Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

مستويات الإنجاز القصصي في " قطط تلوك الكلام" للقاص محمد العتروس

تسعى هذه الورقة النقدية إلى إضاءة جوانب من عمل أدبي سردي، قد تكون في حاجة إلى إضاءة، وإبراز عناصر مضمرة تحتاج إلى كشف. ذلك أن كل نص أدبي جيد إلا ويمارس لعبة الثنائيات المتضادة :الإخفاء والإظهار، الإفصاح والسكوت،الهدم والبناء، المعلن والمضمر.
كما أنه ينصب الكمائن والفخاخ، ويخلق الفجوات والفراغات قصد الإيقاع بالقارئ في حبائله الدلالية والجمالية، بما يسمح بانخراط هذا القارئ في عوالم النص الحكائية وفضاءاته، والتآلف مع شخوصه. ولعل مهمتنا بوصفنا قراء أن نعيد ترتيب هذه المكونات القصصية، وترميمها بما يتيح لنا فرصة كشف الخفايا وملء الفراغات من جهة، وتعرية الكمائن والفخاخ التي تتوالد مع استمرار القراءة.
" قطط تلوك الكلام" هي المجموعة الخامسة للقاص المبدع محمد العتروس، وهي إضافة لافتة إلى المتن القصصي المغربي،كما أنها تمنح كتاباته صفة "التجربة القصصية"؛ لما تتميز به مجاميعه من بصمات دلالية وجمالية خاصة، تميزه بين الأصوات القصصية المغربية، و لجديته في التعامل مع مواد نصوصه، بعيدا عن أي استسهال أو غرور. فالقاص محمد العتروس " صَنَايْعِي" قصصي على حد تعبير القاص الكبيرأحمد بوزفور وليس مجرد هاو يتسلى ويملأ أوقات الفراغ بخربشات. إنه يغوص في نصوصه، ويكتب " بجدية الطفل الذي يلهو." كما يقول الكاتب الأرجنتيني بورخيص.
1 العنوان: جدل الصورة والإيقاع :
يكشف عنوان المجموعة القصصية بوصفه علامة دالة على النص عن طبيعة النص السردية ، ويساهم في فك شفراته. كما أنه يعلن عن انحياز واضح للمفارقة والغرابة،وعن امتطاء سافر للغة شعرية، قوامها الانزياح الدلالي وخلق الفجوات ومسافات التوتر داخل العبارة؛ مما يجعلها قلقة باستمرار. ولعل هذا القلق الخلاق والنزوع نحو العجائبي (الفانطاستيك) هو ما يميز عوالم نصوص المجموعة. كما أن العنوان يستضمر حالة من الانزعاج والملل والتذمر، توحي به عبارة ( تلوك الكلام) استنادا إلى تصور رافض لمضغ الكلام، والثرثرة.
هي دعوة مبكرة ،إذن، إلى الإيجاز والاقتصاد اللغوي، و التكثيف. ورفض مسبق للهراء والثرثرة ولوك الكلام . وقبل أن نترك عتبة العنوان، ونلج باب النصوص وجب التأكيد على الحضور الشعري في هذا العنوان. فإضافة إلى الانزياح الواضح ؛حيث إسناد الكلام إلى القطط. وما يطرحه علينا من غموض لذيذ يبعث فينا فضولا، ويجذبنا نحو القراءة بإصرار. فهو يحفل بمكونات إيقاعية تمنحه جرسا جميلا و منها : أن العنوان يستثمر تفعلتين هما:( متفاعلن فاعلاتن) قطط تلو/ ك الكلامَ. ثم حضور تكرار الأصوات؛ ففي ثلاث كلمات فقط تكررت الطاء مرتين واللام ثلاث مرات والكاف مرتين. ولعل هذا الايقاع الداخلي الجميل كان سيسقط لو احتفظ القاص بكلمة (الريح ) التي استعملت عنوانا لأحد النصوص ولم يعوضها بلفظة "الكلام" .
2 ثلاثية الحلم ،الطفولة والحنين :
يقيم القاص بناءه السردي على مجموعة من التيمات، التي تشتغل في تآزر وانسجام وتآلف؛ ليقوم البناء شامخا. و هذه التيمات هي :الحلم والطفولة والحنين.وهي تعمل بشكل متداخل؛ مما حدا بنا إلى عدم فصلها.
