Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

القاص المغربي مصطفى يعلى... في ضيافة المقهى؟؟!

-117-

من مدينة القنيطرة، مبدع اعتصر رحيق عمره في نسج الحروف، وتشكيل الكلمات في نصوص قصصية ودراسات نقدية، تعبر إلى القارئ المتعطش إلى الإثارة والأحداث، ينشر أريج نصوصه هنا وهناك، ويمد جسور التواصل مع مختلف الأجيال الأدبية، صدرت له مؤخرا دراسة بعنوان: " نحو تأصيل الدراسة الأدبية الشعبية بالمغرب "، من أجل التعرف على المبدع مصطفى يعلى كان الحوار التالي...

بعيدا عن عالم الكتابة من هو مصطفى يعلى؟

مصطفى يعلى البعيد عن عالم الكتابة، إنسان جد عادي، يعيش بصورة بسيطة مع عامة الناس، يلتقي في المقهى أحيانا مع بعض الأصدقاء، يقف في الصف طويلا كغيره للحصول على أية ورقة إدارية، يذهب مرتين أو ثلاثا في الأسبوع للتسوق. ارتضى لنفسه أن يبرر ما يتقاضاه من أموال الشعب بالإخلاص في عمله بصورة مهووسة. والآن بعد أن أحيل على التقاعد، يقضي معظم يومه في القراءة والاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، ويشاهد إذا سمح متسع من وقت يومه، فيلما عالميا باللغة الإسبانية من روائع الزمن الجميل. كما أنه يقضي وقتا طيبا أمام الحاسوب كل يوم.

كيف تورطت في عالم الكتابة؟

كان ألذ وأجمل توريط في حياتي. ذلك أن أستاذا للغة العربية من البعثة التعليمية المصرية الرائعة مطلع الستينيات، بثانوية المحمدي في مدينة القصر الكبير، لا زلت أذكر اسمه حتى الآن رغم مرور أكثر من نصف قرن هو أحمد حمروش رحمه الله، جذبنا بحيويته ومعرفته الموسوعية وقدرته على تفعيل الأنشطة الموازية من تأسيس لناد ثقافي تلاميذي، ولفرقة مسرحية بالثانوية، ولمجلة حائطية، تطورت إلى مجلة تطبع وتوزع محليا... هذا الأستاذ كلفني بالإشراف على المجلة الحائطية. فكان هذا هو المدماك الأول الذي نهض عليه دخولي إلى عالم القراءة والكتابة، حيث كنت أجتهد في كتابة كلمة العدد، ومن أجل تجويدها صرت أقوم بعدة مراجعات وفق طبيعة مواد العدد. إضافة إلى أنني سألت هذا الأستاذ مرة أثناء درسه بالسنة الأولى إعدادي عن جدوى القراءة، فأخرج عينيه إلى حد أضحك كل التلاميذ، وقال: والله يا مصطفى إن كل شيء يتحقق من إدمان القراءة: التكوين الذاتي، وحسن التفكير، وفهم الحياة، والنجاح في القسم وفي الامتحانات العامة والمباريات أنى كان نوعها. ومنذ ذلك الحين والكتاب والقلم أصبحا من أعز أصدقائي الأثيرين. وإن كان استغراقي لسبب أو لآخر، قد تم في معظمه على وجه التخصيص في قراءة الأعمال السردية أساسا وطنية وعربية وأجنبية، وبنهم مدمن.
وبالطبع فإن هذا الرافد لم يكن مسؤولا وحده عن هذا التوريط الجميل. بل إن روافد متعددة أخرى لعبت أدوارا مؤثرة في هذا الصدد. ذلك أنني كنت مهووسا في سن مبكرة وأنا لا زلت أدرس بالكتاب، بالجري بعد العصر للالتحاق بالجموع المتحلقة حول رجل حلايقي كان يسمى الشيخ أحمد، يحكي الأزليات والسير الشعبية والحكايات العجيبة بالحلقة، مستعينا بالحركات المسرحية وبالتمويج عبر العزف على (الكنبري) والترداد الشجي كلما دعت الضرورة. فكنت أحفظ الكثير مما يحكيه بصوته الجهوري الساحر لألباب الصغار والكبار. على أن تأثير حكايات النساء داخل البيت في الليالي الباردة الممطرة لا يمكن استبعاده عن هذا التأثير.
وهناك رافد ثالث جد مؤثر، لم يعد يلعب نفس الدور الذي لعبه في توجيه جيلي، أعني السينما. فقد كانت مدرسة حقيقية. كنت أشاهد أفلاما عالمية رائعة بكثرة، فتسحرني بروعتها، لا سيما الأفلام التي كانت تقتبس من أمهات الروايات والمسرحيات العالمية، من مثل أنا كرنينا لتولستوي والإخوة كرامازوف لدستويفسكي وسيدتي الحسناء لبرنادشو.
وهكذا ترين أنني كنت مطوقا بأفخاخ من كل الأنواع، من شأنها أن تزيد من توريطي في عالم الكتابة السحري الرائع. فكانت أول قصة قصيرة أنشرها أواخر ستينيات القرن الماضي تحت عنوان ( سأبدأ من الصفر).

