Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

"هديل السحر: ديوان على محك الزمن" تيمة الزمن في ديوان هديل السحر للشاعر بوعلام دخيسي

سحر العتبات :
1- الغلاف إمعان في الانزياح والتغريب
اختار الشاعر مند الوهلة الأولى وضع حواجز متعددة في وجه المتلقي السهل والمستريح ومارس أكبر قدر ممكن من الحصار على المعاني الأولية البديهية وهو بذلك يفسح مساحة لا محدودة أمام التأويل والتأويل المشترك أو المضاد لنصوصه التي مارس عليها حمائية تعبيرية من نوع خاص . تزيد في إغرائها تماما كما يزيد الحجاب في سحر وجاذبية النساء
2-الإطار :
ألوان متداخلة وثانوية ومتدرجة بشكل موهم.
3- لوحة الغلاف
لمحمد سعود الذي ساند الشاعر في تكثيف التغريب على مستوى العتبة الأساس: اللوحة، فهي تنتمي إلى التيار الانطباعي حيث اللون وريشة الفرشاة يحدثان انزياحا عن التصويرية الفجة ويفسحان مجالا للإحساس والتأويل والقراءة وبالتالي التفاعل. تبدو الأشكال في هذه اللوحة كأنها خلف نافذة ماطرة بما يفيده الماء المنهمر من أبعاد جديدة للون والحركة والأحاسيس. وهو ما ينفي الثبات والبساطة في المعاني الممكنة والمتضمنة في المتن.
تؤثث اللوحة إلى انزياح ضبابي للمعنى ويصبغ عليها غشاوة من المتخيل والأحلام.
4- العنوان: اللغة الزئبقية والمعنى الهارب وتقنية التمنع المغري.
يحضر الزمن مند الوهلة الأولى كوعاء يؤطر العلاقة بالقارئ، فهو يتموقع في ممر من نور بين زمنين نقيضين ، فالسحر بما هو مسافة مارقة بين زمنين يوحي بإمكانية التذبذب بين الواضح والمرموز من الكلام كما يوفر فضاء ملائما للتلاعب بالمعاني في رقص انسيابي بين المألوف والمستعار، بين البوح والتشفير، بين السهل البسيط والممتنع.
في الهديل تقمص متملص ومنفلت يتنكر بفضله الشاعر لصوته ويستعير حنجرة الحمام والهديل في الاستعمال العام صوت الحمام وهو في العرف الثقافي العربي ينطوي على الحزن والأسى ويخصص للإشارة إلى صوت الوحشيّ أو البريّ منها أو ما يعرف باليمام، وهي المطوقّة، والقمرية أيضاً، ونلاحظ أيضاً أن الشعر الذي يتطرق إلى القمريّ أو الهديل.
جاء في اللسان: الهَدِيل صوتُ الحمام، وخصَّ بعضهم به وحْشِيَّتها كالدَّباسِيِّ والقَمارِيِّ ونحوها، هَدَل القُمْرِيُّ، وفي المحكم، هَدَل يَهْدِل هَدِيلاً.
يقول بشار بن بُرد :
وقد زادني شوقاً هديلُ حمامةٍ *** على إلفِهـا تبكي لهُ وتُطَرِّبُ
جرير :
أما الفؤادُ فليسَ ينسى ذِكْرَكُم *** ما دامَ يهتِفُ في الأراكِ هديلُ
طرفة بن العبد :
فلا أَعْرِفَنّي إن نشدتُكَ ذِمّتي *** كداعي هديلٍ لا يُجابُ ولا يَمَل
عمر بن أبي ربيعة :
إنَّ في النفسِ حاجَةً ما تقضّى *** ما دعا في الغصونِ داعي هديل
البحتري :
وهيّجَ شوقي ساقُ حُرٍّ أجابَهُ *** هديلٌ على غُصنٍ من البانِ أفرعا
ونلاحظ أيضاً أن الشعر الذي يتطرق إلى القمريّ أو الهديل ينطوي على الحزن والأسى والحنين كما يتضمن الدعاء والتضرع والتهجد.