سبق أن كشفنا في مقال سابق (3) عن حضور قوي للحلم في مجاميع محمد العتروس السابقة . وهو ما نسجله في هذه المجموعة أيضا. فمنذ النص الأول ندرك اتكاء القاص على هذا المكون لأنه مجال خصب وأرضية بكر لا تنفذ خزائن حكاياتها ولا تستنزف خيراتها. فالحلم يتيح إمكانات سردية لا يتيحها الواقع لأنه ذو طبيعة مركبة ومعقدة، تتحد فيها المتناقضات وتذوب فيها الحدود بين المنطق واللا منطق. هو خزان الخيال المطلق ومستودع المفارقات الساخرة، به يكسر السارد رتابة الواقع ويلوّن الأشياء التي أذبلتها العادة. ثم إنه الخلاص الأكيد من الرتابة والملل ،بوصلة مساعدة على الرؤية الواضحة إذا كنا ممن هم " للرؤيا يعبرون ".ثم إنه تقنية وأداة حداثية تعطي للنص جمالية فنية. وقد استثمر القاص الحلم مثلا في نص ( رؤيا ) كتقنية تمنح الغرابة والمفارقة، ثم كمضمون حيث يمزج فيه رغباته وأمنياته في إعادة تشكيل العالم، الذي لايستطيع إعادة تشكيله في الواقع. كما يمنح النص طاقة خيالية تقربه من النصوص السوريالية . يقول السارد:" رأيتني سمكة تبحر في الفضاء بجناحين من ريح وظل. و يداي تحملان هذا الكون وتأخذانه بعيدا بعيدا. وهناك حيث لا يحده حد ولا يعقله عقل تطرحانه في قصعة كبرى وتعجنانه كخبزة عمي ( أحمد نكرو ) ... " ( قصة رؤيا ص 7 ).
ويستثمر القاص هذا التشبيه ليمتطي حصان التذكر في نوستالجيا واضحة لزمن الطفولة (فرن الحي إحراق الخبزة وردود فعل الجدة و الأم ..) وعلى هذين الحبلين ( الحلم والطفولة ) يلعب القاص بحذق وذكاء وينتج قصصه على مهل لتخرج ناضجة مستوية غير محترقة كخبزة عمي النيكرو. فالعالم هو الخبزة التي يعجنها السارد في الحلم، ويحرص على ألا تحترق. يثقبها ليصل وجه العالم بقفاه .وتتوقف ازدواجيته ونفاقه. عالم يحتاج إلى إعادة تكوين ويحتاج إلى علامة تدل عليه بعد أن فقد كل الملامح.
يقول السارد :
"كنت لاأزل منهمكا ربما بمتعة وتلذذ لا نظير لهما في عجن الكون بيدي و خبزه .
وكنت أود أن أعلم خبزتي . أتردد في استعمال المشرط أم الفرشاة أم الملقاط أم السكين أم المقص أم الكأس لرشم الخبزة الكبيرة . لكني في الأخير قررت ... قررت أن أستغني عن كل هذا أو ذاك .
سأعلم خبزتي كما كانت تفعل أمي ... بثقب في الوسط ...
تماما في الوسط.
لا يمينا ولا شمالا.
في وسط الوسط لتصل وجه العالم بقفاه ."
وسم العالم الفاقد الملامح مسؤولية تعادل إعادة تكوينه أو تفوقها. فما العلامة التي اختارها السارد ؟
في الاختيارات التي طرح القاص إشارات قوية لملامح العنف الطاغية على العالم ( الفرشاة الملقاط السكين ...) كما أن خاتمة النص تتجاوز الموقع المكاني/ الوسط على سبيل التورية لتدل على معنى بعيد قلما ننتبه إليه ؛وهو نبذ التطرف سواء كان يمينيا أم يساريا. واختيار الوسطية ( تماما في الوسط ) ولعل هذه الوسطية هي التي يمكنها أن تصلح العالم وتصالح بين أطرافه المتناحرة. ولعل هذه الأحلام وحدها هي الكفيلة بأن تصل وجه العالم بقفاه .
