Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

مجموعة "تنوء بحلمهم" بين الواقع المنحط والحلم المنشود

إذا كان الكاتب يقتنص من الواقع وتناقضاته مواضيع لإبداعاته الخاصة فإنه ـ في حقيقة الأمر ـ لا يعكس الواقع في مؤلفاته كما تنعكس الصورة على المرآة وإنما يركّب عناصر من الواقع بأسلوبه الخاص ليفصح عما يعتمل في خلده من أحلام وطموحات وليعبر عن وجهة نظره فيما يدور حوله من أحداث.
وأثناء عملية التركيب هاته، يتدخل الخيال، فيتيح للكاتب مساحة واسعة من الحرية، تسعفه في إيصال آرائه ووجهات نظره إلى المتلقي وفق ما يؤمن به ـ هذا الكاتب ـ من أفكار، وما يدافع عنه من مواقف.
إن الأدب كما يؤكد معظم النقاد والباحثين ـ ليس بريئا، "إذ لم تؤلف الكتب الأدبية لنقرأ ما تقول، وإنما ألّفت لكي نكتشف ماذا تريد أن تقول"، وبناء على هذه التوطئة سأحاول أن ألتقط مظاهر الصراع بين الواقع المنحطّ والحلم المنشود في المجموعة القصصية: " تنوء بحلمهم " للمبدع المغربي حميد الراتي، مركزا على المحاور التالية:
1ـ أحداث المجموعة القصصية وتيمة الصراع بين الحياة والموت.
2ـ شخصيات المجموعة القصصية بين الاستسلام لواقع الإقصاء ومحاولة الثورة عليه.
3ـ مظاهر التهميش والإقصاء من خلال فضاءات المجموعة القصصية.
لكن قبل ذلك لا بأس من الالتفات إلى عنوان المجموعة وقصصها.
غالبا ما يختار الكاتب عنوان قصة من داخل مجموعته القصصية، ويجعله إسما لها، لكن المبدع حميد الراتي كسّر هذا العرف، واختار عنوانا غير وارد في ثنايا مجموعته القصصية الأولى حيث سماها: " تنوء بحلمهم "، فمن/ما هي التي تنوء؟ هل هي أمّ أمْ نفوس، أم أجساد، أم مدن، أم بواد، أم بيوت..؟، أم هي قصص المبدع حميد الراتي ذاتها؟
وما طبيعة هذا الحلم، هل هو حلم يقظة، أم حلم نوم؟ وما الهدف من هذا الحلم؟ أمِنْ أجل تغيير واقع بئيس، أم إثبات ذات غير معترف بها؟
للإجابة على هذه الأسئلة لابد من قراءة قصص المجموعة التي ضمّت بين دفتيها سبع عشرة قصة على الشكل التالي: السراب، أبهة، احتراق، المشكاة، تيه آخر، حينما تحترق الورود، خالي حمو، خلف العتمة، رائحة الوطن، رحلة الشتاء والصبح، سوف تشرق من جديد، شارع الملابس الأسبوعي، طيف ملائكي، غضب ويقين، مشاهد من وحي اللحاظ، سقوط، وسقطت الصورة.
بعد القراءة المتأنية لهذه القصص استنتجت أن التي تنوء بالحلم هي نفوس وأجساد ومدن وقرى و(أمهات).. الشخصيات الملتقطة من صلب الواقع المغربي، وهي على نطاق أوسع قصص المبدع حميد الراتي التي استطاعت أن تحتوي أحلام أناس بسطاء تسلطت عليهم أورام الواقع وتعفناته.
لكن رغم قسوة "السقوط"، وخدعة "السراب"، و"احتراق" الذات "خلف العتمة"، فإن شمس الأمل والانتصار "سوف تشرق من جديد" متأرجحة بين "غضب ويقين" ك"طيف ملائكي" لتطهر الواقع من أرجاسه وأدناسه.
إن الأحلام عندما لا تتحقق تتحوّل إلى نيران تحرق أصحابها، لكنهم إذا كانوا من الذين يتمتعون بمناعة قوية فإنهم يتعافون من ضررها، وينهضون من ركام رمادهم، ليكرّروا المحاولات من جديد بفينيقية مخلّدة، سلاحهم الصبر، وزادهم الأمل، فيخرجون الانتصار من رحم الهزيمة.
1ـ أحداث المجموعة القصصية وتيمة الصراع بين الحياة والموت.
