في ليلة اكتمل فيها القمر

الغريب أن القمر الليلة كان بدرًا!

بعد أن خرجتُ من الجُب المظلم لم تؤذِ أشعة القمر عينيّ، ومع ذلك لم أستطع التمتع بضوئها الذي ينير الأرض على استحياء لعلمه بضآلة حجمه أمام ضوء الشمس الباهر الذي لم يشرق منذ مدة، كانت الغيوم تتعمد أن تتجمع بلونها الرمادي الثقيل طيلة النهار لتحجب الشمس عن الظهور، ثم تترك السماء خالية للنجوم الميتة التي لا يضيء نورها الخابي شيئًا. تحالفت تلك الغيوم مع القمر وتركته يمارس وظيفته الروتينية، ربما إشفاقًا على هذه البقعة من الأرض التي يتغنى شعراؤها بالقمر ويتنادى عشاقها باسمه، بينما في بقعِ أخرى يراه أهلها نذير شر!

مر الغريب وأعطاني جذوةَ من نار، أضاءت الطريق المعتم بين الجبلين، فزاوية شعاع القمر المكتمل لم تنجح في إنارة الممر البالغ الضيق، وارتمت في تراخٍ على سفح أحدهما، وتركت الآخر يقف متشحًا بالسواد كشبحٍ يتأهب للانقضاض.

رحل الغريب وتركني كما يفعل كل الغرباء، ولم أجد مفرًّا من البدء في المسير لأعبر هذا الوادي السحيق، على أمل انفراج المسافة الضيقة في نهايته. كان السير يعني المخاطرة بانطفاء الشعلة الواهية التي أحملها والبقاء في الظلام الدامس في منتصف المسافة، فلن أستطيع العودة ولا التقدم، إلا إذا تلمست الجدران المدببة كالكفيف وخاطرتُ بظهور الأفاعي والعقارب وكل ما يدب على الأرض وكنتُ لهم فريسةً سهلة.

فكرتُ عدة مرات قبل أن أخطو الخطوة الأولى؛ ما هي البدائل المتاحة أمامي؟

أمتنع عن العبور، وأبقى في مكاني. ولكنني سرت بالفعل مسافةً طويلةً حتى وصلتُ إلى هنا، وهذا ليس مكانًا آمنًا للانتظار. كما أنني فقدت الكثير من الدماء ومعظم الزاد وما تبقى لن يكفي طويلاً، وعندها سأهلك لا محالة.

أعود من حيث أتيت؟ لا يمكن. فقد قطعت تذكرة ذهاب بلا عودة، الرجوع ممنوع بحكم قوانين الكون.

أهدم أحد الجبلين أو كليهما؟ ومن أين لي بالقوة؟ كلاهما يقف للآخر مناصبًا له العداء، أحدهما مسلحٌ بقوة الماضي والآخر مسلح بقوة المستقبل ويدفنان أسرى الحاضر في كهوفهما العميقة إلى جوار عظام الذين حاولوا العبور من قبل.

أدور حول أحدهما؟ متاهاتٌ لا أملك خرائطها. عندها سأتيه في الأرض أربعين عامًا ولن أصل.

يبدو أن هذا هو الطريق الوحيد، ولا فارق هناك أن يكون معي قبس من نور أو أن أغلق عيني وأسد أنفي وأتجرع المسافة مرةً واحدةً على أمل أن أقطعها وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان. أو أن ينطبق الجبلان وتتساقط الحجارة لتدفن كل شيء.

بضعة أيام أخرى من الانتظار لن تضر، فقد تنسحب السحب الداكنة ويظهر شعاعٌ وحيدٌ من الشمس!

صورة سها السباعي