النهر، أو دوار أي قارب يتهادى على الماء. منذ أصبحت مزحة الزملاء والزميلات في الجامعة، بعد الذي أصابها في رحلة القناطر خاصمت البحار والأنهار. حجة سخيفة لعدم التنقل والاكتفاء بالحركة في المكان. حاول إقناعها بالسفر جوًّا فرفضت في إصرار؛ بالتأكيد يوجد ما يسمى بدوار الجو. يئس منها، ولكن حين ودعته في الميناء، وعدها أنه لن ينساها، ووفى بوعده. ووعدته أنها ستحافظ على ذاكرته، ووفت بوعدها. اتفقا على فراق آمنٍ، خالٍ من المرارات. فراقٌ برضا الطرفين.

داوم على إرسال مظروف، من كل ميناءٍ رست فيه سفينته، من كل بلدةٍ نزلها، أو معلمٍ زاره، يحتوي بطاقة بريدية، ورسالة قصيرة بعباراتٍ مختصرة وأمنياتٍ بالخير، وصورة له. لم يتغير نحوله بمرور السنوات، ولم يشب شعره. فقط تتغير الخلفية التي يتموضع أمامها.

كلما تلقت المظروف فعلت أمرين؛ بحثت في الخريطة الكبيرة التي تعلقها فوق سريرها عن المكان الذي تصوره البطاقة، أو في خرائط أخرى أصغر بالإنجليزية؛ الخرائط العربية ليس دقيقة تمامًا، أو في الأطلس الذي تشتري نسخته الأحدث بشكل دوري، في فترة حفلت بها نشرة الأخبار بأنباء عن ظهور دول و اختفاء دول. على سبيل التميمة تعلق في مرآة سيارتها نموذجًا للكرة الأرضية، تظهر عليها أسماء الدول بخط منمنم. على المكتب تستقر تلك المبراة في نموذج أكبر قليلاً، لكن الخط لا يزال منمنمًا. الأمر الثاني أنها تقف أمام المرآة الطويلة في غرفتها وقد رفعت الصورة إلى مستوى كتفها في يد، وفي اليد الأخرى صورة لهما معًا التقطها لهما ضابط بحري شاب في الميناء يوم سافر، بعد وهلة من التأمل في المرآة تعود إلى سريرها لمقارنة التفاصيل المتغيرة. هو لا يتغير أبدًا. لكنها تتغير. الشعيرات البيضاء تواصل التكاثر منذ أعوام ، وزنها زاد بنسبة خمسين بالمائة عن وزنها في ذلك الصيف الذي ودعها فيه. كما تعتقد أن قامتها بدأت تقصر.

أصبحت عليمة بعواصم البلدان، وعواصم الأقاليم، وعواصم الولايات، وعواصم المحافظات. خبيرةً بأسماء الموانئ ومواقع الجزر. أجابت مرتين على سؤال يخص الدول في مسابقة الإذاعة المدرسية، لم تعرف طالبة واحدة من بين ثلاثة آلاف طالبة بالمرحلة الثانوية الإجابة الصحيحة. بالطبع فليس لإحداهن حبيب مسافر. لم تستطع تمالك نفسها، وتركت مكانها أمام طابور الصف الذي ستلقي عليه درس الحصة الأولى في اللغة العربية، واختطفت مكبر الصوت لتلقي في وجوههن الإجابة بزهو يشوبه احتقار خفي. أحد الأسئلة كان عن الدول الاسكندنافية – ثلاثة دول - ، والأخرى عن جمهوريات البلطيق المستقلة –وهذه ثلاثة أيضًا! منذ ذلك اليوم أصبح اسمها في المدرسة "الأستاذة أطلس".

تعرف أن هؤلاء البحارة لهم في كل ميناء حبيبة، يحصلون بسهولة على ما يشاءون من الهوى. لا يزعجها ذلك على الإطلاق، مادامت تجد الرضا الكامل كلما مررت أصابعها على خريطة.

صورة سها السباعي