وفي النص الثاني ( رؤية) تحضر الملامح ذاتها، لكن تزداد الأحلام كثرة وتمنح النص طاقة شعرية باذخة الجمال تكاد تمنحي معها " المادة الحكائية " وتتشظى عبر الصور المتعددة عبر "مرايا الأحلام " المقعرة أحيانا والمحدبة أحيانا أخرى ؛ لتقدم صور الواقع المشوه والحلم الجميل .
ولنقرأ مثلا :
" رأيت في أحلامي امرأة ضفائرها منسوجة من سحاب السماء. شفتاها كأنهما حبتا كرز. عيناها زمردتان فريدتان. وجيدها كأنه السوسن في بلاد العجب "
وكأني بالقاص ينسج على منوال قصيدة "قارئة الفنجان " لنزار قباني :
بحياتك يا ولدي إمرأة
عيناها سبحان المعبود
فمها أنغام و ورود
و الشعر الغجري المجنون
يسافر في كل الدنيا "
وفي الصورة الثانية امتزاج الحلم بالحكايات الشعبية و الفانطاستيك، كأسطورة لونجا والغول، وقضبان الفول التي تطاول عصا الشيخ
يقول السارد: " رأيت عيني الغولة تتسلقان قامة الطفل، ثم تخطفه لتهرب به بعيدا بعيدا. ثم تتبناه صغيرا ..." (ص 11) وهكذا يمتزج الحلم بالحنين، وبالطفولة لعبا وحكايات جدات وبراءة و"ضحكا يسع العالم"(ص 13) .
وتحقيقا للامتداد بين نصوص المجموعة حتى تكون فعلا مجموعة قصصية وليس فقط مجموعة من القصص بدأ النص الثالث " وضوح" بعنوان النص الثاني " الرؤية واضحة ... لاضباب في الجوار ،لا غبار، لاشيء في الأفق. " وهو استمرار يعكس وعي القاص بما يكتب،و كتابته لما يعي. وتستمر الغرابة عبر التحول الذي يطال الجامد والحي .يقول:" الشارع طويل كما لم يكن. والأشجار عالية كما لم تكن . والبيوت تمتد على لمح البصر والليل مضيء بالسواد." (ص 15 ). وتتجسد المفارقة أكثر عندما تتصرف الشخوص عكس المتوقع. فالحكيم والسفيه و الفقيه والأمير: " مروا من هنا دون أن يلتفتوا إلى الأجساد المهملة ودون أن ترف لهم عين. ودون أن يذرفوا دمعة واحدة. وحين مر السكير يتعثر في خطوه جلس يبكي. قرأ ما تيسر من سورة " يس " التي لم يتذكر منها إلا بدايتها، وعرج على المعوذتين والفاتحة. ودعا من كل قلبه ثم عب في جوفه كل ما في الزجاجة. ونام إلى جانب الأجساد المهملة. أصبح جسدا مهملا " (ص 16)
وتزداد الغرابة عندما يتعذر تفسير الأحداث، ففي الوقت الذي يعلن فيه السارد عن الوضوح في كل شيء :" الرؤية واضحة والضباب واضح والغبار المتكور كالسحاب في الطرقات واضح واضح. ولا شيء في السماء لا طائرات ولا مدافع ولا صوارخ ولا قنابل ولا... ولاشيء في الأفق."( ص 17) يكون الغموض سيد الموقف يتجسد في الأسئلة الملحة .
" من أين جاء الدمار ؟
من أين جاءت الجثث ؟
من أين أتى الحكيم و السفيه والفقير والفقيه والأسير والسكير ومن أين أتيت أنا وأنتم لتلتقي عيوننا فأراكم ؟ أرى عيونكم الجامدة." (ص 17) ثم يزداد الغموض عندما يسقط السارد دون ذكر السبب " اتضحت الآن الرؤية، والضباب اتضح، و الغبار المكور كالسحاب اتضح وسقطت " لكن ندرك في آخر النص أن الأمر لا يعود أن يكون مجرد حلم ،وإن لم يعلن الكاتب عنه. وتكشف ذلك إمكانية الرؤية رغم الموت حيث يقول " رأيت السكير يقف عند جسدي ويضمني إلى صدره بحزن قاتل ويقرأما تيسر من سورة " يس " وينام "(ص 18) .
