Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

للقمر وجه الحبيب

ـ سأجن لا محالة .
هكذا فكرت وهي تغادر السوبرماركت الصغير القريب من الحي الذي تسكنه.دفعت عربة البضائع الصغيرة نحو سيارتها الرابضة في الجهة المقابلة.نظرت إلى اليمين واليسار قبل أن تعبر الطريق.علقت عيناها به.كان يبتعد مسرعا . يمسك بكيس البلاستيك الأسود. في اليد الأخرى تلوح الجريدة التي اشتراها من السوبرماركت الصغير . يكاد يعدو.يهرب لا محالة.نفير سيارة مجنونة يدوي وراس السائق يطل ويلعن.كادت تدهسها.أسرعت واستردت رشدها دون أن تنظر نحو السائق.وعادت تحدث نفسها من جديد:
ـ سأجن لا محالة ..سأجن.
حتى السلام ..لم يعد يسلم علي.يسحب نظراته من عيني كلما التقت عيوننا.تحدث نفسها لساعات طوال.وكل شيء أصبح لديها آليا.ركنت البضائع في السيارة.أدارت المحرك.داست على البنزين.انطلقت السيارة كالعادة.وقفت أمام باب المصعد.نظرت صوب شقته في الطابق الأرضي.باب مغلق.لم تعد تلتقي به أمام المصعد أو وهي خارجة من باب العمارة.لولا صوت الأغاني الحزينة التي تسمعها وهي تنبعث من شقته لتأكدت أنه رحل عن الحي أو سافر بعيدا ولن يرجع قبل جنونها.
المطبخ بارد كالرخام الوردي الذي يغطي الجدران والأرضية.ضوضاء الحومة خافتة.في الصباحات تبدو هادئة على عكس المساءات أو الليالي.عرفت ذلك منذ بدأت تقضي في البيت أوقاتا أكثر خلال الصباحات.إجازة المرض اشرفت على نهايتها.وحتى هذه المرة لم تلاحظ أي تحسن لحالتها.وفكرة العودة إلى العمل بدات تقرفها.كل شيء بدأ يقرفها.السبورة وصفوف التلاميذ المتراصة امام الأقسام .. وجه المدير ونظراته الحقيرة.
ـ رخصك المرضية تكاثرت يا وسانة.
هكذا قال لها المدير هذه المرة وهي تمد إليه رخصة المرض.ذهب وتركها واقفة،كعمود الكهرباءتماما.تمتمت كلمات ضاعت في صخب التلاميذ.

تتراءى لها أطياف شتى على وجه القمر.قالت كل ذلك للطبيب.ابتسم لها وقال يشجعها كي تتابع:
ـ أية أطياف يا سوسانة؟
ـ أطيافه هو..ومن غيره؟
ـ أعرف ..أعرف ذلك، لكن من هو ؟
صمتت من جديد.تنظر إليه شاخصة وهي تقاوم نوبة صراخ.فكرت ان تصرخ في وجهه، أن تصيح بأعلى صوتها.وما يضيرها الآن؟ إنها في مستشفى بني مكادة.كل المجانين هنا.لتصرخ بأقصى ما تستطيع من قوة.إنه هناك على وجه القمر.وحتى إن صرخت..هل سيعود؟ لن يعود.لا بد أنها ستجن.هكذا فكرت وهي جالسة في حديقة المستشفىوهي تنظر إلى القمر.الليلة باردة.مرات عدة رجتها الممرضة ان تدخل إلى غرفتها.ترق لحالها وهي تطلب منها أن تنظر معها إلى القمر.
ـ أترين ؟ إنه هناك.. إنه هناك.
ـ نعم اراه . من هو ؟؟
ـ إنه هو ..إنه هو .
ـ قولي يا سوسانة من يكون؟
ـ .......
تصمت من جديد.تنظر إليها شاخصة.تريد ان تعرف.ماذا سأقول لها؟.. أنه كان يسكن في الطابق الأرضي. أن رائحته ما تزال هناك، عالقة على باب المدخل والمصعد. والموسيقى الحزينة الصاعدةكل ليلة.كل ذلك لا يزال هناك.فقط طيفه استل من هواء الحي.ذاب في الفراغ.أشمه في الأثير.في كل مكان.وأنا أنتظر الصغيرة وهي عائدة من المدرسة.اتوقع أن يظهر فجأة ، ويقف أمامي لبرهة وعلى شفتيه شبه ابتسامة،ثم تبتلعه العمارة.ماذا تريدني أن أقول لها؟

كل الجيران والجارات أتوا لزيارتي.هو لم يأت.كل يوم انتظر.يأتي فقط على وجه القمر.لا بد انه لم يتحمل صفير سيارة الاسعاف.حين وقفت بباب العمارة.ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لأم استطع.كنت أريد أن أصيح.أن أنادي عليه بأعلى صوتي كي يسمعني.هو ليس بالبعيد.في الشقة التي في الطابق الأرضي.لا بد أنه كان هناك.الألحان الحزينة تنبعث وتصعد إلى أذني.سأجن لا محالة.صحت بأعلى صوتي.لم أناديه.لكني صحت صياحا كبيرا وكثيرا. تنظر إلى الممرضة الواقفة بجانبها وتعاود النظر إلى القمر في الأعالي. تنظر الممرضة إلى القمروتحاول سحبها إلى الداخل.
ـ نعم يا سوسانة .. إنه هناك.
تتركها تسحبها.لم تمانع.سخرت منها في نفسها وتابعت صامتة : أنا لا أكذب .. إنه هناك.

حتى في غرفتها لم تنم.بني مكادة نائمة.عبرالنافذة المسيجة بالحديد تابعت القمر في الأعاليوهي تفكر ، إنه هناك.
لم تقل لها الممرضة أنه سيأتي في الصباح.قالت لها فقط أنها ستخرج وترجع إلى بيتها.قال الطبيب ذلك لزوجها هذا اليوم. الصغيرة هناك تنتظر.قالت لها.كانت سوسانة تستمع إليها وهي ترقب السماء باحثة عن القمر وهي تفكر :
ـ سأجن لا محالة .. سأجن.

عبد النور مزين
تصدر ضمن مجموعة قصصية _ عندما تزهر شجرة اللوز قريبا _

صورة عبد النور مزين