وفي الحكايات الشعبية؛ إن اليمامة وهي تهدل على الشجرة فهي تبكي أخاها الذي قتل صغيراً، وكانت غائبة وعندما عادت وجدته مقتولاً فرمت نفسها عليه وتمرغت في دمه المسفوك فأصبحت ساقاها حمراوين وكان أخوها يدعى "قيساً" فهي ما تزال تناديه وتنوح عليه وتندبه بقولها: يا قيس قُم، يا قيس قُم، صلّي وقُمْ صَلّي وقُمْ.
وفي الثقافة الشعبية فإن الحمام البري يذكر الله في أوقات السحر والغروب كذلك وهذا يؤكد القيمة الروحية والعاطفية العالية . وقد ورد في سورة الذاريات قوله تعالى ‘‘وبالأسحار هم يستغفرون.
وورد في تفسير : التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي: ‘‘ و وقت السحر تجتمع ملائكة الليل والنهار ، وهو الوقت المشهود ، فيقول الله على ملء منهم : إني غفرت لعبدي.
أما في الثقافة الشرقية القديمة عموما فإن وقت السحر هو وقت تنبعث في الطاقة الكونية الخلاقة في أكمل درجاتها وان الإنسان بقيامه بالتعبد أو التأمل إنما يستفيد من هذه الطاقة أو البركة ...
فليس عبثا أن يختار الشاعر هذا الوقت من النهار ليبثنا هديله أو ابتهالاته الغارقة في القدسية والملتحفة في وشاح من الزمن.
فالحنين أو الشجن أو الاستغفار هي عمليات لا معنى لها خارج الخلفية الرمزية للزمن. فمن لا ذاكرة زمنية له لا يدرك معنى من قبيل الاستغفار ولا الحنين ولا الشوق ولا غيره من المحمولات التي تزخر بها كلمة هديل. فالعلاقة بين الكلمتين علاقة إضفاء الشرعية والتسويغ والتغريب المتبادل مما يصطحب القارئ في رحلة تغشاها الضبابية ويلفها نوع من الخدر والارتفاع وهي حالات تشبه حالات الجدية الجماعية أو التأمل الروحي الفلسفي أو قل الصلاة الجماعية في وقت من اكتمال الاندماج بين الإنسان والكون بين العنصر والكلية وبين الذات والروح الكاملة كما في التصوف.
من هنا يتضح التورط الكامل للمجموعة في لعبة بالوقت يؤطرها فضاء الزمن. لعبة حيث الاحتفاء بالتفاصيل في بعدها المتحول والشفاف الخاضع لمتغيرة شكلت وتشكل رافعة أساس للفكر الفلسفي الإنساني، لازمة عابرة للحضارات والقارات والأزمنة.
فكيف حضر أو بالأحرى اخترق الزمن نصوص بوعلام دخيسي وهل كان لهذا الاختراق إضافات رمزية لمقاطع هذا الهديل المتنوع ؟ و ما طبيعة هذه الإضافة الرمزية المحتملة؟
أولا: النسبية في الزمن بين نظرية نيوتن وهديل السحر .
1ـ وأنا عندي حنين...ص13
... فجاءت في ختامي بالبداية
.. أنا عندي حنين
أن أعيد الدائرة
أن أستعيد طفولتي
وفصول حبي النادرة .
يكتسب الزمن صفة الدائرية ويخرج من خطه التقليدي ليتحكم فيه الشاعر حسب حنينه الخاص .
2ـ رقص الطفولة ص18
ويكبر الطفل في نفسي وأنفاسي
يقلب الروح من كأس إلى كاس
......
العمر سيدتي ثوب وألبسه
متى أشاء على ذوقي ومقياسي
أليست دائرة للزمن في محورها ذات الشاعر ومشاعره .
3-إلى ابنتي
ص 42
في الصبح إذا أغدو ....
وإذا أجهش في البيت صقيع الليل ....
أتحمل كل سياط العيش
صباح مساء .
أستجمع كل الماضي والحاضر
لأرى يوما من مستقبلها الغابر .