في قصة " القاع " أيضا حضور للحلم؛ حلم مضاعف حلم الأم وحلم الإبن، حلم متشابه وغريب. ترى الأم الإبن يغرق في الوادي، وبعد أن تفزع في طلبه وتصرخ وتحاول اللحاق به تجده خلفها يربت على كتفها ويطمنها قائلا " أنا هنا لا تخافي أنا هنا "(ص 23)
ويكرر السارد حلم الأم بكل تفاصيله وجزئياتها، لكن يخيب توقعه في أن يجدها خلفه تطمنه. فيفاجئ القارئ بما يكسر توقعه " لكنها لم تفعل " (ص 24) وكما يربط السارد بين حلمين لايختلفان إلا في النهاية يربط بين جثتين ؛جثة عبد النبي التي رآها في الطفولة، وجثة الأم التي غابت لتترك الخراب. لكن مع اختلاف بين الجثتين جثة عبد النبي " كانت عيناه مرعبتين .. مرعبتين حد الموت، وجامدتين وباردتين." (ص 20) وجثة الأم: " رأيت عينيها. كانتا هادئتين حالمتين. ولم تكونا مرعبتين كعيني عبد النبي. دافئتين لا باردتين، مترقرقتين لا جامدتين. رأيتها و بكيت .. بكيت بحرقة ثم أسدلتها."( ص24) .
هكذا ،إذن يبني القاص نصه على أنقاض أحداث الطفولة ومشاهد الأحلام ليخرج نصا جميل ساهم الحذف بنقاطه الكثيرة في جعل القارئ يقدر حجم الأسى والخسارة بفقدان البوصلة / قلب الأم، الذي يمتلك الاحساس الهاتف المعادل لبوصلة الصوفي ومشاهداته. وبهذا الفقدان لا يبقى غير البرودة والفراغ والخواء.
يقول السارد: " ماذا تبقى من كل هذا ؟؟
جدران آيلة للسقوط ؟ باب موصد على الدوام لا يقرعه أحد ولا يفتحه أحد. ولا تعزف على أوتاره غير الريح ؟
شجرة تين ذابلة في الوسط .
غرف باردة الأركان تقيم فيها العناكب باستمرار .
أناس أقرب إلى البشر من البشر .
ماذا تبقى من كل هذا ؟
ماذا تبقى مني ومنها ؟
لاشيء غيري ،أنا أجر أتعاب السنين والانكسارات.
ذهب من ذهب، وبقي من بقي ...ذهب
الدفء ليس في نار التنور أماه. الدفء يكمن في الروح والجسد ."(ص25)
إضافة إلى عوالم الأحلام والطفولة ،هناك إحساس عارم لدى شخصيات القصص بالحنين إلى الماضي الرائق الجميل. في فضاءاته و أحداثه. لكن المضمر هو الاحساس ببؤس الحاضر وضبابية المستقبل. الماضي بحميمته وكاريكاتوريته (العلاقة مع صاحب للفرن الزيارة الأولى للمدرسة والخوف من هذا العالم المجهول، الانطباعات الساذجة للأطفال.انطباعات لا تتشكل إلا في دواخلهم البريئة. أية قدرة يمتلكها القاص محمد العتروس ليحتفظ بذلك الإحساس الفطري وتلك الأجواء إلى الآن، وينقلها حية كأنها وقعت للتو ؟.
إنه بوصفه لهذه الأجواء يكتب في دواخلنا قصصا جديدة لم نقرأها في المجموعة. ولكنها تنكتب من ذاكرتنا ...بمعنى ستقفز إلى ذاكرتنا قصص مشابهة عشناها. وسنضحك حتما تحت تأتير هذا المفعول؛ مفعول النوستالجيا الساحر . وتساهم اللغة في تعميق هذا المفعول عندما يذكرنا السارد بالدعاء المسكوك والخالد للجدات:" الله يخليك. تقرا و تقري إن شاء الله." (ص 33) والوصايا الدائمة :" كن هادئا ولا تتعارك مع زملائك وادرس جيدا."(ص33) .
