Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

الروائي الحاج بونيف في "رواية الكرسي " جمالية الرمز

"الكرسي" ، عمل روائي للقاص و الروائي الحاج بونيف من المنجزات التي طرقت ظروف الحياة البائسة و في ظل صراع الأوهام منذ فكرة الاستيطان إلى غاية اهتزاز العلاقات الإنسانية لدى أفراد لا زالوا يحملون شكوكا في التصحيح السياسي لهذه العلاقات ، الرواية تشي بالمجهود الذي قدّمه جمع من الأفراد الحقيقيين و رغبتهم الشديدة في تصحيح كثير من المفاهيم عن علاقة الإنسان بأرضه ووطنه و الدور الحضاري الذي يجب أن يلعبه الوطني و مستوى وعيه لهذه الفكرة التي لم يهضمها كثيرمن النّاس في مجتمع يتوفر على كل القيم و أسباب التحضر و الإنتاج و التفوق غير أنّ المشكلة تبقى في ديناميكية الدفع و التنشيط ، تكون فئة حريصة على بعث هذه المقومات بالرجوع إلى أسباب النجاح و لم يتوانوا في التضحية بكلّ ثمين من أجل تصحيح الصورة المشوهة لدى فئات تعاني الشك و تراهن على فشل التجربة الإنسانية التي نموذجها الجزائر ، أما الأبطال فاختيار الروائي لم يكن عشوائيا و لم يعتمد على فكرة السيرة التي فشلت فيها كثير من المحاولات و لم ترق إلى النسق السردي الحقيقي الذي يحقق شكل الرواية جنسا و سردا و لغة و خطابا ، فالرواية التي لا تشتغل على تعدد الأشخاص بمستويات و أنماط متعددة تلامس الحقيقة أو الواقع إبداعيا لا يمكنها النجاح أو تحرير الخطاب من الإنشائية و الصور المبعثرة الناتجة عن تلفيق في رصد الفكرة النافرة و تسجيل يوميات سطحية بعيدة عن العملية الإبداعية ، في رواية الكرسي نقف على جهد متزن في عرض تفاصيل الأحداث عن طريق الحضور التاريخي لبعض الشخصيات الفاعلة و التي ساهمت إيحائيا في تحريك الأحداث نحو تفاصيل جزئية أخرى نستكشفها في الثلث الأخير من الرواية عندما تتقابل شخصيات مختلفة تربطها علاقة أسرية تتحول إلى علاقات أخرى تبحث عن بديل مناسب يعوض امتيازات الأسرة التي توشك على التفتت و الانهيار بسبب الاعتقاد الجديد ، لم يعرّف بها الروائي في البداية و ترك للقارئ فرصة مشاهدتها والتعرف عليها بنفسه بعيدا عن استعمالات "الرّاوي" التي فشلت فيها كثير من المحاولات الروائية و بدت نشازا تعاني من ضعف في الربط المنطقي مما تسببت في كسر المسار في كلّ أبعاده، و إحداث فجوات في تتابع الأحداث و فقرها من التطور الحكائي الذي يشكّل عنصرا تأثيريا قويا في عملية نسج العلاقات بين الشخصيات و مبرر حضورها و تقابلها الذي يأخذ أحيانا فضاء واسعا قصد اكتمال الصورة كما أراد الروائي أن يعبّر عنها و هو ما حاول السارد تجنّب سلبياته و تحري إيجابياته في هذه الرواية ، فمن باب رمزية الكرسي ، بدا الأبناء حريصين عليه رغم ماكانت تقدّمه الأم الرمز الثاني، من توضيحات بشأن الكرسي الذي يلاحق بعض هذه الشخصيات أو تلاحقه تتحول العملية عند الروائي إلى لعبة جديدة في يده و يشكّل نفسه شخصية إفتراضية ، تدخل بمهارة في سياقات الرواية عنصرا فاعلا ، و لذلك تظهر مرجعية الكرسي في ظل هذا الصراع المستمر ، يتحول من أشكاله النفسية المكبوتة إلى مواقف سياسية متعارضة و متناقضة في كثير مما رسمه لها السارد ، و هذه الطريقة جعلت الرواية تتصل بعالمين مختلفين عالم الشخوص الحقيقية و تصرفاتها الطبيعية و عالم التقديرات و الاحتمالات كأفكار قابلة للتجدد بنى عليها النهاية ليترك المشكلة تأخذ مسارا جديدا في كلّ مرة حتى تتعقّد المشكلة أكثر و يزداد التفكير لدى القارئ بشكل أعمق ثم يسعى إلى البحث عن أجزاء مفقودة لهذه الصورة ، و الروائي كان ذكيا عندما اختار اللغة الشفافة في عرض توصيفاته لكل منها و اعتماده على مجازية الأشياء لتتحقق في كلّ مرة عملية النمو: "طالت أكثر من اللازم و لم يعد ممكنا إتمام ما عزموا عليه ، و الفصل فيه في هذه الجلسة العائلية الأولى منذ بدء التفكير في أمر الكرسي ، لذلك اقترحوا جميعا تأجيلها، و معاودة الاجتماع مساء الغد ، و انقضّ الاجتماع الأول من دون أية نتائج يمكن ذكرها.."1 ليس من السهل أن يتدرج السارد بمستويين ككاتب و كراوي في وقت واحد مما أتاح له ممارسة التناوب و لكن بحذر في الاشتغال على لعبة اللغة ، و في الحقيقة الروائي الحاج بونيف أستاذ متمكن من ناصية اللغة و ليست لديه مشكلة في توظيف الخطاب المراد توجيهه إلى المتلقي، و بما أنّه يحسن أدوات الربط و مدرك لمعاني الحروف خاصة حروف الجر ووظائفها الأسلوبية و أسماء الإشارة و محدداتها المكانية و الزمانية ذللت له كثيرا من الصعوبات التعبيرية السردية و استطاع أن يتخلّص من الإنشائية و ركاكة التراكيب، فإنّ فضاء الأحداث يتنفس في هذه المساحة التي أتاحها لشخصياته مجتمعة و متفرقة بلغة سلسة مناسبة لمستوى كلّ منها باعتبار الخطاب جزءا من مكوّنات الشخصية "يعترف لأمّه بالعبقرية، و يعترف أنّها تهزمه في كلّ الأدوار القادمة، كما هزمته في السابقة ، و هزمت من يساندونه، الآن،
و لكنّه يصرّ بأنّه الأقوى..و يقول:
إنّه سيروض أمّه شيئا فشيئا.. "2
يبقى حضور شخصية الأم كمركز تنبثق منه أفكار كثيرة و استمرار الخطاب الذي من خلالها يستوضح أو يستنتج المتلقي وجود العلاقات وأثر توزّيعها وتقطيرها ، تتضح رؤيته على مدار أكثر من مئتي صفحة تملأها شبكة من العلاقات الاجتماعية والنفسية السياسية التي اختار لها ما يقابلها من شبكات الحوار المعالج بدقة في استظهار هذه الأبعاد لكلّ من هذه الشخصيات تمهيدا للنتيجة التي لا يمكن للمتلقي أن يقف عندها في هذه المرحلة من عمر الرواية أو بالأحرى ما تقدّم من أحداث ذات علاقة فاعلة بتطور الشخصيات و لم تستكمل حضورها و ما بقي لها من مواقف ، تتضح هذه السمة ، عندما شاع الخبر عن الفائز بالكرسي :"3 لم يكن مفاجئا ، فالناجح واحد من الإخوة الأربعة بالتأكيد، و لكن مع ذلك كان جل النّاس يريدون معرفة صاحب الكرسي ، فالكرسي سيجعل منه يختلف عن بقية إخوته، بل سينقله بعيدا عنهم ، و كأنّه ليس من طينتهم!..بهذه الطريقة تكون عملية التفصيل قد اختزلت في هذه الجمل المتتابعة، و حضور شخصية الأمّ يستند إلى حضور قوة التأثير التي اعترف بها غيرها و تحوّلت إلى ضمير يقظ في ذوات الآخرين ليفضح المهزوم نفسه بنفسه أما الجميع و تتحول العملية إلى خطاب جديد هو التصحيح و إعادة النظر في الكرسي الذي شكّل هاجسا حقيقيا لدى أفراد هذه الأسرة و عبث بها ، يكون إعتراف المتهم قد تحوّ إلى شعور جديد "...ندم و بكى و تأسّف و طلب الصفح من أمّه...و لكن..."4 ، غير أنّ نلاحظ استدراكا مستفزا وظفه السارد في نهاية الرواية عندما قال : "...ولكن..." كما لو أنّ السارد يبحث مجددا عن تفصيلات أخرى تحتاجها هذه النهاية المفتوحة بالاستدراك .
هوامش:
1- الحاج بونيف ،الكرسي، رواية ، دار أسامة للطباعة و النشر والتوزيع، ط 1 ، 2008 ، ص:55
2- المصدر نفسه ص: 197
3- المصدر نفسه ، ص:73،74
4- المصدر نفسه ، ص: 205

صورة السعيد موفقي