يتلخص الماضي والحاضر والمستقبل في ظل ابتسامة طفلة تتطلع إلى آفاق المستقبل
4-هرمنا
ص 69
شباب الكرامة مروا كراما
فأدبر شيبي يدير قفاه
نسيت سنيني ولدت لحيني
وعدت صبيا يجاري صباه
سأكبر حتى أصير جنينا
ويصغر في الشمس أعتا الطغاه
هو العمر ما اخترت كيف ابتدا
فدعني أقررْ أخي منتهاه
نص يتحلل فيه الزمن ويصير مطاطيا لا يحمل في حد ذاته أبعادا موضوعية بل يصبح وعاء نسبيا تملؤه القيم العليا وتمده بمعناه وتعطيه مداه ، قيم جديدة حملها الربيع الشعبي من قبيل : الحرية والكرامة ..
ثانيا: زمن الطفولة: ذلك المهجع الآمن من سطوة العمر .
1ـ متى أكبر؟ ص21
وتسألني متى أكبر؟ ...
تبسم للصبي فمي
وقلبي موجع يضجر.
في وطن لا يصلح إلا للهجر يصبح العمر شبحا والطفولة زمنا للاحتماء والاستقالة من الضجر.
ثالثا: الزمن: مشتل لنبتة الحقيقة والحكمة والكلام الإبداع .
1ـ الحزن النفيس ص27
أقول شعري شجا والعين تمطرني
دمعا فأغرس أرض العمر ديواني .
فالعمر تربة تخصب نبتات الكلام فتزهر شعرا وتثمر قصائد ودواوين والزمن هنا خميرة الإبداع وغذاء للقارئ
2ـ عذرا سأكذب ص 66
لكن ستمضي ساعتي وستقتفي
أثر الحقيقة يا أنا وتعذب
ستعود للصدق المرير مكبلا
ومرارة الأيام فيك تجرب ...
يصبح الزمن كاشفا للكذب ومحكا للحقيقة ، والدهر حكم غالب، حق وفيصل لا مرد له .
2ـ حوار المنتصف. ص 75
يحدثني عن زمان بعيد
يقلب في مقلتي الأليلا
يعيد إلى الروح روحا دفنا
ستبعث قال ويبدي الدليلا
تأمل معي يا بني بعيدا
وحرر شجونك وانظر قليلا.‘‘ بعد آخر من أبعاد الحياة.
يتقدم الزمن كمرشد يقدم النصح ويوفر المشورة ويتيح التأمل والحكمة.
رابعا: الزمن قيمة مضافة وبعد
1ـ أنت لها ص44
سألتني عن حقول لم تبد أبدا
وعن ربيع بطول الحول ممشاه
سألتني عن زروع الصيف ما ذبلت
وعن خريف عجيج الغصن يهواه
وعن شتاء صقيع الليل يلهبه
وعن لهيب ثلوج الصدر تغشاه .
يستفيض في الاحتفاء بالفصول الأربعة وما تحدثه من تغيير في الكون .
خامسا الزمن : أمانة ومسؤولية نحاسب عليها في الدنيا والآخرة .
1ـ قطار العمر ص24
تمهلْ قطارَ العمر واجبرْ فؤاديا ** فلا زاد عندي إن أتيت حسابيا
يطلب من العمر بأن يمهله قليلا لأنه لم يعد العدة للقاء الأخير.
2ـ قالت لي الساعة ص78
أصرخ واستصرخ ساعتهم أصرخ واستأسد في صوتك
والإشارة هنا إلى الساعة الموقف واللحظة الحسم والزمن المضاد الذي ينتصب في لحظة ما كبديل على زمن عصر بائد. الزمن كمرادف لمفهوم الغلبة عند ابن خلدون .
3ـ ساعة للصمت ص 81
أمهلوني سويعة سأناجي
حينها البحر ألطم الأقلاما ..
فكما هناك وقت للانفجار، وقت للتأمل، وقت للولادة، وقت للشهادة... هناك سويعة للصمت للإبداع. والشاعر يطالب باستراحة في خضم الضوضاء فقط ليرش بعض الكلام على وجوه الجرائد ولينثر بعض الدموع على خلفية الأوهام.

سعدية اسلايلي
شاعرة وناقدة من وجدة /المغرب

صورة سعدية اسلايلي