الوهـــــــــــــــم

خيمة وسط ساحة المعارض، طويلة الأطراف وعريضة، شامخة شموخ جبال بني يزناسن المطلة على مدينة أبركان..تضم في أحشائها لوحات فنية..ولا أحد من عشاق اللون والريشة يوجد هناك، كنت الوحيد من يتفرج على اللوحات المعروضة من ألفها إلى يائها.. أبهرتني لوحة مهرج توفق الرسام في إبداعها وبنائها إلى أبعد حد..لم أر قط لوحة بذلك الجمال الأخاذ، تسمرت في مكاني أمعن النظر فيها.. تهت بين خطوطها وألوانها..والصمت يلفني كأفعى الآنا كوندا، وكيف للمرء أن يصمت أمام فيض الحركة الممزوج بنور يلمع من اللون.. ولون يلغي لونا..بالغت في إمعان النظر..أحببته، أحبني هو الآخر، وشت بذلك عيناه البراقتان. فقدت السيطرة على نفسي، صحت بأعلى صوتي ما أروعك ! رسم ابتسامة عريضة مكسوة بلون أحمر الشفاه، حرك عينيه يمنة ويسرة، لا أحد غيري هناك، همس لي مستفسرا :
أين سكان هذه المدينة؟ أقتلوا أم رحلوا؟ أجبته : قد تجدهم في الأسواق وفي المطاعم و المقاهي يتفرجون على مباريات الكرة المستديرة، وأغلبهم فقراء وأميون. ضرب بعصاه على الأرض وهز رأسه.. بدت عليه علامة الاستياء. وعاد لوضعه السابق في اللوحة..حل المساء تراءت لي فكرة أخذ اللوحة معي لنسهر الليل سويا أنا وصديقي المهرج. سرعان ما أدركت أن أخذ اللوحة معي فكرة غير صائبة، وقد تتسبب لي في تهمة سرقة، وأنا في غنى عنها.. قبل أن أودعه ضاربا له موعدا في صبيحة اليوم الموالي. رفع كفه مشيرا لي بالانتظار. تسلل من اللوحة، أخذ في تقديم عرض مسرحي (ميمي) قص به شريط صداقتنا الجديدة.. كانت حركاته تحمل أبعادا إنسانية رائعة.. حركات ذات اليمين وذات الشمال..وعند انتهائه من العرض، تقدم نحوي خطوة.. رفع القبعة من على رأسه ..انحنى قليلا محييا إياي، ثم عاد إلى اللوحة وسكن تحت تصفيقي..أدمنت زيارة المعرض، وكان يقدم لي كل يوم عرضا يختلف عن الآخر في الشكل والمضمون.. في اليوم السابع، صدمت عند رؤيتي الساحة خالية، إلا من ورقة بيضاء مثنية تراقصها النسائم الآتية من جهة البحر، دفعني الفضول لالتقاطها، فتحتها، فإذا بها رسالة موجهة إلي، خط عليها :
عزيزي الزائر نشكر لك زياراتك للمعرض وتذوقك للفن الراقي وحرصك الشديد على ترسيخ ثقافة المعارض، وإحساسك المرهف..أتمنى أن نلتقي يوما ما، في مكان ما، وتكون قد تخلصت من وهمك، أو تخلص منك، لا يهم .
الإمضاء : محافظ المعرض.

صورة فريد كومار