Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

دراسة مقاربة لواقع التربية في مجتمعاتنا " الجزء التاني"

دراسة مقاربة لواقع التربية في مجتمعنا..
2 / 3: الانفتاح على معطيات العصر وأثره على التربية..
دراسة مقاربة لواقع التربية في مجتمعنا.. 2 / 3: الانفتاح على معطيات العصر وأثره على التربية.. إلى أي حد تسهم التقنيات الحديثة في تربية أبنائنا؟..

عطفاً على الجزء الأول من الدراسة المقاربة لواقع التربية في مجتمعاتنا , والتي سبق وحصرنا أسبابها بثلاثة وهي :

1- كسوف دور الأسر
2- الانفتاح على معطيات العصر
3- تراجع دور المدرسة
سنتناول اليوم السبب الثاني وهو تقدم تقنيات العصر , وإلى أي حد تؤثر هذه التقنيات في تربية أبنائنا ؟
لقد ذكرت في الجزء الأول من هذه الدراسة أنّ تقدم التقنيات وانتشارها وسهولة تداولها , هو من أهم أسباب كسوف دور الأسرة
ولكن السؤال الآن: إلى أي حد تعتبر الأسرة نفسها مسؤولة عن حرمانها من دورها ؟

أثناء إعدادي لهذه المادة , وقعت في يدي دراسة بعنوان " الطفل والتلفزيون" "L'Enfant et La Télévision"لثلاثة من الباحثين الفرنسيين وهم ميريه شالفون , بيير كورسيه , و ميشيل سوشون .
تمثل هذه الدراسة خلاصة التجربة الفرنسية فيما يخص علاقة الأطفال بالتقنية الأحدث والأوحد في الثلث الأخير من القرن الماضي وهي التلفزيون .

حيث تبحث هذه الدراسة في طبيعة وحجم التأثير الذي يمارسه التلفزيون على الأطفال من وجهة نظر علم النفس والاجتماع والتربية .
و حتى لحظة قراءتي لهذه الدراسة كنت أظن أنً النظرة التي نوجهها اليوم - مربينَ وأهلاً - إلى وسائل الاتصال الحديثة , من تلفزيون , وإنترنت , و غير ذلك هي نظرة حديثة , حداثة تلك الوسائل , ولكن ..
وجدت بعد قراءتي للدراسة أن هذه النظرة هي نفسها التي كانت لدى المربين في عصر اختراع التلفاز .

حيث يشير الكتاب إلى حالة القلق التي انتشرث في أمريكا وفرنسا في ستينيات القرن الماضي إزاء نوع و حجم الأثر الذي يتركه التلفزيون في سلوكيات الأطفال والناشئة , و إزاء كيفية التحكم بهذه الأداة لتوجيه الأطفال والناشئة وفق ما تقتضيه المصلحة القومية لكل من البلدين .
لقد حمّل المربون في ذلك الوقت التلفاز مسؤولية عدد كبير من العيوب والأضرار التي يتعرض لها الأطفال , كالتأخر الدراسي , والتعب , والنعاس والبلاهة , والنزعة إلى العنف .
ورغم اعترافهم بأهمية دور التلفاز في العملية التربوية فيما لو وظفت هذه الأداة بطريقة سليمة , فهو مثلا قادر على تعليم الأطفال القراءة والكتابة , والرقص والغناء , وأداء التمرينات الرياضية .
ثم انصبت جهود الخبراء في البلدين على دراسة الطريقة المثلى التي تمكنهم من القبض على عقول الجيل والتحكم بسلوكياته عبر هذه الأداة الجذابة المسماة تلفاز .

تجربة شارع سيزام :
في عام 1969 أنتجت فرنسا برنامج الأطفال الأول جزيرة الأطفال , وترك هذا البرنامج أثرا جيدا لدى عرضه على القناة الأولى للتلفزيون الفرنسي .
ولكن العلامة الفارقة في هذا المجال كانت لمسلسل الأطفال الأمريكي الأشهر عالمياً " Sesame street " شارع سيزام وهو موجه إلى الأطفال ما دون السابعة .
لقد قام المكتب الأمريكي للتربية والهيئة العامة للإذاعة الأمريكية وبدعم من بعض المؤسسات الخاصة الكبيرة مثل مؤسسة Ford بتمويل هذا المشروع التربوي الضخم لإرضاء الرأي العام الأمريكي , الذي كان غاضباً من كمية البرامج الرخيصة التي تبثها القنوات الأمريكية , غير آبهة بمدى تأثير هذه البرامج على الأطفال , هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد أدركت الإدارة الأمريكية ومنذ ذلك الوقت أهمية استغلال هذه الوسائط في خدمة المجتمع والعملية التربوية , بحيث يتم إعداد تجربة تربوية خاصة مطبوعة بأيديولوجية أمريكية خالصة .