شهدت القصة القصيرة تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة مقارنة مع الأجناس الأدبية الأخرى، كيف تقيم وضعية القصة القصيرة في المشهد الثقافي المغربي؟.

نعلم أن القصة القصيرة كتبت في المغرب قبل الرواية، محققة تراكما مهما خلال القرن العشرين، وخاصة منذ بداية الأربعينات. وأنها قد مرت بعدة مراحل، هي عبارة عن خط بياني يرصد ولادتها ونشأتها واتجاهاتها وتطورها. وهناك الكثير مما يمكن أن يقال حول هذا المسار.
لكنني إخال سؤالك محددا في المرحلة الراهنة. لذلك أبادر إلى القول، بأن القصة القصيرة في المغرب كان قد أصابها ما يشبه الفتور في السنوات القليلة الماضية، بسبب التركيز على الرواية كتابة ونقدا. وبما أن طبيعة العصر الآن تتسم بالتشعب والسرعة وتكدس الأحداث والوقائع اليومية الكثيفة، وتلاحق المنجزات التكنولوجية، فإنني أرشح القصة القصيرة لأن تكون من أنسب الأنواع الأدبية وأجناسها للتعبير عن هذه الطبيعة المركبة التعقيد، لما تتوفر عليه من مكونات سردية دقيقة. فهي تمتلك قدرة التركيز والتكثيف، وبراعة الإمساك بالموقف، وحسن توظيف الزمن، وتحريك الفضاء الواحد، وتشظية الحدث رغم ضيق المساحة المشروطة، وتمتلك العصا السحرية المتعاملة مع خشونة الواقع النثري بشاعرية شفافة موحية، بل وتدري كيف تستدعي التقنيات التعبيرية من مختلف الفنون الأخرى، في مغامراتها التجريبية المقتحمة للآفاق البكر المجهولة، إن في داخل النفس البشرية وإن في تشعبات الواقع، السادر في التحولات المعيشة والمفترضة والمجهولة، من سينما وموسيقى وتشكيل ومسرح. وبالتالي، فإنها تتمكن بجدارة وبلاغة نوعيتين، من التعبير عن إنسان العصر المسحوق والمهمش، بصورة أكثر نفاذا وسبرا واستكشافا ولمسا لأدق تفاصيل الحياة وأشف الأحاسيس الإنسانية.
من هنا تكون عودة ازدهار الكتابة القصصية القصيرة عندنا ولدى غيرنا مؤخرا أمرا متوقعا، كما يبدو من زخم النصوص والمجموعات واللقاءات والندوات والمسابقات والأوراش والمختبرات والدورات والمواقع الإلكترونية، وكذا من ارتفاع منسوب جمهرة عشاقها كتابا ومتلقين. لاسيما وقد تناسلت من جسدها حديثا، طفلة جميلة تقتات على مكوناتها، سيكون لها دون شك مستقبل وأي مستقبل في عالم السرد عالميا وعربيا ووطنيا، اسمها القصة القصيرة جدا.

ما هي طبيعة المقاهي في القنيطرة، وهل هناك خصوصية تميزها عن المقاهي الأخرى؟

لقد سبق لي أن سمعت عن بعض اللقاءات الثقافية التي نظمت ببعض المقاهي الأدبية في القنيطرة، وخاصة مقهى الياقوت. لكنني ما كنت أدري بمواعيد تنظيمها، لذلك بصراحة وصدق، لم يسبق لي أن حضرت أيا منها، ربما لارتباك التواصل.. لست أدري. ومن هنا لا يجوز لي الحديث عن خصوصية المقاهي الأدبية بمدينة القنيطرة، أحرى ما ميزها عن غيرها.

