Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

شــامة

تطل الشمس دافئة في يوم ربيعي , ترسل أشعتها على الوادي والندى يتساقط من أوراق الأشجار اليانعة على الأرض القاحلة .
هناك في ذلك البيت المبني من روث البقر وبعض بقايا الآجر , تسكن شامة , ذات الخدود الموردة كحبة الطماطم عند أول موسم الجني , والضفيرتين المفحمتين كالليل حينما يرخي سدوله في ليلة قمرية بامتياز , والقامة الطويلة الرشيقة كأنها مهرة تركض وتركض دون توقف , والثغر الشبيه بفاكهة حب الملوك وهي تمشي تتمختر في موكب الملكة , وأحلام العودة للمدرسة في غياب مسؤولية رعي الغنم , وقضاء أكبر وقت في اللعب مع رفيقاتها في جانب الوادي حتى مغيب الشمس.
حيث الروح تعانق الجسد , ضاربان معا موعدا على تحقيق الجمال .
وكأنها لحظة اكتمال القمر وأنت تطرزين برقصات قدميك ، أرض ال سريف ، بقممها الجبلية العالية وهي تطل على مدينة القصر الكبير.
في ليلة عرس جبلي بامتياز, عروسته امرأة جبلية تحكي كل ليلة لنساء الكون , عن نساء يقتلعن الفرح من رحم الألم.
تستيقظ شامة كل يوم عند نفس هذه اللحظة, تغير عبائتها الوردية بجلباب معتم اللون , تلف ضفيرتيها حول رأسها , تحزمه بقطعة ثوب مهترئة , ثم تلف على خصرها المنديل المزين بالخيوط الحمراء والبيضاء , وتلبس الصندل. تخرج من الغرفة الرطبة وقد زين جدرانها بلحايطي المزركش بللونين الأبيض والأسود, كل ماتبقى من جهاز عرسها داخل هذا البيت .
تتقدم نحو سطل الماء البارد , لتغسل ماتبقى من اثار كحل عينيها وأحمر الشفاه.
تخرج لتقطع مسافات طويلة لجلب بعض من الماء وكومة حطب وقد خدشت يديها الصلبتين , وعند العودة تفترش الأرض للغسيل والكنس والطهي واطعام الدواجن والماشية , وفي المساء تلتحق به ليعودا معا , هو يمتطي دابته وهي من ورائه تجر قدميها المتعبتين تتبع خطى الدابة .

وعند الليل يكون التعب والآلم قد أخذا منها كل قوتها , فتغط في نوم عميق , وقد نسيت وضع الكحل وأحمر الشفاه وتغيير جلبابها المعتم ......
ودام الحال لأكثر من عشرين سنة .......
هرمت شامة , اصفر وجهها وتقوس ظهرها , مزق شعرها, واختفى اللون الأسود ليحتل مكانه اللون الأبيض القاتم .
رحل الجميع عنها , بما في ذلك الحايطي المزين لغرفتها , تمزق ونهشته القطط المتسكعة في بيتها.
ومضى الربيع تلو الربيع , وشامة تصر أن تستيقظ عند نفس تلك الساعة من الفجر للخروج لقضاء نفس حاجياتها منذ ذلك الزمن البعيد .....
لكن.... هذه المرة لاأثر للحكل واحمر الشفاه , ولاحاجة لتغيير الملابس , هي نفسها ملابس النوم والعمل والجلوس رفقة رفيقاتها ممن لازلن على قيد الحياة أمام الخباز....
حشد غفير من الناس يحومون حول جثة شامة وقد سقطت من على ظهرها المقوس كومة الحطب وسطل المياه اللذي لم يمتلأ بعد......
رحلت تاركة ورائها أشياء تسكنها , وأشياء هرمت ثم غابت عنها
واخرى تمسك بذاكرتها تأبى الرحيل
اشياء تبعث لها برسالات الحب
وأخرى تبتعد عنها الى مالانهاية
أشياء تود لو كشفت عن سرها
لكنها كلما احتضنتها
غرست في لب فؤادها خنجرا
فسقطت قتيلة

صورة نادية بنمسعود
آخر المشاركات: