Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

قراءة في ديوان الشاعر محمد ماني "صلوات للفضيلة وضوؤها دمي"

نقف اليوم عند باقة شعرية فواحة العطر احدى عشرة وردة، كل وردة في هذه الباقة مختلفة الشذى عن الأخرى، ولكن حين تمتزج هذه العطور المختلفة يتضوع عطرها في كوامن النفس والوجدان فانك تتنسم عطرا واحدا، عطر امرأة حاضرة حضورا قويا في ديوان شاعرنا محمد ماني وهي ترفل في أبهى حللها متيمة قلبه، مالكة وجدانه وأي امرأة هذه التي قدم لها صلواته قربانا بمحرابها، ولا سبيل للمتقرب إلا أن يقف خاشعا، راكعا ساجدا متأملا ذاته ثم معشوقته متربعة على ملكوت أحلامه وإلهامه، إنه يصلي للحب وأي فضيلة أأسمى من الحب والوفاء للمحبوب. ولكن هذه الصلوات التي يؤديها، وضوؤها دمه، والدم هنا يرمز إلى المعاناة و لتضحية والفداء، وقد مات شهيدا من مات فداءا للمحبوب على حد قول نزار، إنها صلوات أرسلها الشاعر محمد ماني عبر ديوانه "صلوات للفضيلة وضوؤها دمي "، زفرات يلتقي فيها مع احدى عشرة صلاة الحلاج الصوفي الحكيم تعبيرا عن عشقه الصوفي الفياض، وقد ثبت انه عندما قطع السياف يدي الحلاج وقدميه قام الحلاج بمسح وجهه بيديه المبثورتين دما حتى تلطخ وجهه وساعداه بالدم، قالوا له " لماذا فعلت ذلك؟ قال " لقد ذهب من جسمي دم كثير وأعلم أن وجهي قد اضفر وقد تضنون أن اصفراري نتيجة للخوف، فمسحت وجهي بالدم حتى يكون في نظركم حمرا، فحمرة الرجال لا تكون إلا بدمائهم فقالوا له " عندما حمرت وجهك بالدم، لم لطخت ساعديك أيضا؟ فأجاب " إني أتوضأ فقالوا " أي وضوء هذا أجاب "ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما الا بالدم " فالحب عند الشاعر محمد ماني عمل فني من أعمال النفس، ولكن الفضيلة هي النفس ذاتها، والحب أيام جميلة عابرة في زمن، أما الفضيلة فهي الزمن كله، وذلك الفضيلة جاذبية السماء في خلودها الأبدي، ولا منافرة بين العشق والفضيلة، فإن أقوى الحب وأملأه بالفرح والحزن والمعاناة لا يكون إلا في النفس الفاضلة المتورعة عن مفارقة الاثم والرذيلة، وها هنا يتحول الحب عند شاعرنا محمد ماني إلى ملكة سامية في إدراك معني الجمال فيكون الوجه الجميل المعشوق مصدرا للنفس العاشقة والحقيقة أن العشق والفضيلة ووجهات لعملة واحدة في أشعار محمد ماني، ولذلك في القصيدة الأولى صلوات للفضيلة يكرر6 مرات "أنا الفضيلة "، هذا العشق المتدثر برداء صوفي رقيق، يسري بين ضلوعه مسيطرا على كيانه ووجدانه، نابعا من قلب صادق ورع، اسمع معي حين يقول في قصيدته الجميلة " صلوات للفصيلة".
"ما كحبي حب لو تطاوعني... وأشهد الله أني صادق ورع"
وشاعرنا محمد ماني أيضا مجبر أن يختار هذا الحبيب الذي يحكمه في دولة المحبين،
"طوبا لمن أنت في الدنيا قرينته
وأنت أنت يقيني ليس ينصدع"
وذلك أن قد بعت روحك لمن تحب فلا أقل من أن تصلي ركعة أو سجدتين عشقا بين يديه قبل أن تموت دون الحبيب، يقول في قصيدته " رقصة في حضرة نون النسوة "
"تعالى . سرى الذبول بروض قلبي
دوائي ركعة أو سجدتان"
ثم إنه معترف بحبه ووفائه لمحبوبته
"أقر بحبه ما عشت حيا... وألزمه على مر الزمان."
وهذا يذكرني بالشعر العذري عند جميل بن معمر حين يقول:
"يهواك ما عشت الفؤاد فان أمت
يتبع صداي صداك بين الأقبر."
وبشكل جلي واضح تنكشف الأنثى في حقل الكتابة الشعرية المصطبغة بالصبغة الصوفية لدى محمد ماني كذلك حالمة، ذلك الحلم المشخص في وجدانه وأشواقه، نجد ذلك متجليا في قصيدته الجميلة " نور علا نور" يقول فيها.
" إذا هلت بلحظة حكمة... ثارت جداولها ...
وفاحت بالمدى عبقا جدائلها
غدا عمري ....
من الأحلام سرمده ."