لعبت المقاهي خلال القرن الماضي دورا مهما في الأدب والسياسة والفن، لكنها بدأت تتخلى تدريجيا عن هذا الدور مؤخرا، ما هي الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع؟.

في الحقيقة إن هناك كثيرا من المقدمات سبقت إلى محاولة تحطيم الحاجز بين النخبة وعموم الجماهير في المغرب، قبل بروز تقليد المقاهي الأدبية.
منها المبادرة المبكرة للجمعية المغربية للفنون التشكيلية، حيث عملت على تنظيم معارض في الهواء الطلق بساحة جامع الفنا بمراكش، خلال سنوات 1968- 1973. شارك فيها كبار الرسامين المغاربة المعروفين في تلك الفترة، وخاصة سنة 1969 حيث عرض كل من بلكاهيا والمليحي وشبعة وأطاع الله والحميدي، لوحاتهم بشكل جماعي في كل من جامع الفنا بمراكش وساحة 16 نوفمبر بالدار البيضاء.
ومنها ظاهرة النادي (الكاصينو) المنتشرة على وجه التخصيص في مختلف مدن الشمال حتى الآن، وهي ظاهرة موروثة عن الوجود الإسباني خلال مرحلة الحماية. ورغم كونها مقتصرة على المشتركين، إلا أن الأنشطة الثقافية النادرة التي تنظم بها، غالبا ما تكون عامة، يحضرها غير أعضائها. وتوجد بهذه النوادي الصحف اليومية وربما بعض المكتبات المحدودة أيضا.
ومن ذلك أيضا ظاهرة تداول قراءة الصحف اليومية في معظم المقاهي المغربية، حيث يحرص أصحابها على اقتناء الجرائد ليقرأها الزبناء مجانا، على سبيل جذبهم إلى فضائها. وهناك من الزبناء من لا يغادر المقهى إلا بعد أن يقرأ كل الصحف الموجودة بها، وقد يدخل بعضهم في مناقشة محتواها كل من وجهة نظره.
وتطور الأمر إلى ظاهرة المقهى الأدبي، حيث يتم اللقاء المباشر بين الأديب والجمهور، بعيدا عن النخبة المتقوقعة داخل فضاءات ومؤسسات ثقافية منعزلة.
إنني أعتقد أن أثر المقاهي الأدبية كان متواضعا بشكل عام، قياسا إلى ما ظلت تمارسه المؤسسات والجمعيات الثقافية، لاسيما وأن الأنشطة التي أقيمت بتلك المقاهي، لم ترق إلى مستوى التسجيل، حيث غاب التوثيق والإصدارات الضامنة لاستفادة أكبر عدد ممكن من المتلقين، مما حول الظاهرة إلى ما يشبه أدب الصالونات، وفي هذا السياق لا نعجب من تسمية بعضها بالصالون الأدبي.

ما هو الدور الذي تلعبه المقهى في حياتك الاجتماعية والإبداعية؟.
في فترة سابقة كنت أدمن مجالسة كثير من الأصدقاء في المقهى، وخاصة الصديق د. إبراهيم السولامي. وتدور بيننا كثير من النقاشات في الأدب والسياسة والحياة، فضلا عن قراءة أهم الصحف الوطنية. لكنني في السنوات الأخيرة أصبحت مقلا في ارتياد المقاهي. قد أذهب إليها إذا كان لدي موعد مع أحد. باستثناء يوم الخميس، حيث يأتي من الرباط الأصدقاء د. محمد احميدة، د. عبد الله بن عتو، د. أحمد حافظ، فنقضي اليوم كله في المقهى ما عدا وقت تناولنا الغذاء بأحد المطاعم. وقد أفرزت هذه الجلسات المنتظمة سلسلة (الأربعة)، التي صدر ضمنها كتابي ( السرد ذاكرة وظاهرة المحلية في السرد المغربي) وكتب أخرى للأصدقاء الثلاثة. علما بأنني صرت بعد التقاعد ألتقي بمن بقي من الطلبة الذين أشرف على أطاريحهم لنيل شهادة الدكتوراه، بمقهى معين، لأناقش معهم الصعوبات التي تعترضهم والإشكالات المطروحة في مباحث وفصول دراساتهم.
وقد لعبت المقاهي دور الرافد بمدي بموضوعات ومواقف خام مهمة، لتشييد عدد من قصصي ما قبل الأخيرة.

