Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

الأساطير المؤسسة لاشتغال المشهد الثقافي الراهن

يشتغل المشهد الثقافي المغربي المعاصر بآلية كلاسيكية لا عقلانية، ويتأسس على جملة من الأساطير التي تحد من آفاقه وتنمي حوله هالات من الجمود والقداسة، وأتحدث هنا عن الإبداع المغربي المعاصر الذي يطال المجال الرمزي بتنوعه وغناه، وتحدد انتماءاته الجغرافية والثقافية، وتفرعاته الأجناسية والتعبيرية، سواء تعلق الأمر بحقل الفنون الفضائية أو الزمانية ، وقد تأسس المشهد الثقافي المعاصر في اشتغاله على جملة من الأساطير المبنية على أحكام مسبقة وأفكار جاهزة يتم تصريفها عبر سلوكات مكرورة من خلال مؤسسات ثقافية تقوم بإعادة إنتاج ما هو سائد من قيم لا علاقة لها بالعصر أوبالحداثة والعقلانية،وهذا ما يبدو واضحا من احتكارأقلية من منتجي الرأسمال الرمزي لوضع اعتباري ومكانة اجتماعية مرموقة لم تمر بالضرورة عبر كفاءة أصحابها ولا تفوقهم المعرفي أو الإبداعي، بل عبر قنوات أخرى أهمها الانتماء إلى القبيلة الحزبية، والانتماء الجغرافي.
أسطورة السلف الصالح:
تقوم هذه الأسطورة على أنه ليس في راهننا الثقافي أفضل مما كان وعلى سبيل المثال فإن الثلاثي الخالد زفزاف والخوري وشكري لا يستطيع أحد من المحدثين مجاراتهم في الإبداع القصصي، وهذا ما ذهب إليه القاص هشام بن الشاوي وهو قاص محدث عندما شارك في ملف حول القصة القصيرة المغربية في ملف أشرف على إنجازه القاص المغربي هشام حراك، صاحب "السوق اليومي" وطرح تساؤلا خطيرا عن إمكانية أن يتخطى جيل التسعينات فرسان القصة الثلاث، وهو قول يحمل على كل حال، الكثير من التعسف والإحساس بالدونية اتجاه الأسلاف، أما الأستاذ عبد الحميد الغرباوي فقد عبر في تصريح لجريدة روافد الثقافية عن الفكرة بصيغة أخرى، قائلا بأن الكتاب الجدد يتحلون بجرأة زائدة تبلغ حدا من الغرور، خلافا لما كان عليه الأمر في الزمن الماضي حين كان الكتاب الشباب يتمنون سماع كلمة تشجيع واحدة من الكتاب الأكثر منهم سنا وتجربة، وغن كان هذا القول يحمل في طياته مصداقية لا أنكرها، غير أنه لا يمكنني تجاهل الوجه الثاني من العملة، وهذا ينطبق أيضا على حقل الموسيقى حيث لازلنا نسمع بكل تبجح عن الزمن الجميل للأغنية المغربية دون أن يكلف المتبجحون بهذا الكلام عناء الاستماع إلى انجازات ملحين مغاربة لا يكاد يسمع بهم أحد.
والحقيقة أن ما يسند هذه الأسطورة ضعف المشهد النقدي والإعلام الثقافي، حيث إن النقد لا يواكب مجمل الإنتاجات الثقافية في صيرورتها، ويغدو من اليقين أن مثقفين جادين كثر يطالهم التهميش، ناهيك عن الغياب التام لفروع نقدية عن الساحة الثقافية مثل علم جمال الموسيقى والفكر التشكيلي، وهو ما لا يسمح بتقييم حقيقي لمسارات الثقافة المغربية المعاصرة ويشكل إحدى نقط ضعفها القاتلة، ذلك أن معظم جوائز الدولة المغربية مثلا، تمنح لأسماء معروفة تقدمت لنيل الجائزة بسبب حاجتها إلى أموال لإكمال بناء فيلا، أو السفر إلى الخارج أو... أو... والكارثة العظمى أن ثمة جوائز منحت في النقد، لأسماء لا بصمة لها في المشهد بتاتا، بل إن مؤلفات نقدية متوجة