إضافة إلى عوالم الحلم والطفولة والحنين بقي محمد العتروس وفيا لشعوره القومي والديني خاصة، القضية الفلسطينية ، هذا الموضوع الذي لازمه في كل مجموعاته القصصية تقريبا. كما في نصوص "سارق القمر" و"لوحة" وغيرها.
في هذه المجموعة قصة "الفج العميق " والتي اختار لها عبارة استهلالية شعرية للشاعر الفلسطيني محمود درويش، وفيها نقل مرير لكثير من الأحداث المأساوية. وقد نقلها بطريقة كافكاوية، حيث المسخ سيد الموقف .مسخ داخلي، مسخ في الاحساس، من جراء العجز." أحس بنفسه حشرة تدعس تحت الأحذية المطاطية، وهو يشاهد التلفاز عندما انطلقت رصاصة الجندي المتمترس خلف الحواجز. واخترقت التلفاز لتصيب رأس رضيعته المستلقية على الأريكة الصفراء."
ليتحول المسخ إلى خارجي حيث" أصبح حشرة، ذبابة ربما، عندما طن في أذنه زعيق فتاة تولول ..."( ص47)
و يستمر في وصف مشهد الفاجعة والقتل والجثث. ثم يعود إلى الإحساس الممسوخ .
يقول السارد :" ... تولول، وخلف الشاشة كانت الحشرة تنظر بلا وعي، بلا حركة إلى شيء ما إلى الفراغ . (ص 49) ثم تتحرك الذبابة/الحشرة حول المنازل المهدمة والجثث المحترقة والجثث المذبوحة لتتمزق هي أيضا ثم تتجمع على طريقة طير إبراهيم عليه السلام عندما سأل الله قائلا :" رب أرني كيف تحيي الموتى." وهي الصيغة التي اختارها القاص عندما يقول: "أصبحت الذبابة مفصولة هنا وهناك. الرأس وعيناها الشمال فوق غصن .واليمنى فوق غصن هناك. وأحشاؤها موزعة على عجل في جهات الأرض الأربعة المباركة .
استجمعت عناصرها.
قالت اجتمعي .
فاجتمعت. أتتها من كل فج عميق " (ص 49).
لعل هذه الغرائبية ،التي غزت القصة المغربية، تعكس الاحساس بالإنكسار والتشظي الداخلي. وهو ما انعكس على تقنيات الكتابة حيث تشطي النصوص وتكسير بنيتها وتلاحق الصور كما في نص "فج عميق" و " الصورة اكتملت". واعتماد المسخ والغرابة،حيث الرصاصة تخترق التلفاز والرجل يتحول إلى ذبابة، تتمزق فتتجمع. وكأن القاص يحلم بأن تتجمع شظايا العالم الممزق و يتحقق السلم داخل العالم .
3 ملامح القصة القصيرة جدا:
تقوم "القصة القصيرة جدا" عند محمد العتروس على اقتناص الحالة القصصية أو اللحظة، ومعالجتها بطريقة فنية ذات نزوع اختزالي. فهي تقوم على سرد بالغ التركيز، أساسه الإقتصاد اللغوي والمفارقة. كما أنها تضحي أحيانا بعناصر السرد ومكوناته لصالح الفكرة القابلة لتعدد القراءات والتأويلات . ويمكن إجمال هذه الخصائص في هذه المجموعة كما يلي :
1 النزوع الشعري :حيث يتكئ القاص على لغة شعرية طافحة بالمقومات الجمالية والتكثيف الدلالي . ونمثل لذلك بهذا النص :"الزجاج قدم استقالة وأصبح ماء".
2 العنوان جزء من النص، وليس منفصلا عنه. مما يؤكد التلاحم بينهما. فكأن النص شرح للعنوان وتعريف له بطريقة خاصة.
3 التضحية بالحدث وملامح الشخصيات وأسمائها. ففي بعض هذه النصوص نكاد لا نعثر على الحدث. كما لا نعثر على وصف للشخصيات ولا ذكر لأسمائها.