لقد وضعت الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت نصب عينيها , أثناء الإعداد للبرنامج الاحتياجات الاجتماعية والتربوية للأطفال الفقراء والمهمشين وأطفال الأقليات , الذين لا يحظون بفرصة امتلاك أرضية تربوية مناسبة قبل الدخول إلى المدرسة .
وقد تعمد معدو البرنامج أن يكون شارع سيزام صورة طبق الأصل عن شارع يعرفه السود والأقليات جيداً , واستخدمت لغتهم و مفرد اتهم إلى حد كبير , في محاولة لجذبهم , وتمرير المعلومة إليهم .
لم يكن تأثير هذا البرنامج على الداخل بأكثر من تأثيره على الخارج , أي على البلدان التي عرض فيها و لعب دورا في نقل الأيديولوجية الأمريكية إليها .

طبعا أنا لست بصدد رصد تطور التقنيات عبر العقود الماضية , ولكني أوردت هذا المثال في محاولة مني لإجراء مقارنة بين معطيات الأمس واحتياجاته , وبين معطيات واحتياجات اليوم .
وبالتأكيد فإن إنتاج برنامج كشارع سيزام لا يمكن أن يجدي نفعاً , في مواجهة احتياجات اليوم , ولكن من المفيد أن نستخلص من هذا المثال أننا بحاجة إلى تجربة تكون بالنسبة لاحتياجات اليوم بحجم شارع سيزام بالنسبة لمعطيات عصره .

نحن اليوم ما زلنا رغم اختلاف العصر والظروف , لا نفعل شيئا سوى أننا نصب بجام غضبنا على أولئك المنتجين الذين لا يوظفون هذه الأداة الثمينة في أغراض تربوية خلاقة .
يفصلنا عن شارع سيزام والعصر الذي عرض فيه مايزيد عن ربع قرن , تطورت فيها برامج الأطفال تطوراً كبيراً , وأصبحت لها قنوات مختصة تبث على مدار الساعة , كما ظهرت إلى جانب التلفاز وسائل أخرى للمعرفة والتواصل , وهذا ما زاد طبعا من حالة الاستلاب لعقول الأطفال و قلوبهم , وعلى الرغم من أنها مصممة خصيصا لهم ولكننا ما زلنا نرى آثارا سلبية تزداد يوما بعد يوم

لقد تبين لي بعد ملاحظة مجموعة من الأسر التي أنا على تماس مباشر معها ما يلي:

- إن مايزيد عن ثمانين بالمائة من الأطفال يحضرون برامج ليست مخصصة لهم وإنما هم يتابعونها مع ذويهم راغبين أو مرغمين , ويصمت الأب أو الأم إما متواطئين مع أنفسهم أو غير واعين لأثر هذا الموضوع على أبنائهم .
وتتدرج هذه البرامج على الشكل التالي :

· تأتي المسلسلات بالدرجة الأولى
· ثم تليها نشرات الأخبار
· ثم بعد ذلك قنوات الأغاني على اختلاف مستوياتها .
هذا بخصوص التلفاز أما بخصوص الكومبيوتر وطريقة توظيفه من قبل الأهل والأطفال فقد تبين لي أن أغلب الأطفال الذين يمتلكون أجهزة كومبيوتر في منازلهم , يستخدمون هذه الكومبيوترات كوسائل تسلية وترفيه , من خلال أقراص يشترونها من السوق , وهي بالرغم من كونها في معظمها خاضعة لرقابة أخلاقية , ولكني أكاد أجزم أنها لم تخضع أبداً لأي نوع من الدراسة أو الرقابة التربوية , لمعرفة تأثيرها على الأطفال , و اكتشاف ما تحمله بداخلها من توجهات , وما تكرسه داخل الطفل من خلال اللعب من أفكار وسلوكيات .

فعلى سبيل المثال :
نجد أن أكثر أن الألعاب الالكترونية الموجودة على أقراص الـ CD في الأسواق تقسم إلى فئتين أساسيتين :
1- ألعاب القتال والعنف للذكور
2- ألعاب الدمية باربي أو نسختها العربية فلة للإناث
ويشتري جميعنا هذه الألعاب لأبنائنا لمجرد رغبتنا في إسعادهم دون أن نفكر ولو للحظة في مقدار ما تكرسه هذه الألعاب من سلوكيات العنف لدى الذكور من جهة , وما تكرسه لدى الإناث من نظرة نمطية إلى أنفسهن وإلى الغاية من حياتهن , التي تختصرها مظاهر الزينة من أثواب ومكياج من جهة أخرى و هذا على سبيل المثال لا الحصر.

إن الخطر اليوم لا يكمن في محطات التلفزة , ومواقع الإنترنت الرخيصة والمشبوهة التي بات الجميع يعرف هويتها ومن السهل إبعاد الأطفال عنها .
الخطر الحقيقي هو في ذلك السّم المدسوس في الدسم , والذي تمثله ألعاب وبرامج تبدو في ظاهرها مناسبة , ولكن خطورتها تكمن في توجهاتها غير المعلنة نحو قولبة الجيل بقالب معين أو صبغه بصبغة محددة يصبح من السهل معها التنبؤ بالمستقبل والتحكم به أو ربما تدميره .