تفضح ضعفا معرفيا ومنهجيا خطيرا لأصحابها ولا يليق بتراكمات النقد المغربي ولا بسمعته، والنتيجة أن جائزة المغرب للكتاب تمنح لأسماء أطبقت بشهرتها الآفاق، أو لأسماء معروفة بعلاقاتها وولاءاتها لأهل الحل والعقد الثقافي، مما يدفع إلى الظل بأسماء مشهود لها بالكفاءة ولا تنتمي بالضرورة إلى السلف الصالح الذي ينظر إليه بتقديس وإجلال يفوق الوصف، ولعل هذا ما تنبه إليه الكاتب المغربي الشهير محمد برادة في إحدى تصريحاته لجريدة الأحداث المغربية قبل سنتين: أظن أن هناك الآن مواهب مغربية تعبر عن نفسها، وستتمكن من الذهاب أبعد مما حقناه، لأن الحياة على كل حال تتطور، ما يقلقني أحيانا، هو أن الشروط التي يعيش فيها المبدعون المغاربة لا تتحسن وهي ترتبط بمشكلة الأمية وأزمة توزيع الكتاب والوضع الاعتباري للمبدع .
أسـطـورة التكريـس:
هذه الأسطورة ترتبط في جانب منها بأسطورة السلف الصالح، لكنها تمتد في الوجدان والذائقة الجمعية للجمهور والمثقفين على حد سواء، يكفي أن يلجأ المبدع إلى النقاد والصحافيين وبدهاء ماكر، ليضع حول نفسه هالة وضجة ويغدو اسمه على كل لسان، في حين أن النقاد الذين يكتبون عنه لايتناولون أعماله في الغالب بالنقد العلمي المستند إلى أدوات منهجية صارمة وجهاز مفاهيمي صارم ، بل يتم التناول بالكلام الفضفاض العائم الخالي من من محتوى معرفي رصين، وعندما يلجأ المتلقي المسكين إلى التعاطي مع المتن كيفما كان هذا المتن، يصاب بخيبة أمل خطيرة جدا، فيصاب لذلك التلقي في مقتل، ويتم تكريس أسماء دون أخرى لأسباب متعددة أهمها الانتماء الحزبي والولاء، على أن هذا التكريس لا يمت بصلة إلى قوة المنجز الإبداعي لهذه الأسماء، بل لاعتبارات أخرى، منها على سبيل المثال المركز الاجتماعي الذي يحتله هذا المبدع أو ذاك، إذ يكفي أن يصدر وزير شاعر سابق كالأشعري رواية "القوس والفراشة" حتى تقوم عشرات الجمعيات بتنظيم حفلات التوقيع ولتتجنّد آلة إعلامية رهيبة للحديث عن هذه الرواية وتمجيدها، والأمر نفسه ينطبق على رواية "جيرتولد" لحسن نجمي و"الموريسكي" لحسن أوريد و"البعيدون" لبهاء الدين الطود، ولعبة النسيان لمحمد برادة، في حين أن روايات أخرى لا تقل أهمية كرواية "سرير الأسرار" للبشير الدامون، و"الأبله والأبيض والمنسية" للميلودي شغموم، لم تحظ بالأهمية التي تستحقها. حسب علمي، فلم تحظ رواية "سرير الأسرار" بأي حفل توقيع لتقريب هذا العمل وصاحبه من الجمهور وهي الصادرة الصادرة عن دار الآداب البيروتية، إحدى أكبر وأشهر دور النشر العربية,
على أن أسطورة الأسماء المكرسة لا تمارس فعلها على منتجي الرأسمال الرمزي والفاعلين الثقافيين فقط، بل تتعداه إلى الفاعلين في جمعيات المجتمع المدني أيضا، والذين لا يؤمن أغلبهم إلا بالأسماء المشهورة أو التي تحتل مناصب هامة. إن للشهرة سلطة تدوي في القلوب، حتى يغدو الاهتمام الوافر الذي يغدقه الكثيرون على الأسماء المكرسة، نوعا من التملق والتزلف الذي لا يخدم الثقافة المغربية في شيء، إنها ذهنية مستشرية قائمة على الإعجاب بالشهرة والنفوذ، وليس على الإيمان بعطاء الفرد الحقيقي وقوته الإبداعية.
أسـطورة قتـل الأب:

