Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

نحو مقاربة توافقية لرسم الحرف في كتابة لغتنا العامية

نحو مقاربة توافقية
لرسم الحرف في كتابة لغتنا العامية
الكتابة الزجلية نموذجا

الزجال و الباحث
علي مفتاح

مقدمة :

إن التفكير في تحويل منطوقنا الشفوي العامي إلى كتابة لها كل مقومات الكتابة اللغوية ،ثم تقعيدها وفق تصور لغوي يحفظ لها انتسابها إلى اللغات العالمة ،اي اللغات التي أوجدت لنفسها تفسيرات علمية لكل ظواهرها اللغوية ،نحوية لسانية و بلاغية ،تفكير من شأنه أن يجرنا إلى البحث أولا في مقومات هذه اللغة العامية في علاقتها باللغة التي تستمد منها مرجعيتها الحرفية (بحكم أن الحرف العامي هو حرف عربي في شكل رسمه و في شكله الفونولوجي كذلك )،اي اللغة العربية الفصحى .و كذلك البحث في أوجه التقارب و التجاذب اللغويين ،بين لغة حاضنة و لغة محتضنة ،طبعا هنا تأتي أهمية الكتابة الزجلية باعتبارها الجنس الأدبي الأول الذي كتب بلغة هي في الأصل لغة شفوية تنتسب لهوية لغوية مشكلة من عدة لغات أو عدة لهجات ،تتباعد حينا و تتداخل أحايين أخرى ،لتعطينا في الأخير هوية لغوية مغربية واحدة ،تعددها هو سر غناها المعجمي .إذن فإن الارتباط الجوهري للحرف الدارجي بحرفه الأم فرض علينا مسبقا ،على مستوى كتابة منطوقنا الشفوي الرجوع إلى العربية الفصحى بكل تقعيداتها اللغوية ( نحوية ،صرفية بلاغية ) و الاعتماد عليها في تحويل لغتنا العامية ،التي نتداولها كأداة لتواصل شفهي ،إلى لغة مكتوبة لها كل مقوماتها اللغوية الخاصة ،و كذلك فإن هذا الانتقال من الشفهي إلى المكتوب سيفرض علينا اللجوء إلى بحث مقارن في الظواهر اللغوية المستحدثة و التي ليس لها ارتباط باللغة ـ المرجع ،بل إنها ظواهر لغوية تستمد مرجعيتها بالأساس من تحويل طبيعي فرضه تداول شفهي بمواصفات ترجع بالأساس إلى خصوصية الإنسان المغربي في علاقته التجاذبية مع كل ما هو محلي صرف ،اي علاقة المتكلم العامي بطبيعة المكان و ما يمكن أن يحمله له الزمان من تحولات على مستوى تداولاته اللفظية .
إن الحديث عن لغة عامية مكتوبة يفرض علينا بحد سلطة الخضوع و التبعية الحرفية و اللفظية للغة العربية ،ثم ما فرضته التحولات الفونولوجية لبعض متداولاتنا اللفظية ،و هي تحولات جعلت من عاميتنا لغة لها خصوصيتها و خصائصها اللغوية في جانبها الصواتي خاصة و التي تميزها عن غيرها من اللهجات في عالمنا العربي ،بحكم تمتعها بظواهر لغوية و كلامية قد لا نجد لها مقابل في باقي اللهجات العربية ،علما أنها تستمد هي الأخرى مرجعية رسمها الحرفي من العربية الفصحى ( ظاهرة السكون و الشدة مثلا ) ،هذا بالإضافة إلى تمتع هذه اللغة العامية بحروف إضافية مستحدثة هي سر آخر من أسرار خصوصية هذه اللغة العامية كحرف ( ڨ ) مثلا ،ثم خلوها ،أو تخلصها من الحروف اللثوية ( الذال المعجمة ،الظاء و