ركز المبدع حميد الراتي في قصصه المتميزة على قضايا ملتقطة من صلب الواقع المغربي وتناقضاته، وأخرى مستمدة من وحي الخيال، وبناها على أساس الصراع بين الحياة والموت. ففي قصته المعنونة ب: "السراب" جسّد العذاب النفسي والجسدي الذي يعانيه الشباب المهمش والمعطل عن العمل حينما يَرْكب قوارب الموت أملا في العثور على حياة أفضل في الضفة الأخرى.

لنتأمل هذا المقطع على سبيل المثال: "حين اندفعت اللانشة تمخر العباب بهدوء لم أشك لحظة في أحاسيسي التي تبدت بوضوح مقيت، وكأن قلبي يستل من صدري، أدرت بصري كي استطلع أحوال الراكبين معي، كانوا صامتين متكومين..
مضت الدقائق كمعاول تهوي على الروح، رتيبة وقاتلة، و"اللانشة" ريشة في مهب ريح السموم.. كل شيء يجعلك لا تزداد إلا سبحا في ملكوت الاكتئاب، قاومت كثيرا تلك الخيالات التي كانت ترميني بلا هوادة في الماضي الآسن، أو تطوّح بي في الآتي المجهول: أن أكون طعما سائغا لسمك القرش، وككل فكرة عنيدة لم يكن هذا الخيال ليزداد توهجا واشتعالا"
وفي قصة: " تيه آخر" يستمر السارد في هذا البوح المثخن بالألم والأمل حيث يقول: "على الزودياك أخذ كل واحد منا مكانه وعلامات التقزز تعصر أنفاسنا، شغَّل الرايس محرك الزودياك، سمَّى الله، ثم اقتحم بنا غمار الموج.
بعد منتصف الليل كان الزودياك يمخر عباب الموج، وفجأة تعكر صفاء البحر بهبوب ريح متقلبة غيّرت مجرى الرحلة، وزخات عابرة لأمطار صيفية، وازداد الضباب كثافة، مما جعل الرؤية متعذرة، أحسست أن نبض قلبي يوشك أن يتوقف، وأن الدماء تستعد للتجمد في العروق، جسدي يتحول إلى بضاعة منسية.
تعقبتني نوبات فزع مقيت، صرخت في دواخلي حيث لا أحد يسمعني غير الجحيم، ألمَّت بي حُمى المخاوف، تورمت خاصرتي، خارت قواي، أحسست بدوار فقئت، تجشأت معدتي عصارتها الملونة.. امتزجت ملوحة الماء برائحة القيء، واختلط صوت النحيب بهدير الموج وكأن طيف الموت يُحلّق فوق رؤوسنا".
ورغم هذه المحن والصراع بين الحياة والموت فلم يتمكن الشباب إلى الوصول إلى ضفة الخلاص فالصدمة ظهرت نهاية القصة: " لوَّحْت بيدي علّي ألمس نفحة هواء أخيرة، فكان الخواء وكان القمر يضيء متلكئا في رحيله والنجوم ترقبه في حياد، وانشطرت الذات فجأة حين أصخت السمع في ذهول لمكبر الصوت على مقربة منا:
الله أكبر
الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله.."
تلك هي بعض الصور من الصراع بين الحياة والموت ـ التي التقطها المبدع حميد الراتي ـ بالنسبة للإنسان المغربي. لكن المبدع لم يُرِد أن ينهي مجموعته القصصية دون الالتفات إلى معاناة الإنسان الفلسطيني الذي قاوم وما زال يقاوم من أجل استرجاع أرضه المغتصبة. ففي مشهده الخامس ضمن قصته: " مشاهد من وحي اللحاظ"، أوْرَدَ كلاما مؤثّرا على لسان سارده، يحتج فيه على انشغال الناس بقضاياهم التافهة عن آلام الفلسطينيين: ".. المقاومة الفلسطينية تضرب عمق تل أبيب، وتخلف أزيد من...
المساء لا ينجلي
والصبح عنيد
والرياح لا تكف عن الصفير
والقلب عطشان..
فلتسامحنا أيها المحترق دوما عند كل إصباح إن ملأنا بهرجة الشوارع وفناجين الجرائد والشرفات المشمسة كلاما عن اللغط الايروتيكي والعشق الممنوع والموضة الواردة.. والحلقة الضائعة من إحدى مسلسلات الدبلجة المكسيكية بعد انقطاع التيار الكهربائي.
فلتسامحنا إن اغترفنا الموائد والولائم، وأربكت جموحنا المرايا المغرورة، فاهتدينا إلى سيل من النسيان.. حتى أمسينا لا نميز بين القاتل والمقتول، بين السارق والشهيد..
تورّمت أخلاقيات التاريخ، وانخسف المعنى إلى درك موبوء، فلتسامحنا أيها الحامل في وجه الأوباش حجرا، فقد بعناك عن سبق وعي وإصرار، وتركناك مسربلا بوداعتك، نحن الذين استبحنا الخراب فيك، ومنحنى لجلادك تأشيرة الحياة بدل الموت" 9
2ـ شخصيات المجموعة بين الاستسلام لواقع الإقصاء ومحاولة الثورة عليه.
المتسول والمعطل عن العمل والمقاوم من أجل تحرير أرضه وبائع السجائر بالتقسيط والعاهرة والفقير والمسحوق والهارب وجحيم الإقصاء والتهميش.. شخصيات سلط المبدع حميد الراتي الضوء على تجاربها المريرة ومعاناتها التي لا تنتهي.
والملاحظ أن معظم شخصيات المبدع حميد الراتي مُكبلة بقلق السؤال والرفض، ثائرة على وضعياتها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.. الغارقة في أوحال الضياع والحرمان والقهر والاستغلال.. ومع ذلك فإنها لم تستسلم، ولم تغادر بعد ساحة المقاومة والنضال، وإنما مازالت تطمح إلى تغيير واقعها السيئ البئيس بشتى الطرق والوسائل لعلها تحقق ولو جزءا بسيطا من آمالها وأحلامها المشروعة.
3ـ مظاهر التهميش والإقصاء من خلال فضاءات المجموعة:
سبقت الإشارة إلى أن جلّ شخصيات المبدع حميد الراتي تعيش تحت عتبة الفقر، وتكافح من أجل تغيير أوضاعها البئيسة، وشخصيات كهذه لا يمكن أن تتجمع إلاّ في فضاءات بئيسة كئيبة، وفي هذا السياق أتذكر ما جاء في قصة: "أبهة": "مساكن مهمشة تتأرجح بين الغياب والحضور، سقوف قصديرية تتحول بفعل لهيب الشمس إلى سنادين ملتهبة، أزقة ضيقة ملتوية تستحم وسط برك آسنة تزكم الأنوف، قطيع من الغنم يشق طريقه إلى مرتعه البعيد.. معطلون يبحلقون في اكتئاب السماء ويحلمون بغد أفضل...
وفي قصة: "رائحة الوطن": "شمس صفراء تصب قيظها على نهر غزاه الخز والذباب، والعلب المرمية وقشور النفايات المتعفنة، نباتات تتسلق جسر العبور الشاهق جهة العاصمة، مبان صفيحية متراكمة قابعة تلتهب تحت سعير يوليوز، تنتظر من يقص خيط افتتاحها المترجرج.
هكذا كنت حينما ودعتك راحلا إلى امتداد آخر بحثا عن لقمة عيش، عن حلم وددت تحقيقه كي أنسى تسكعي بين زقاقاتك.."
وأيضا ما ورد في قصة: "شارع الملابس الأسبوعي": " كانت الشمس ترسل شواظا ملتهبا يذيب الإسفلت، وكان بمحاذاة الدروب المفضية للشارع الكئيب الذي يؤدي بدوره إلى (مارشي) المدينة زقاقا هو الذي أسلكه وقد خلا من المارة، فالحّر على أشده، إلا بعضا من بائعي النعناع والمتسولين الذين ينفثون بضجر ما تبقى في صدورهم من هواء ساخن، وبعضا من الدواب التي كانت تَعْبُر الطريق في تثاقل وعياء، فترخي أجسادها وهي تنوء بحمل ثقيل، وعلى قارعة الطريق في الضفة الأخرى، كان يصطف باعة الكتب القديمة والهواتف المستعملة والأحذية يفترشون أوراق (الكرطون) ولا يعبأون بطنين الذباب فوق رؤوسهم..."
إن هذه الفضاءات مهمّشة إلى أبعد الحدود، فهي فضاءات تؤثثها الأزبال والقاذورات وفضلات الدواب وجميع أنواع الحشرات الضارة، وتفوح منها الروائح التي تزكم الأنوف وتخنق الأنفاس، ومع ذلك فإنها مملوءة بالمشردين والمتسولين والحمَّالين وباعة الأشياء المستعملة.