ولعل شاعرنا محمد ماني يشده الى المرأة ذلك الشوق والحنين والافتتان والتعلق الى حد يشبه لذة الاعتراف الصوفي، وهو يرنوا الى الوصال، بالمرأة التي ترك غيابها عن ناظره مجالا للحلم و الخيال الخلاق، فبهاء الكلمات واشراق العبارات وتوهج العواطف وسخاؤها هي الخطوط الكبرى في ديوان الشاعر محمد ماني، ولكن للحب كبوات، فقد وقف الشاعر يلوم معشوقته التي لم تكن وفية معه، وطفقت براوغه كاذبة في حبها يقول في قصيدته الجميلة " لا شيء أخسره " ص 26.
"لا تقسمي ... حدث لعمرك رائع أن تكذبي
لا تظهري عذرا ... فمن قسم السموم حباك .
ضعف المطلب .. وضعي قناع السخط عن وجه الرضا..
وتجملي .. وتكحلي ... وتطيبي ..
وإذا تأملنا أشعار محمد ماني نجد أن شعره تميز بثنائيتين أساسيتين
أولهما – ثنائية الهجر والوصال
أتهجرني و تسلبني صفائي
ومافي الشرع هجري و امتهاني"
(قصيدة في حضرة نون النسوة )
وقد شدت الشاعر بأجوائها المفعمة بالظمأ والغلة والحرمان، والطافحة أيضا بالارتواء والامتلاء والتشرب يقول في قصيدته" ما أروعك " ص .40
"فأنت الذي بيد المشتهى ... رويت فؤادي شذا أرتعك
ثانيهما – ثنائية الإنساني و الروحي
فهو لا يصرف عينيه إلى غيرها من بنات حواء
أجل يدري الهوى أني وفي
وفي بعض الوفا سر الجبان
على ثغري ضياء الصدق باد
وفي أذني همس الشعر حان"
إن ديوان الشاعر ماني ينم عن تجربة روحية إنسانية ذوقية توهجت في ثناياها القصيدة وتأنقت في جوانبها جمالية الروح ولن يستأنس بنار الحبيبة المنادية إلا كل مقتحم لبحار الهلال ولن يقتبس من فضلها إلا سندباد الأهوال والمخاطر، فكل من تجرد من ثوب الإرادة بعد سلوك ومقامات الهوى فقد تمسك بكنه الارادة وجوهرها، يقول في قصيدته الجميلة "على مدارج الرؤيا".
"وأنت من يعشق ليلى عشق مجنون... وعنها لم يثنيه ثان"
غير أن شاعرنا محمد ماني رغم سكرة العشق الصوفية، تنتابه أحيانا صحوة الواقع المر الذي تعيشه الأمة العربية من هزائم تتوالى، ودماء تهدر وظلم يرين. نحن ذلك في قصيدته "مرثية الصهيل" ساجيا:
"يا سيدي ... بحارنا صارت دماء
وأأرضنا ضاقت بنا .. فظهرها و بطنها على سواء"
وخلاصة القول، أن ما يميز ديوان محمد ماني:
*صفاء اللغة ووضوح المعنى دون إغراق في الغموض.
*الجمع بين القصيدة العمودية وشعر التفعيلة.
*خبرة الشاعر بالأوزان والعروض وبحور الشعر.
*واهتمامه بالقافية وذلك ما يزيد القصائد جمالا.
*استعمل التضمين في قصيدته على مدارج الرؤيا، فقد ضمن قصيدته بمقطع جميل من أغنية " حبك أنت شكل ثاني".
* الاقتباس من القرآن الكريم من خلال القرآن الكريم سورة الرحمن.
*جمعه الرائع بين صورتين شعريتين رائعتين، إحداهما للشاعر قطري بن الفجاءة الذي يقول:
"فصبرا في مجال الموت صبرا.. فما نيل الخلود بمستطاع"
والثانية للشاعر أحمد شوقي:
"وما نيل المطالب بالتمني .. ولكن تؤخذ الدنيا علابا"
*استعمال الأسلوب السردي وخير دليل مع ذلك قصيدته على مدارج الرؤيا ومهما قلنا في ديوان "صلوات للفضيلة وضوؤها دمي" فإننا لم ولن نوفيه حقه وهو ديوان إن بدأته بالقراءة فإنك لا تستطيع مفارقته إلا إذا أنهيته، ديوان جدير بالدراسة، ينضاف إلى مكتبتنا الشرقية خاصة وإلى والعربية عامة..
عزيزي الشاعر محمد ماني،
اسلك دروب القوافي ... فلعمري إن صلواتك قد لمست شغاف قلوبنا
وفاضت فضائلها نورا وسلفا ... صل للفضيلة ... صلوات عشق
ودع القوافي ترقص في حضرة النونات ... حتى الفناء
فصهيل خيل الفتح لم يمت
بلغ صيداه عنان السماء
واسلك في مقامات هواك ما تشاء
واعرج في مدارج رؤياك
واقطف نجوم القصائد علا نورا يملأ الكون بهاء
فجمال الغواني .... نبيد مزاجك شهد
حتى الإرتواااااااااااااااااااااااااء

صورة عبد العزيز أبو شيار