الثاء ) . إذن فإذا كان الحديث عما هو شفهي يرتبط في عمقه و جوهره بما هو فونولوجي بالأساس، اي تلك العملية التواصلية بين متكلم و متلقي ،تعتمد بالأساس على أداتي اللسان و الأذن ،عكس ما هو مكتوب ،و الذي يعتمد على أعضاء إدراكية إلتقاطية أخرى مغايرة أي العين ،و يرتبط بما هو حرفي ،أي مكتوب بتقعيد لغوي علمي ،فالحديث عن هذا الانتقال بالشفهي إلى المكتوب،أي عملية تحويل هذه اللغة العامية بكل حمولتها الصواتية و بكل خصوصياتها اللغوية و المحلية المنطوقة ،و في علاقة كل هذا بمرجعية الانتساب و الانتماء اللغوي ،يفرض علينا أولا أن نحفظ لهذه اللغة العامية خصوصيتها ،و المتمثلة في الظواهر الصوتية التي سبق الحديث عنها ،ثم في نفس الوقت يجب التقيد بقواعد اللغة المحتضنة أي اللغة العربية ،كأن نحفظ لكل مركب جملي استقلاليته داخل الجملة ،فليس كل ما ننطقه نكتبه بالضرورة مرتبطا ببعضه البعض ،و ذلك لأن المتمعن الدارس للهجتنا العامية سيستشف لا محالة أنه ليس هناك عامية واحدة بل عدة عاميات ،تتمتع كل جهة بخصوصياتها اللغوية ،بل أكثر من هذا فإن تداول المصطلح الواحد قد يختلف من منطقة لأخرى إن على مستوى النطق أو على مستوى الاختلاف التداولي و الدلالي للمصطلح نفسه .إن التقيد بالمرجعية اللغوية الأم بكل قواعدها و ضوابطها في عملية كتابة عاميتنا من شأنه أن يساعد القارئ على قراءة سلسة خالية من أي تعقيد أو تيه دلالي ،بل أكثر من هذا فإنه سيساعد على شيوع و انتشار كتاباتنا العامية خارج نطاقها المحلي ،فالرهان أصبح كبيرا سيما و أن العامية قد بدأت تخوض في أجناس أدبية أخرى كالرواية و القصة القصيرة و القصيرة جدا ،و لهذا فقد أصبح لزاما علينا أكثر من ذي قبل، أن نكتب عاميتنا بتقعيد يراعي الضوابط اللغوية للغة الأم ،فالانسياق وراء جعل هذه الكتابة مجرد مرآة تعكس بأمانة و وفاء كل ما ننطقه في لغتنا العامية ،أي أنها كتابة ناسخة لكل ما تلتقطه الأذن من ظواهر صوتية ،لن يكون سوى عائق سيحول دون توفرها على شرط أساس ألا و هو شرط التواصل السهل و المرن ،فكلما كانت كتاباتنا بالعامية تراعي شروط انتسابها للغة المحتضنة ،كلما كان التواصل أفضل و سهل بين كاتب يجب أن يحرص على أن تكون كتابته في شكلها و في رسم حروفها مساعدة للقارئ لا معيقة له ،قارئ لا ننتظر منه أن يبذل مجهودا مضاعفا في قراءة الكلمة الواحدة في شكلها الصحيح ،بل القارئ و هو يتصفح كتابة ما مكتوبة بطريقة سلسة و دونما متاهات متعلقة برسمها كأن ترد في مخيلته قراءات متعددة للكلمة الواحدة ، الشيء الذي قد يسقطه في تشتت الفهم و يبعده عن القراءة النوعية للنص، أي تلك القراءة التي تعيد كتابة النص وفق تصوره الخاص ،تصور يدفعه للدخول في جدلية تواصلية يكون مستوى الإبداعية هو رابطها الجوهري ،و الذي يحفظ لكل هذه العملية التواصلية بين كاتب و قارئ قيمتها و تقييمها النوعي .
إن العامية المغربية التي تأخذ من الحرف العربي الفصيح مرجعية لغوية لها و لمنطوقها الحرفي ،تنتسب إلى جغرافية لغوية موسعة ،استطاعت بفضل طبيعتها اللغوية و التي يشهد لها بالتجدد و الغنى أن تكون لغة بدينامية خاصة ،و ذلك لأنها هي لغة البادية و المدينة ،لغة فن و تراث ، لما تزخر به هذه الجهة من خارطتنا اللغوية و الثقافية من رصيد تراثي مهم تختزله فنونها الشعبية التي يمكن اعتبارها مرجعا لغويا و معجميا خصبا ،فالعامية المغربية هي لغة الفلاح و العامل ،لغة الإدارة و الشارع ،لغة الحلم و المشاعر ،إنها لغة تواصل يومية قد تغير معجمها حسب المعطيات التقييمية لظروف التواصل ،فالتواصل داخل البيت مثلا،يختلف في أوجه توظيفاته المعجمية مقارنة مع تواصل خارج البيت ،تنوع و تباين واضحين حول البعدين الوظيفي و الفونولوجي للخطاب التواصلي ،فكلمة واحدة قد نجد لها ميكنيزمات صوتية متباينة من منطقة لأخرى ،فكل هذه الخصائص ساهمت و تساهم في جعل هذه العامية تعيش تجددا يوميا ،يتداخل فيها ما هو صوتي بما هو معجمي وظيفي ،يجعل منها لغة تعيش خصوبتها اليومية باستمرار و بتجدد دائم.هذا من جهة و من جهة أخرى ،و بحكم ارتباط هذه اللغة ارتباطا روحيا بالأرض ،باعتبار أن العامية هي في الأصل لغة بادية ،و ذلك لأن " المجتمع العروبي "،اي المجتمع الناطق بعامية تأخذ من اللغة العربية مرجعا لها ، لم يكن مجتمعا مدنيا،و إنما كان و سيظل مجتمعا تتجلى بدويته في لغته التي تنتمي في الأصل إلى البادية ،هذا الارتباط المباشر و الروحي بالأرض اي بالطبيعة في مختلف تمظهراتها منح لهذه اللغة قدرة طوعية على أن تخوض في كل ما هو تأملي،و هذا ما يفسر الرصيد الكبير و الغني من الحكم و الأمثال الشعبية التي غالبا ما ترتبط في صياغة خطابها بالمعطى الوجودي التأملي في علاقة مباشرة بكل ما هو طبيعي و كوني و إنساني كذلك . و المتأمل في خطابنا اليومي العادي ،يمكن أن يستشف أن لغتنا العامية هي لغة انزياح بالطبيعة ،هناك عبارات متداولة لا ننتبه لقيمة مضمونها الشعري و التأملي ،عبارات نتداولها فيما بيننا كاستهلاك لغوي و تواصلي يومي،يرتقي بهذه اللغة و يسمو بها إلى مصاف اللغات التي تسمو بالخطاب الإنساني ،و يمكن في هذا الباب أن نورد بعض الأمثلة على ذلك ،كقولنا مثلا : " طلعت ليَّ ف راسي " " ادى و جاب ف الدنيا " ،و كلها عبارات تنتمي في تقييمها الدلالي حسب سياقها الورودي المتنوع إلى لغة هي أقرب إلى الشعر منه إلى الكلام العادي التقريري و المباشر .
لقد استطاعت العامية المغربية المنطوقة بالحرف العربي ،أن تؤثث لنفسها موقعا مهما داخل خارطة هويتنا اللغوية المشكلة من ثلاثة أعمدة لغوية : 1 ـ الدارجة العربية التابعة حرفيا للغة العربية و المتحولة صواتيا و معجميا ،بحكم توفرها على مفردات لا نجد لها مقابل في اللغة العربية،و هذا إشكال آخر يفرض نفسه علينا كباحثين و مهتمين بالشأن اللغوي ببلادنا ،إذ أصبح لزاما علينا في ظل دستور جديد و ما جاء به من قوانين تنظيمية سيما جانبه المتعلق بإحداث مجلس وطني للغات و الثقافة ،الذي يجب أن يتمثل دوره في الحفاظ أولا على لحمة هذه الهوية اللغوية و تأسيس مرصد لغوي شامل و جامع لكل لغاتنا ،فتأسيس مجالس متفرقة لكل لغة على حدى من شأنه أن يعطي صورة عكسية لهوية لغوية خصوبتها في تداخلها و في تأثير بعضها على بعض .و إذا ما رجعنا إلى العامية العربية ،نرى أن دور هذا المرصد اللغوي ستكون مهمته هو وضع قاموس لغوي خاص بالمفردات التي ليس لها مقابل في لغتنا العربية الفصحى ،أي المفردات المغربية الخالصة ،مفردات استحدثت نتيجة بيئة لغوية متنوعة متداخلة و متعايشة معجميا مع بعضها البعض .