4 المفارقة: حيث تسير القصة عكس المتوقع، وتفاجئ القارئ وتكسر أفق انتظاره، وتدفعه إلى التساؤل ؛ أي نحو المعنى الكامن والخفي بعيدا عن المعنى السطحي الذي يقدم نفسه بشكل مباشر. و نمثل لهذه المفارقة بهذا النص :" الشيخ الذي نام ولد في الحلم من جديد."
5 الغرائبية : وهي تقنية مكملة وداعمة للمفارقة، أو هي وجه آخر من وجوهها.
ومن أمثلتها هذا النص: "المرأة التي حلمت حين استيقظت وجدت كابوسا ممددا إلى جانبها على السرير المتر هل." وهو نص يمنح تعددا في القراءات والتأويلات. فالحلم جميل لكن الكابوس هو الواقع الذي ينتظرها بعد الاستيقاظ، أو قد يكون هو الزوج.ربما !
6 التكثيف: وهو ناتج عن الحضور القوي للغة الشعرية وتقنيات المفارقة والغرائبية واستعمال الرمز وشحن النص بالدلالات . فالنص القصصي يفاجئ قارئه، ويمنحه أفقا آخر أرحب وأوسع يتيه فيه خيال القارئ.
ومن أمثلة ذلك : " الارتطام.. ريشة سقطت من أعلى الشجرة..
وقبل أن تقبل الأرض ارتطم العصفور بالبلاط."
7 الدهشة: وهي ناتجة عن مخالفة المألوف والمتوقع. وفيها تنبيه إلى استحكام العادة وصعوبة مخالفتها مع ما يعتري الإنسان بسببها من ملل. ومن ذلك قصة"الماء "
" الماء كان يجري في الوديان والأنهار..
مل نفس السيناريو؛ الانطلاق من الينابيع في الجبال وقطع آلاف الأميال في السهول والصحاري ليصب في البحر..
فتوقف."
8 الاختزال وطرد الحواثي وتقليم أظافر النص القصصي . فلا نعثر من الكلمات إلا على ما هو ضروري .
9 الاحتفاء بالالتباس، وذلك بالاعتماد على التورية أو تعدد المعنى، حيث يمكن أن تقرأ النص بدلالات مختلفة. كما في قصة"الكمين" فهي تحتمل التحدي والسخرية من كتاب القصة القصيرة جدا.
10 اعتماد حاسة البصر، أو المشهدية. حيث يكاد ينعدم اعتماد الحواس الأخرى في الوصف داخل القصص القصيرة جدا.كما اهتم القاص بنقل" أحاسيس" الأشياء ودواخلها وأمانيها.
في الختام أشير إلى أمرين يميزان الكتابة القصصية عند محمد العتروس:
الجدية : فالقاص محمد العتروس يكد في صناعة نصوصه، يشتغل في نصوصه بمشقة ممتعة.
المسؤولية : نحس في قصص العتروس مسؤولية أخلاقية ،نحس بقدر لافت من الكتابة الملتزمة بحدود نظام قيم من جهة، ثم مسؤولية تجاه اللغة. فهو يقترف التجريب لكنه مجرب حذر؛ لايدمر الأصول التركيبية واللغوية للغة العربية فهو يكتب بلغة أنيقة، باذخة الجمال.لا تستعير اللغة العامية إلا عند الضرورة القصوى، فلا تنقل إلا ما هو ضروري من أمثال أو تعابير مسكوكة تفتقد بالترجمة إلى الفصحى بريقها.
الهوامش:
1 محمد العتروس ، قطط تلوك الكلام ( مجموعة قصصية) منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة الطبعة الأولى 2009
2 صدر للكاتب محمد العتروس خمس مجموعات قصصية هي : هذا القادم رائحة رجل يحترق هلوسات عناقيد الحزن قطط تلوك الكلام.
3 الطيب هلو ، الإيقاع السردي وحداثة القصة المغربية . ضمن كتاب " القصة القصيرة بالمغرب: دراسات في المنجز النصي ." منشورات التنوخي (2008)
المرجع:
كتاب: تحولات القصة الحديثة بالمغرب، الناشر: مختبرات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الدار البيضاء، إعداد مجموعة البحث في القصة القصيرة، الطبعة الأولى 2010 ( من الصفحة 121 إلى الصفحة 130)

صورة الطيب هلو