ماذا تمثل لك : القصر الكبير، الطفولة، الورقة؟

مشكلتي مع هذه المدينة الولادة، أنها تسكنني دوما مثل عشيقة مفضلة، رغم أن مشاغل الحياة حاولت مرارا أن تنسيني إياها، خلال اغترابي عنها ما ينيف على أربعين سنة !.. إنني أتحدث عن القصر الكبير الذاكرة، مدينة السحر والجمال والعراقة والعتاقة والثقافة والبؤس والحرمان والناس الطيبين، خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي... فقد نشأت في نسغ رحمها بين حييها الرئيسيين: الشريعة وباب الواد؛ ففي النيارين حبوت ولعبت، وفي السويقة والمرس والمطيمار والمجولين والطابية والديوان، وغيرها من أزقتها وحواريها التي تنتمي إلى عوالم ألف ليلة وليلة السحرية، تشيطنت وتشربت الكثير والكثير من طقوس وأعراف وتقاليد وقيم المجتمع المحلي المغربي الأصيل، كما توسعت خبرتي بالحياة والناس.
طفولتي مرت سريعة بهذه المدينة، لكنها الآن تبدو لي أطول فترة في حياتي، فالزمن هنا نفسي ولا يمكن قياسه فزيائيا. مرت بين الكتاب وما أدراكما الكتاب في تلك المرحلة، ويمكن استيعاب صورته، بقراءة قصص الصديق المرحوم أحمد عبد السلام البقالي عن كتاتيب مدينة أصيلة، خصوصا في مجموعته القصصية المبكرة (قصص من المغرب). وأذكر أنه كان من بين زملائي في كتاب الفقيه الجباري، الشاعران حسن طريبق ومصطفى طريبق، والقاص عبد السلام الجباري والكاتب العمراني المدراعي، وأمثالهم ممن كانوا من خيرة أصدقائي في تلك المرحلة، أطال الله عمر الجميع. وبين مدرسة الحركة الوطنية بالمدينة، أقصد المدرسة الأهلية، التي مر بها كثير من الأسماء التي تنشط اليوم في الساحة الثقافية الوطنية والعربية. وأذكر من زملائي في القسم يومئذ صديقي الروائي بهاء الدين الطود. وقد فتحت هذه المدرسة أعيني على عوالم أخرى، من خلال ما كان يبث في أنفسنا من القيم الوطنية والقومية الحماسية بل والإنسانية، ومن المواد العلمية والأدبية، وطرق التدريس العصرية الجديدة علي، التي قطعت صلتي بالكتاب نهائيا، وما كنت يومها أعي أن في الأمر إعلانا لقطيعة بين مرحلتين مختلفتين ذهنيا واجتماعيا وحضاريا.
وتوقفت مرحلة الطفولة بتتمة الدراسة الإعدادية في المعهد المحمدي بالقصر الكبير، والدراسة الثانوية بالعرائش. وهما فترتان أغنتا علاقتي الإنسانية مع عدد مهم من الأصدقاء الحميمين، وساهمتا في تكويني الثقافي بشكل جذري، وقد يطول الحديث لو أنني عمدت إلى التفصيل فيهما.

كيف تتصور مقهى ثقافيا نموذجيا؟

إجمالا، أرى أن الصورة التي أحملها عن المقهى الأدبي المطلوب، تتلخص في أن يكون فضاء متوفرا على قاعة مناسبة، وعلى مكتبة لا بأس بها، وأن ينظم لقاءات ثقافية دورية متنوعة، معروف برنامجها السنوي لدى رواده، وأن تجمع بين الحين والآخر العروض والمناقشات التي تدور فيه، وتنشر على العموم، ليمتد إشعاع نشاط المقهى الأدبي خارجه في المكان والزمان. ولا بأس من أن تتم التوأمة بينه وبين غيره من المقاهي الأدبية الوطنية والعربية، وأيضا العالمية، لماذا لا؟، ويتم تبادل الزيارات والخبرات والمطبوعات فيما بينها. على أن يتوج كل ذلك بإصدار مجلة مخصوصة بمثل هذا المقهى. فهل يمكن أن يتحقق وجود مثل هذا النموذج؟ من فضلك دعيني أحلم.

صورة فاطمة الزهراء المرابط