2 ـ اللغة العبرية و هي لسان اليهود المغاربة ،لغة سامية أخرى أوجدت لنفسها مكانة في الهوية اللغوية المغربية ،و كما باقي اللغات الأخرى فإنها استطاعت أن تحفظ لنفسها التواجد الفعلي و تقتسم مع باقي اللغات الأخرى الجغرافية اللغوية للمغرب ،كانت لسان شريحة مهمة من سكان المرتفعات و كدا المدن المستحدثة سيما داخل الملاحات ،فالدارس الفعلي لهذه اللغة سيستشف ظواهر التأثير و التأثر الواضحين معجميا بين كل اللغات سواء العامية و الأمازيغية في علاقتهما معا باللغة العبرية ،كانت لغة التجارة و الصناعة التقليدية ،الشيء الذي جعل منها ان تكون لغة تعاملات بامتياز ،فحضورها في الحياة اليومية كأداة تواصلية أخرى ،ساهم بشكل كبير في تلاقحها معجميا مع باقي اللغات الأخرى .و رغم الترحيل القسري الذي تعرض له اليهود المغاربة خلال نهاية الستينات و السبعينات من القرن الماضي ،الذي أدى إلى تراجع حضور هذه اللغة ،و أضعف تمثيليتها داخل جغرافية هويتنا اللغوية و الثقافية ،إلا انها تبقى مع ذلك لغة أقليات ،لا يمكن طمس حضورها و تأثيرها و تأثرها بباقي اللغات الأخرى .
3 ـ اللغة الأمازيغية و التي تتشكل من عدة لغات ،و كلها لهجات تتمركز جغرافيا بالمناطق الجبلية ،و هي لهجات من حيث ترتيب تواجدها الزمني تسبق الدارجة العربية ،و تتشكل من :
أ ـ تمازيغت المتداولة بمناطق الأطلس
ب ـ تشلحيت و تتخذ من منطقة سوس تداولا و انتشارا لها
ج ـ تاريفيت ، بالجبال الشمالية للمغرب
3 ـ الحسانية المتداولة بالمناطق الصحراوية .
فعندما نتأمل هذا الكم الهائل من اللغات المحلية المشكلة لهويتنا اللغوية المغربية ،نجد أنفسنا أمام سؤال محوري و منهجي ،يلخصه البعد التداخلي و الانصهار اللغوي بين كل هذه اللغات المشكلة لهوية لغوية واحدة ،بمعنى أننا يمكن أن نتساءل إلى أي حد يمكن الحديث عن أوجه التداخل و التباعد اللغويين بين كل هذه اللغات ؟ هل يحق لنا من منظور تحليلي موضوعي صرف تقسيم هذه اللغات إلى لغات أصلية و أخرى فرعية ؟ لغة أم و لغة مستحدثة تابعة ؟ هل من حديث عن أوجه التقارب اللغوي ،حرفي و معجمي بين مجموع هذه اللغات ؟
فللإجابة عن مجموع هذه التساؤلات ،نجد أنفسنا مضطرين لوضع تصنيف لمجموع هذه اللغات استنادا أولا على رسم الحرف و شكل كتابته ،هذا ما يهمنا من خلال هذه المقاربة ،و من هذا المنطلق سنكون أمام تصنيفات ثلاث :
1 ـ حرف التيفيناغ و الذي يعتبر في شكل كتابته و رسمه هوية لغوية جامعة لكل لغاتنا الأمازيغية ( التاشلحيت ـ تامازيغت ـ تاريفيت ) .
2 ـ الحرف العربي هو رمز لهوية لغوية تجمع اللغة العامية باللغة الحسانية
3 ـ الحرف العبري وجه ثالث من أوجه تمثيليتنا اللغوية ،و الذي لا يمكن تجاهله استنادا لما خلفه الصراع العقائدي الذي أضفى صفة القدسية على الحرف العربي مقابل نبذ باقي الحروف الأخرى المشكلة لهذه الهوية اللغوية التي نتكلم عنها ،و هو حرف يتقاسم في كتابته و رسمه عدة خصائص مشتركة مع باقي الحروف ،كونها أولا لغات تكتب من اليمين إلى اليسار ،كما أنها مجتمعة تتمتع بحروف ذات مخارج صوتية متنوعة ،بل إن بعض حروفها في تصنيفها الصواتي لا يمكن إطلاقا أن تجد لها مقابل في اللغات الطبيعية الأخرى.
