Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

آخر الشارع

أَمُرُّ على دكانه كل يوم وأنا عائدةٌ من عملي، لا يزال متشبثًا بمكانه على الرغم من الهدوء الذي خيم على الشارع، فأصبح من النادر عبور المارة فيه بسبب بناء السور المرتفع الذي أحاط بخط السكة الحديد بعد أن ازدوج، ليسير عليه مترو الأنفاق فوق الأرض، مبتلعًا نصف مساحة الشارع، ومغلقًا المزلقان الذي كان يعبره سكان الشوارع المجاورة للخروج إلى الميدان. الكثير من المحلات هنا أغلقت أبوابها، لكنه لا يزال يفتح دكانه كل صباح، ولا يعتمد إلاّ على زبائنه المخلصين، الذين حافظوا على ولائهم له ربما بسبب أسعاره المهاودة والتي تقل قليلاً عن أسعار محلات الـ "دراي كلين".

كثيرًا ما أقابله وهو يسير بخطوة غير منتظمة بسبب ساقه التي أصيبت في حادث منذ سنوات، وتم علاجها بحسب الحال؛ يحمل الملابس التي تحتاج إلى الكي، وقد أحضرها من منزل أحد الزبائن، حيث يصعد الى البيوت ويدق أبواب الشقق بصيحته المعتادة؛ "مكوا". كانت الملابس دائمًا معبأةً في كيس مخدة، أو في قماشة معقودة على شكل "بؤجة"، أو في جلباب رجاليّ جعلت منه ربة المنزل "زكيبة" بعد أن استخدمت الكُمَّيْن كعقدةٍ لخنق الجلباب من رقبته المفتوحة، فلا تتسرب منه الملابس. هذا الشكل الأخير كان يوحي لي بأمنياتٍ ربما جالت في العقل الباطن لربة المنزل تلك، مما يجعل ابتسامتي تتسع رغمًا عني كلما رأيته، بينما يظن عم سلامة أنها تتسع له.

في كل الأحوال كنت أبتسم لابتسامة عم سلامة التي يبادرني بها، ثم يستوقفني محيِّيًّا وسائلاً ومستفهماً عن أحوال البلد، ويسألني عن رأيي!. ولأنني كنتُ ولا أزال غير قادرة على تكوين رأيٍ واضحٍ مطمئن بيني وبين نفسي، فقد كنت أشعر بحرجٍ شديد، فأرد بكلمات مثل "ربنا يعين، و "إن شاء الله خير" و "بكرة تتعدِّل"، وكنت أحول مجرى الحديث إلى أي اتجاه مختلف، وكان هو بفطنته يفهم فلا يثقل عليّّ، فيتجاوب معي ثم يحييني ويكمل طريقه إلى دكانه.

دكان عمّ سلامة لم تدخله الكهرباء، ليس لأنها غير متوفرة، ولكن من أجل التوفير. لا يزال عم سلامة حتى الآن يستخدم المكواة الحديدية التي يقوم بتسخينها على وابور الجاز، ويكوي الملابس من فوق "الفودرة". والفودرة لمن لا يعلم، هي قطعة قماش قطنية نظيفة، يتم ترطيبها بالماء، ثم توضع بين المكواة والملابس، لتحفظ الملابس من أي سواد قد يصيب المكواة جراء "هباب" الوابور، كما أن الفودرة تحفظ الملابس من اللمعة غير المحببة التي قد تصيب بعض أنواع الأقمشة الرخيصة بسبب حرارة المكواة. تفاصيل صغيرة تفادتها التكنولوجيا الحديثة بالطبع في مكواة البخار، لكن عم سلامة لم يكن يقدر على ثمنها ولا على فاتورة الكهرباء، فاستمر يؤدي الصنعة كما كان يؤديها من سَبَقَهُ من "المكوجية".

أما منضدة الكي، فهي ليست سوى منضدة خشبية عتيقة، لكنها متماسكة، راسخة في الأرض تحت ثقل ضربات عم سلامة بمكواته الحديدية، وحركته الدائبة بها ذهابًا وإيابًا لأعوامٍ طويلة. ولا عجب، فقد تم صنعها في وقت كان فيه إتقان الصنعة هو العرفُ السائد، وكان الغش أقل ما يكون. سطح المنضدة مغطىً بطبقات من بطاطين صوفية بنية اللون خشنة الوبر، مثل تلك المستخدمة في السجون ومعسكرات الجنود، تعلوها ملاءةٌ قطنية نظيفة.

تسلية عم سلامة الوحيدة داخل جدران دكانه العارية من الطلاء، هي الراديو الصغير الذي يعمل بالبطاريات، ويبدو أنه يضحي راضيًا بأجرة كي قميصين لاستبدال البطاريات كلما نفدت. كثيرًا ما أراه واقفًا أمام الرف الذي وضع عليه الراديو بعيدًا عن حركة يده بالمكواة وعن حرارة لهب الوابور الذي لا ينطفئ طيلة اليوم؛ يتنقل بين المحطات كلما طالت الفترات الإعلانية بين البرامج – شيء لم يعتد عليه – ، أو يبحث عن أغنية يعرفها لمطرب يعرف اسمه بين كل هذا الكم من الأغنيات المتشابهة لمطربين لا يعرف أسماءهم.

لم يصرح لي عم سلامة بهذا أبدًا، لكن هذا هو ما أراه خلف ابتسامته الطيبة ومن خلال رموشه الرمادية؛ يحيا عم سلامة في زمن غريب عليه، لا يستطيع أن يتكيف معه، ولا يستطيع أن يلحق بمتغيراته السريعة. لذلك فهو يحتفظ بثوابتِ حياةٍ ماضيةٍ تتماشى مع إدراكه، يجد فيها سلامَهُ النفسي وهدوء باله. لا يشاهد عم سلامة برامج التوك شو لأنه ينام مبكرًا بعد تعب الوقوف على قدميه طيلة اليوم، ولا يقرأ الجرائد ليس لأنه أُمِّيّ، ولكن لأنه لا يريد أن يوجع دماغه. يقضي صباحه على المقهى يشرب الشاي ويدخن الشيشة، ثم يتوجه ليفتح دكانه، لتعانق أصابعُهُ رفيقةَ حياته، التي ألانت العشرة تَصَلُّبَها المعدنيّ في يده. وعلى السور المنخفض الذي بناه بالطوب الأحمر حتى يستند إليه وهو يهبط الدرجات الحجرية التي تنزل به إلى باب الدكان، بعدما انخفض مدخله كثيرًا عن مستوى الشارع إثر الرصف المتكرر، يجلس عم سلامة ليستريح، يدخن سيجارته المحلية، وينظر إلى الأفق المتاح له؛ آخر الشارع!.

صورة سها السباعي