إن هؤلاء رموز للطبقة المسحوقة، التي تُكَبَّلُ بالفقر والقهر والحرمان، ولكنها لا تستسلم، وإنما تستمد أملها من بؤسها لتواصل العيش، حتى وإن كان هذا العيش في خراب تغزوه الحشرات، وتؤثثه الأزبال والفضلات الآدمية والحيوانية.
ولا أريد أن أنهي هذه القراءة النقدية دون أن أشير إلى الغاية من فِعْلِ الكتابة لدى المبدع حميد الراتي، فعندما سألته لما تكتب؟ أجابني قائلا:
ـ "أكتب بشغف حُرْقة أيامي منذ سنوات كي أكفكف دموعا سائبة تندلق بلا تروّ كحبات رمل مفتت.
ـ أكتب كي أضمد نزف جراحي التي لم تندمل بعد.
ـ أكتب كي أعبر وببوح طفولي عمّا يختلج الذات/ذاتي الولهانة من تحديات كبيرة تنتظرني في كل مكان، فالفراغ القاتل يسفك جسدي بنصله الصدئ.
ـ أكتب لأنني أعشق الكتابة حتى النخاع.
ـ أكتب كي أفضح ثعالب المجتمع العجوزة..".
إن المبدع حميد الراتي لا يكتب فقط لأنه يعشق الكتابة حتى النخاع، وإنما يكتب ليخلق ذلك التوازن المفقود بين ذاته المحترقة وواقعه المثخن بالجراح، ويكتب لكي يفضح ما يمارس من إقصاء وتهميش واستغلال.. على أناس بسطاء لا ذنب لهم سوى أنهم الطبقة الفقيرة التي تصارع بكد يمينها وعرق جبينها من أجل كسب لقمة العيش.
ويكتب أيضا لعله يقلص تلك المسافة الفاصلة بين الواقع المنحط والمثال المنشود، بين ما يطمح إلى تحقيقة وبين ما يفاجئه به الواقع، وفي سعيه إلى بلوغ الهدف يحس بالاغتراب والضياع، قد يبكي سرا أو علنا، لكنه لا يستسلم أبدا.
خلاصة القول، إن التجربة القصصية للمبدع حميد الراتي تجربة إبداعية غنية على عدة مستويات، فقد استطاع من خلالها التقاط الاختلالات والتناقضات التي تملأ واقعنا المغربي والعربي، وصبّها في قالب قصصي حديث، موظِفا في ذلك تقنيات سردية جديدة، تتمرد على المعايير والمقاييس الكلاسيكية ـ التي تواضَع عليها شيوخ القصة ونقادها ـ وتستجيب لرصد التحولات التي طالت مجتمعنا.
إن المبدع حميد الراتي يتميز بتمكنه من أدوات اشتغاله، وانفتاحه على العوالم الاجتماعية والنفسية والثقافية للإنسان المعاصر، ذلك الإنسان المتشظي بين طموحاته وإخفاقاته، وآلامه وآماله، وأحلامه وانكساراته.. الداخل في دوامة من الصراع المرير بين ما يعيشه وما يسعى إلى تحقيقه. فالقصة عند المبدع حميد الراتي قصة جديدة، "والقصة الجديدة في سعيها التخيلي رَكِبَت موجة التجريب، فاتشحت بسمات أجناس تعبيرية مجاورة، وجعلت الومضة رسولها المضمر إلى القارئ، لالتقاط النواقص والحيرة والمرارة التي تسِمُ التردّد العارم لدى القوى الفاعلة أمام الزمن المترهل، والفضاء الثخين بألوان الخراب النفسي والحضاري، وهي صدى جمالي لذاك الضياع الذي يلف الفرد المتعب، القلق المهزوم، والمجهد من ركض طويل سرمدي في واقع لا تنتهي انكساراته، لتوفير حد أدنى من توازن قوى الذات المثابرة".
إن مجموعة المبدع حميد الراتي القصصية تزخر بإمكانات سردية وأسلوبية قيمة، أهّلتها للغوص في المهمش والمُغيَّب واللامفكر فيه، وساعدتها على مساءلة المكرّس والمألوف في مجتمعنا. إنها إضافة رصينة في الصرح الفنّي للكتابة القصصية المغربية والعربية.

بقلم القاص والناقد محمد العياطي

صورة محمد العياطي