هذا بالنسبة للتصنيف اللغوي استنادا على رسم الحرف و شكل كتابته ،و خلاصته هو التباعد التام و المطلق في شكلي كتابتهما ،فحرف التيفيناغ في شكل كتابته ليس هو الحرف العربي ،أما بالنسبة لتداخل هذه اللغات و تلاقحها المعجمي نجد أن هناك تقاربا واضحا بين اللغتين الأمازيغيتين ،أي تاشلحيت و تامازيغت مع اختلاف طفيف في بعض متداولاتهما اللفظية و التعبيرية ،و اما اللغة الأمازيغية الثالثة أي تاريفيت فإن ما يربطها باللغتين الأمازيغيتين الأخريين هو انتمائها مجتمعة إلى شكل كتابة حرفية واحدة يختزلها و يختصرها حرف التيفيناغ ،الذي يحيل في شكله و رسم كتابته إلى الانتماء لهوية لغوية لها من الخصائص ما يجعلها تصنيفيا تحتل موقعا مهما على خارطة هويتنا اللغوية المغربية . و أما الحرف العربي ،أي الحرف الذي نكتب به لغتنا العامية و كدا لغتنا الحسانية ،هو حرف يستمد مرجعيته من اللغة العربية ،حرف يتحدد انتشاره جغرافيا في المناطق المنبسطة و السهول ،بينما الحرف الأمازيغي هو حرف جبلي ،فقد حصن نفسه و حافظ على ملامحه اللغوية على الأقل على مستوى رسم حرفه و كتابته ضد كل تأثير لغوي دخيل ،فالحرف العربي هو حرف للغة الفتوحات و النفوذ و السلطة بينما الحرف الامازيغي هو حرف مقاومة . إذن فانطلاقا من هنا نستشف أن الصنفين الحرفيين معا في شكل رسمهما متباعدان و مختلفان ،لكن معجميا و تداوليا عن طريق تلاقح لغوي أملته ظروف تعايش تاريخي أصبح لزاما علينا الإقرار بوجود تداخل و انصهار لغويين بين الأصناف الثلاثة ،أي اللغة المكتوبة بحرف التيفيناغ و اللغة المكتوبة بالحرف العربي ،ثم أخيرا الحرف العبري ،و الجميل في هذا التلاقح اللغوي و انعكاسه الإيجابي على كل مناحي متخيلاتنا الأدبية بكل لغاتها ،و إذا ما رجعنا إلى كتابتنا الزجلية نجد ان هناك هجرة أدبية و فنية ،هي في الأصل هجرة لغوية وقعت سواء من هذا الجانب او من ذاك ،هناك زجالون وجدوا أنفسهم يكتبون بلغة ليست هي لغتهم الأم ،إنها هجرة لغوية قسرية أملتها ظروف سياسية و تاريخية ،أفرزت لنا هيمنة لغة على لغة أخرى ،و فرضت بحد التحكم بالسلطة إقرار هوية لغوية على حساب هوية أخرى ،لكن يمكن القول أن هذا الاغتراب أو المنفى اللغوي ساهم بشكل كبير في غنى لغتنا العامية المكتوبة بالحرف العربي ،و ذلك بحكم ذلك الرصيد اللغوي و الثقافي الذي تم حمله إلى اللغة الجديدة المحتضنة أي لغة المنفى اللغوي ، لقد كان الزجل المغربي ،أي المكتوب بالعامية محضوضا بهذه الهجرة أو هذا الاغتراب اللغوي ،فيكفي أن نذكر اسم الزجال إدريس أمغار مسناوي و هو المنحدر من أصول أمازيغية ،كما العديد من الأسماء الزجلية خاصة المنتمية إلى منطقة زمور زعير ،ساهم بشكل كبير في الرفع من قيمة كتاباتنا الزجلية كما و كيفا ،حتى ان كتابته الروائية الأخيرة " تاعروروت " و المكتوبة بالعامية المغربية ،و التي هي في الأصل رواية تستقرئ وقائع تاريخية ترتبط ارتباطا جوهريا بمنطقة تنتسب لغويا إلى الأمازيغية ،فالأسماء و الأماكن ،و كل ما حمله لنا هذا العمل الأدبي الغني و الخصب ،يحيل ضمنيا على الانصهار و التجاذب بين المتخيل ذي الملامح الامازيغة و بين ترجمته لغويا إلى لغة أخرى غير لغته الأولى اي لغة خياله و مفكرته ، إن المتخيل أمازيغي خالص و أداة تحويله إلى كتابة هي بالعامية العربية ،و في اعتقادي هذا هو سر عمق الكتابة عند زجالنا المتمرس في اللغتين معا و في تراثهما الخصب و الغني .