هنا نقف لنسأل أنفسنا علّنا نجيب بصدق :
هل تعد التقنيات الحديثة فعلاً مسؤولة وحدها عن تدهور العملية التربوية في مجتمعنا ؟
و إلى أي حد تعتبر هذه الوسائل شمًاعة , نعلق عليها مسؤولية تقصيرنا في تربية أبنائنا ومتابعة نموهم النفسي ؟
في وقفة صدق مع الذات سنجد أننا كثيراً ما نشعر بالسعادة عندما نتواطأ مع أنفسنا , فنمنح أنفسنا فسحة راحة من طلبات أطفالنا و أسئلتهم , ومشاغباتهم , وذلك حين نحبسهم وراء تلك الشاشة الصغيرة , سواء شاشة الكومبيوتر أو شاشة التلفاز , وننساهم مسمرين أمامها لساعات , ثم نأتي بعد ذلك وفي محاولة منا للتخلص من عقدة الذنب فنبدأ بتأنيبهم على هدر الوقت أمام الكومبيوتر أو التلفاز .
بالطبع تلعب التقنيات الحديثة دورا كبيرا في التأثير بتربية الأطفال وتوجهاتهم وسلوكياتهم , ولكننا وبوصفنا أهلاً ومربين نقبض بعلم منا أو بغير علم على مقبض هذا الباب . ونحن من نقرر إن كان مدى التأثير كبيرا أم لا .

أذكر أنني طرحت هذه الفكرة في أحد النقاشات مع الأصدقاء , فتساءلت إحدى صديقاتي :
كم من الأسر في مجتمعنا اليوم تملك ذلك الوعي الذي يخولها التعامل مع هذا الموضوع بحذر وبطريقة مدروسة ؟
فتح هذا السؤال الباب تساؤلات كبيرة في ذهني ..
فعلا كم من الأسر تمتلك هذا الوعي ؟
وكم هو مقدار الوعي الذي تحتاجه الأسرة للتعامل مع هذا الموضوع ؟
وما هي الطريقة الأجدى لنشر هذا الوعي ؟
وكيف نميز - أهلاً ومربين وخبراء - ما هو الأفضل للطفل اليوم .وللمجتمع غدا
وهل يجب أن يكون للطفل برامجه الخاصة التي لا يجوز أن يحضر سواها ؟
وإلى أي حد تكون هذه البرامج موجهة , وبالتالي إلى أي حد ستصبح خيارات الأطفال معروفة ومحددة فيما بعد ؟
وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات المجتمع حكومية كانت أم غير حكومية في نشر هذا الوعي ؟
مجموعة من الأسئلة شكلت لي عناوين سأعمل على دراستها في الفترة القادمة . واضعة نصب عيني أسباب غياب دور الأهل , وأسباب غياب دور المجتمع بكل مؤسساته , وطريقة استعادة هذا الدور .

ثم يأتي السؤال التالي :
إلى أي حد فعلا يعنينا أفراداً ومؤسسات إن كان أطفال الفقراء أو الأقليات في مجتمعنا يحظون بأساس تربوي متين؟
وإلى أي حد يهمّنا أن نستثمر الطاقات الكامنة لهؤلاء الأطفال بوصفهم كوادر بشرية مهمة لبناء المستقبل
أعود لأؤكد أنه وبلا شك في هذه الدراسة وفي كل دراسة تربوية تلعب الأسرة الدور المحوري في عملية البناء , ولكن دور هذه الأسر نفسه متأثر بمدى جدية الدولة في تقديم مساعدة ودعم لهذه الأسر لتمكينها من الحصول على الوعي المطلوب .
إذا فهو عمل تصاعدي لا تصح معه القفزات , ولا تجاوز المراحل أو التغاضي عنها وإهمالها , فكل مرحلة منه منبثقة من سابقتها وناتجة عنها , إنها تشكل الأساس لما يليها , وتعطينا تصوراً عنه .

المجتمع اليوم بحاجة إلى العمل على الأسرة , قبل العمل على الطفل , كي تستعيد هذه الأسرة دورها في حياة أبنائها , وبالتالي دورها كخليةٍ أساسية للمجتمع.
وبالطبع لا ينبغي النظر إلى الوراء لمحاولة استرجاع دور الأسرة السابق , فدور الأسرة الذي نبحث عنه اليوم , هو دور منبثق من معطيات اليوم , دور يحتاج إلى الكثير من الوعي والمسؤولية والحكمة .
ليست التقنيات الحديثة بمجملها إلا وسائل نحن اخترعناها لتلبي حاجاتنا , وليس من المنطقي بل هو استسلام أن نتمسك بفكرة أنها أصبحت غولا يتحكم بنا وبعقول أبنائنا .

يجدر بنا أخيرا أن نقف لنتساءل:
v هل نملك نحن اليوم في عام 2011 تجربة تربوية خاصة بنا ؟ تجربة منبثقة من احتياجات مجتمعنا بمختلف شرائحه وخاصة المغمورة منها , تجربة متكاملة موجهة إلى أطفالنا تحديداً , تجربة تساهم في سد النقص وترميم الكسور , و إلغاء الفروق ؟
هل حقا نحن قادرون اليوم على توظيف معطيات العصر وتقنياته في خدمة احتياجات التربية , سعيا لبناء الغد الأفضل ؟

صورة نسرين حسن