طفلي الذي أجلتُ موتَهُ

قلتَ: أريدُ اللعبَ في ساحةِ الدّارِ..
سحبتَ حبلَ القفزِ وصرتَ تقفزُ كفراشةٍ تتعلمُ الطيرانَ ..
سمعتُ ضحكاتِك التي غمرت البيتَ وأنتَ تقولُ: (( ماما أنا عم طير.. أنا عم طير))
راحت أعينُ القنَّاصةِ تلاحقُ ظلّك الصغيرَ يقفزُ على الأرضِ، دون سابقِ إنذارٍ تواطأت الأمكنةُ وعينُ القاتلِ والهواءُ لفتحِ وابل الرصاصِ على جسدك الغضٍّ، تجمدت عيناي في المسافةِ الفارغةِ بين قدميك والأرض، ولم أدركْ من منّا قد مات حينها، تحركتُ بخطىً تهذي بارتجافها نحوكَ لالتقطكَ في زمنِ السقوطِ السافرِ، كنتُ أنا الأرضُ التي تلقفتْ موتَك، امتزج طعمُ الدّمِ بالدمعِ حين ضمتكَ ذراعي، شعرتُ بيديك الدافئتين، قبَّلتُ وجهكَ ليس وداعاً إنّما أملاً بإيقاظكَ كما أفعل كل صباحٍ، ذاتُ البراءةِ كانت تتوجُ ابتسامتَك الساكنة مع الموت، رحتُ أشتمُّ رائحةَ عرقك الذي اختلطَ برائحةِ البارود..

كيف لم تخطئ الرصاصةُ قلبكَ يا صغيري..؟؟

رغمَ أنك توقفت في تلك اللحظةِ عن الحياةِ، إلا أني كنتُ واثقةً من أن قلبكَ مازال ينبض، وأن صوتَ نبضِه أعلى من صوتِ رصاصهم.

كان الطقسُ بارداً.. خشيتُ عليك رغمَ الموتِ من البرد، ودون أن أعيرَ موتَك أي انتباه خلعتُ سترتي وخبأتُك بدفئها.. لم أستطعْ الصراخَ فكنت أعلم أن حبالي الصوتية قد باتت تالفةً وممزقةً.

بدأتُ أدندنُ لك أغنيةً كنتَ ترددها وأنتَ ترمي لعبكَ الصغيرةَ في الغرفة، كنّا نضحك من الفوضى التي تخلفها في أرجاءِ البيت وأنت تحلقُ كعصفورٍ من زاويةٍ لأخرى وتنثرُ في الهواءِ أنفاسك مع القطنِ المتطايرِ من لعبك.

لستُ أهذي يا صغيري، نعم هو صوتُك الذي يرتلُ بعفويةِ: (ومغارة سهرانة فيها طفل صغير بعيونو الحليانة حب كتير كتير .. تلج تلج عم بتشتي الدنيي تلج)

نعم.. ثلج ثلج هذا العالم المحاطُ بهالةِ الموت، والبيتُ لم يعد فيه عتبةٌ تطهرها خطاك، أي غيابٍ هذا الذي ترك عينييّ معلقتين على صورةٍ لك في الجدار،

انتبهْ..! حتّى خشبُ الأبوابِ شاخَ حين أغمضتَ عينيك عن الحياة.

قبلها بخمسةِ أعوامٍ كنّا نتجادلُ بحبٍ أنا ووالدك حولَ اسمكَ الذي كان حكايتنا اليوميّة قبل النومِ..

قالَ: سنسميه نديماً ليكون نديمَ حياتنا..

قلت: لا سنسميه نوراً لتكون حياتُه كما الشمس..

نديم .. نور.. نديم.. نور.. نديم.. نور ... وضحكنا كثيراً، فكنا قد اتفقنا على حرفِ النّون باسمك الذي أسقطت بعده كلّ الأسماء.

منذ تلك اللحظة أصبح انتظارنا لك متعةً نتقاسمها.. وغوايةً نفترشُ تفاصيلها (كيف هو شكلكَ، حركاتكَ، صوتكَ، لونُ عينيكَ، بشرتكَ، شكلُ أصابعِ قدميك، حتّى طولُ قامتك).

كنتُ أتقصدُ وأنت في أحشائي أن أقصَّ لك الحكايا عن سوريا.. أخبركَ عن جمالها.. عن بهائِها.. عن شوارعِها التي تعجُّ بالمارةِ والغرباءِ.. في ذلك الزّمنِ كان عمرك ستةَ أشهرٍ من الحمل وكنتَ تتململُ وتتقلبُ بضجرٍ.. ذهبتُ بك إلى كلِّ المدنِ السوريّة مروراً بأريافها لأريكَ معالمَها، طقوسَها، عاداتِها، سكانَها، وربما كنتُ متعمدةً أن أنجبكَ بعلامةٍ فارقةٍ قد تكون شامةً دمشقيةً على جبينكَ تميّزكَ عن كلِّ أطفالِ الأرض، وكم من المرّاتِ وضعتُ يداً على بطني واليد الأخرى على جدرانِ قلعةِ حلب أو مررتها بماءِ الفراتِ كي تتحسسَ نبضَ المدن، أحياناً كنتُ أبتلعُ ماءَ البحرِ لنسبحَ سوية، وكنا نتبادل الأسرار فأخبرتكَ بأنّ موضعكَ في بطني كموضعِ حمصَ من سوريا التي تنتظرك.

اليومُ فقط حين التقت عيناي بعيني القنّاص صائدِ الحياة أدركتُ لما لمْ أنجبك، وأدركتُ لماذا بقيتَ حملاً افتراضيّاً في ذاكرتي، نعم صغيري قدْ أجهضتكَ في ذاكرتي كي لا يسجلَ الرصاصُ طولَ عمركَ أو يقيسَ بقاءَك في مسافةٍ تقدرها فوَّهةٌ تطلقُ الموتَ لتنجبَ قبراً

صورة رنا سفكوني
آخر المشاركات: 

التعليقات (2)

كم من أمنياتٍ مؤجلةٍ أُجهضت بفعل احباطنا المرير ..
شكراً رنا، استمتعتُ بقراءة النّص، وودت لو أنه لا ينتهي ..

صورة هشام الطيب الفكي

كم من أمنياتٍ مؤجلةٍ أُجهضت بفعل احباطنا المرير ..
شكراً رنا، استمتعتُ بقراءة النّص، وودت لو أنه لا ينتهي ..

صورة هشام الطيب الفكي