وجدان غيمة

يأتيك مساؤك يلف سلسة من السحب المتناغمة تتوسطها الغيمة وهي تتثاءب لتفسح المجال لبعض النجوم المنفلتة من حافات الغيمة وكأنها ترغب في إفشاء حدودها الحقيقية..
وأنت الواقف المتأمل لعبة الانفلات تتعلم أبجديات الانفلات من قدرك الموسوم بنبض الحياة المؤقت وهو ما يؤرق أمسياتك، تكتوي بناره في قمة إحساسك بوجودك الخطأ، ويأتيك صوت عبد الوهاب من غرفة نومك إسنادا لظلمة جوانيتك كغيمة مكتنزة تنتظر لسعة برد لتذرف نزيفها دمعا كالمطر تنفرج له أسارير الفلاحين ببلادة مفرطة:
جيين الدنيا ما نعرف ليه..
ولا عايزين إيه...
الشرفة المطلة على السموات تحرضك على القيام بتجربة الموت بالارتماء في أحضان التراب وهو مرقدك الأخير بالإكراه..
تصمد أنت رغم إغراءات العدم المتعددة، أقلها الارتياح من قسوة الوجود وهموم البشر وضنك العيش..
لمعان قمر اصطناعي يظهر ويختفي كعين بوم يحاصرك مضيفا لآلامك حسرة على بؤس البشرية المتجهة نحو تدمير نفسها باعتزاز، مما يعزز نداء شرفتك..
سواد الغيمة ينكشف لك رغم ظلمة الليل يشي بتخومها لمعان البرق بين الحين والحين، فتتبدى لك كتلة الحزن المبطن داخلها وتتحقق بذلك نبوءات الحلول في ذروة التوحيد، تلتقط مناجاتها ويصلك هتافها الذي يشبه تأوه المحتضر وهو يضمر أقصى درجات الضياع في صراع غير متكافئ بين إرادة الحياة وحتمية القدر:
أيها المكتوي بلظى حزنك تقايض وطأة قدرك بشرارات عينيك المنغرزة في كوامني وما أنا سوى نظير يقتدى بعناده الخاسر بعد معركة قصيرة تتفصد لها مسامي وتتهاوى أطرافي..
أيها الواقف المتصلب في وضعك، كوضعك هذا كنت قبل أن تستبد بي صروف الرياح الطامعة في إرباك مسيرتي..
فتجيبها أنت وقد علقت غصة مريبة بصدرك المنقبض.. تنتفخ عضلات الصدر والرئتان، متوسلة بالقدر الكافي من الهواء حتى تتمكن حبالك الصوتية من إصدار حشرجتك:
يا أيها النفس المعلقة بين السماء والأرض تقاوم لجة الريح وقتامة المقصد، يأتيني حضورك كتجربة عالم فاشل أو لعبة شكلاطة في يد طفل مدلل يداعبها وهو يقضمها، نتقاسم وإياك شغب الزمن فينا وهوس السقوط، تتقلص مسافات التفرد بيننا وتتوحد المصائر، أنت صورتي في وجهها الايجابي.. يا غيمتي أنت نهايتي السعيدة. وأنت على مناجاتك تتحسس شعرك وقد لفحته قطرات المطر المتقطع سقوطه، تتأمل السقوط وتقلص الغيمة، ترافقه شرارات البرق ودوي الرعد بقوة لا يعادلها سوى صرخة مطعون غدرا.. تتزايد وطأة السقوط فيختلط الدمع بماء المطر المتدفق.. تتبلل ملابسك فتنزعها وترمي بها إلى السماء وتتلاشى الغيمة.. تتأمل جسدك فتكتشف انه عاري تماما إلا من غشاء مائي يتدفق من رأسك إلى قدميك، يذكرك غشاؤك هذا بأولى نبضات قلبك وأنت في الرحم تتعلم كيفية الغوص في الحياة، فيكتنفك الحنين إلى ما قبل الولادة وتلوم نفسك على غبائك وآنت تتعلق بحبلك السري في عناد عرفت الآن انك فيه أنت الخاسر..
تتسلق سور الشرفة وتفتح ذراعيك في محاولة معانقة الغيمة، فتفشل محاولتك لأن الغيمة انتهت قبل أن تقرر أنت نهايتك وينهار صمودك أمام إغراء النداء..
تعازينا..

صورة رشيد شباري