تثار من حين لآخر، قضايا، لا أقول عنها هامشية، بل خاطئة، والمقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة بالضرورة، وليست أسطورة قتل الأب إلا نموذجا بئيسا لهذه المقولات الخاطئة التي يروج لها بعض الفاعلين في الحقل الثقافي المغربي، وتتأسس هذه الأسطورة على اعتبار أن الجيل المعاصر من الكتاب والمبدعين عموما، لا يقيمون أي احترام للكتاب الأقدم، وتدخل هذه القضية ضمن الأسئلة غير الحقيقية التي يتم تداولها في المشهد الثقافي المغربي التي تعكس جانبا من الوعي الشقي الذي ينعم فيه بعض الكتاب الذين شاخوا في الكتابة على حد قول محمد شكري، وبذلك يتناول قضايا غبية وبليدة، ولعل ما راج مؤخرا عن مسألة صراع الأجيال خير دليل على ما قلته حين انبرى إدريس الخوري بكل وقاحة للتصدي لما يسمى بالأدباء الشباب،( الذين لم يعودوا شبابا بالمناسبة)، ناعتا إياهم بغلمان الأدب، علما أن الأجيال المحدثة قامت بتكريم كتاب من جيل الرواد الذين شبعوا تهميشا في إطار ملتقيات وندوات كما نفضوا الغبار عن أعمال عدد منهم، تبدو مسألة قتل الأب التي يتغنى بها بعضهم كلام سفهاء ونأيا عن الحقيقة والموضوعية، وترديد هذه الفكرة من حين لآخر يعكس وعيا شقيا معاكسا للحقيقة التاريخية وللواقع أيضا، كما يعكس تجذر النزعة الأبوية في اللاشعور الجمعي لفئة عريضة من منتجي الرأسمال الرمزي بالمغرب وأصبح الهجوم على الأجيال اللاحقة والمتأخرة من المبدعين أمرا مألوفا في شتى مناحي الإبداع ، ولست في حاجة إلى التدليل على خطأ هذه المقولة والتباسها وغموضها، في حين أن ملعب المشهد الثقافي، يشهد وقائع أخرى مخالفة لما يدور في أذهان قاصرة، علما أن ثمة قتل جماعي رمزي مارسه كثير من الشيوخ في حق المبدعين المحدثين، نابع من قناعة أسطورية مفادها أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، بالنظر إلى حقيقة مرعبة تكمن في تخلف المشهد النقدي المغربي عن مواكبة الجديد الإبداعي- طبعا لا أتحدث هنا عن استثناءات قليلة تعمل في صمت ونكران ذات قل مثيله- ناهيك عن الغياب شبه التام للتبشير بالمبدع،هذا الدور طالب به الكاتب الراحل عبد الجبار السحيمي ، ويمارسه بالفعل الأستاذ أحمد بوزفور.
أسـطورة الحداثـة:
لعل هذه الأسطورة مرتبطة بذهنية منغلقة سائدة ذات بعد واحد وتفتقد إلى الروح النقدية، حيث يتم اختزال الحداثة، في حداثة شكلية، لقد بتنا نسمع في كل حين كلاما مكرورا عن الحداثة، حداثة معطوبة، حداثة مسبية، هذه قصيدة حداثية،هذه قصة حداثية,رواية حداثية، هذا تشكيل حداثي، في حين، أن الممارسة الحداثية في المشهد الثقافي المغربي غائبة تماما عن المشهد، كما أن الحديث عن ممارسة حداثية هي من صميم المنسي الثقافي، على أن تتبعا بسيطا لما يجري في الساحة يجعل صاحبه يخرج بخلاصات قاطعة مفادها أن أغلب الفاعلين لم يستوعبوا بعد مفاهيم الحداثة في سيرورتها التاريخية ولا يميزون بين عناصرها الثلاث، كما يجهلون المعطيات التاريخية والخلفيات المعرفية التي أدت إلى تشكل تيارات الحداثة منذ عصر النهضة وإلى نقدها بعد ذلك في مقتبل القرن الماضي، هكذا بتنا نطلع على مقالات نقدية تنوعه، إلا أن هذا العمل الإبداعي حداثي فقط لأنه خلخل البنية الشكلية المتوارثة، دون إمعان النظر في هذه الخلخلة وطبيعتها وجدواها وحدودها، ناهيك عن روح القبيلة المهيمن على المشهد، وقيم القبيلة، انسجاما مع روح الحداثة، لا تنتصر للكفاءة الفردية، بل للانتماء القبلي والولاء، فيغدو كل منجز رمزي ينتمي إلى فرد من القبيلة منزها عن الباطل وعن النقد، وهل تستقيم الحداثة دون نقد أو تجاوز ؟ وكيف لمشهد ثقافي أن يتطور بوجود أصنام وفي ظل سبات نقدي حقيقي ؟ ما الذي جعل رواية كـ"الريح الشتوية" لمبارك ربيع تدَرَّس في الثانوي وتسببت في نفور جماعي من التعاطي مع المتن الروائي المغربي ؟ أليس منطق القبيلة ؟ ألم يشكل "الريح الشتوية" عقوبة للأساتذة والتلاميذ بسبب افتقادها للحرارة الإنسانية ؟ ألم تدرس "الريح الشتوية" لمجـرد أن مبارك ربيع ناقد في المشهـد التربوي المغربي وفي اتـحاد الكتـاب ؟ هـذا بالإضافة إلى رواية "أوراق" التي عاقب من خلالها المسؤولون جيلا كاملا من التلاميذ والأساتذة لاعتبار واحد هو شهرة العروي وحضوره البارز وطنيا وعربيا وعالميا دون أن يتساءل هؤلاء عن مدى ملاءمة هذا العمل للتلاميذ وأفقهم الجمالي ومستواهم الدراسي المعرفي؟
خـلاصــة:
ن المشهد الثقافي يشتغل بآليات عتيقة لا متت للحداثة بأي صلة، ولعل العطب كامن في عقول التهمت كثيرا من الكتب والمعارف، لكنها ظلت محصنة تحصينا كاملا ضد رياح القيم الجديدة، تلك التي أولاها هيغل اهتمامه و أعني بها القيم التي تنتصر لذات الفرد وإرادته,

صورة صخر المهيف

التعليقات (1)

مقال مفصل وراقى جدا، الشكر الجزيل لشخصك استاذ صخر .

صورة قسمة كاتول