إن التفكير في وضع مقاربة توافقية لرسم و كتابة حرفنا العامي جاء بعد قراءة و اضطلاع على مجموعة من الدواوين الزجلية ،و هي مقاربة نعتبرها كأرضية لمشروع مازال في بدايته ،مازال ينتظر البحث في عمق كل ظواهرنا اللغوية ،و هو الأمر الذي يتطلب تأسيس مرصد متخصص يضم مختلف الباحثين من لسانيين و لغويين و علماء الاجتماع اللسانيين و غيره من المنتمين إلى حقل البحث اللغوي ،و هنا طبعا يأتي دور المجلس الوطني للغات و الثقافة ،الذي من المفروض و من المتوقع أن يأخذ على عاتقه التقعيد العلمي لكل لغاتنا الوطنية ،و هو مسعى أصبح يفرض نفسه بإلحاح شديد ،و ذلك لأن أي قارئ لكتابتنا العامية سيخلص أن هناك خلطا و ارتباكا واضحين فيما يتعلق بشكل كتابة و رسم حرفنا العامي ،و هو أمر نجد تبريراته في غياب تقعيد علمي و فعلي لهذه اللغة ،فالزجال مثلا و كاتب السيناريو و الروائي الذي يكتب بالعامية، لا يمكن أثناء كتابته لعمله الإبداعي أن يتقمص دور المنظر اللغوي ،فيكتب اعتمادا على تصوره الخاص أو اعتمادا على مرجعيته الفونولوجية ،إذ و الحالة هذه نجد أنفسنا أمام أشكال متعددة من الكتابات في شكل كتابتها و رسمها الحرفي ،فغياب هذا التقعيد العلمي في نقل منطوقنا العامي إلى كتابة ،دفع كتابنا إلى الاعتماد على كل ما هو فونولوجي و ترجمته بكل حمولته الصواتية ،من مد و تنوين الشيء الذي أفقد الجملة و مركباتها المختلفة الفعلية و الحرفية دورها و تركيبها المستقل ،أصبحت الضمائر المنفصلة متصلة ،و الفعل في تقسيماته الثلاث ( ماضي ـ مضارع ـ أمر ) أصبحت تخضع لخصوصية المنطقة كأن يتم تحويل ياء المضارعة إلى حمزة في أول الفعل ،و تاء التأنيث تحول إلى تاء منبسطة ،و الحروف اللثوية أصبحت تكتب وفق انعكاس فونولوجي لا يعترف لهذه الحروف بالتواجد بين قائمة حروف لغتنا الشفوية كل هذه الظواهر و ظواهر أخرى لعبت و تلعب دورا سلبيا في إيصال خطابنا الإبداعي ،فعندما أكتب كلمة " الظهر " باستبدال الحرف اللثوي الظاء بالضاد " الضهر " و ذلك اعتمادا كما قلنا على المرجعية الفونولوجية ،فإننا نكون بذلك قد أوقعنا القارئ في متاهات دلالية ،تغرقه في تعدد الاستقراءات للكلمة الواحد ،الشيء الذي تنتفي معه لذة القراءة في الملامح الإبداعية للنص ، و هناك أمثلة عديدة وقفنا عليها أثناء محاولتنا وضع مبادئ لهذه المقاربة التوافقية التي حاولنا من خلالها ضبط آليات رسمنا للغتنا العامية ،و الهدف من ذلك هو ضبطها و توحيدها ، حتى يتسنى لنا توسيع دائرة قراءها .
و في ختام هذا التقديم الذي حاولنا من خلاله رصد ملامح لهويتنا اللغوية المتنوعة ، الغنية و الخصبة ،و كذا موقع لغتنا العامية من هذه الهوية التي أصبحت في حاجة ماسة إلى تقعيدها و توحيد شكل كتاباتها حتى تنتقل من انحصارها في لغة شفهية إلى لغة مكتوبة لها كل مقومات الكتابة ،و هنا لابد أن أتوجه بالشكر الخالص إلى إخواني الزجالين الذين ساهموا بشكل أو بآخر في اغناء النقاش حول هذه المقاربة و تصورها العام ، شكرا للزجال احميدة بلبالي الذي كا له السبق في طرح هذا الموضوع و كان من الأوائل الذين دعوا إلى أهمية وضع مقاربة لتوحيد شكل كتابتنا ،فكان ديوانه الأخير " شمس الماء " بحق نموذجا لكتابة زجلية تراعي في رسم حرفها القواعد التي كنا قد وضعنا معا مبادئها الأولى ،شكرا لإخواني في الاتحاد المغربي للزجل على مساهمتهم الفاعلة في تعميق هذا النقاش ،الزجال ادريس أمغار مسناوي ،الزجال محمد مومر ، الزجال محمد عزيز بنسعد ،الزجال ادريس بن العطار ، الزجالة مليكة أمصاض ،الزجال عبد الرحيم باطمما ، الناقد عبد الإله الرابحي ،الروائي و الشاعر و الفنان التشكيلي المصطفى الغزلاني

صورة علي مفتاح