3×1=1 (مسرحية )




3×1=1
مسرحية
سالم شاهين



شخوص المسرحية

الأول، الثاني، الجسد، الرأس
المكان غرفة فيها شباك يطل على الخارج (اعلى وسط المسرح) الزجاج مهشم، والريح تلعب به بين آونة وأخرى.
في اعلى يمين المسرح صفيحة معدنية صدئة، تستعمل للتبول.
الأول : رجل كهل، شعره ابيض كالقطن، اشعث، ذو لحية كثة تصل الى صدره، وشارب طويل يكاد يغطي فمه، وهو مقيد بالأصفاد الثقيلة (القدمين واليدين والعنق)، كما انه يرتدي اطماراً ممزقة يتململ في مكانه ويسحب الأصفاد عندما يستقيم في جلسته.
الأول :يا لي من مقبرة للأحداث. الى متى وأنا انوء بحملها؟ بالرغم من اني احفظ لهم ما ينكرونه على بعضهم من ملاحم وفتن وتاريخ يعجز عن حفضه كلهم الا أنهم خطأوني، وقرأوني بالمقلوب. كنت اجادلهم، ارفض، احتج، رجموني، فتقيأت الأشكال المقلوبة وعصرت اناملهم فتقاطر منها الزيف بأشكاله. لكن الكثرة منهم نبذوني، فعشت وحيداً مركونا ً، الا من هذا القيد الرابض في ّ، ارادوني ان اقلب كل موازين الخير، ابيت عليهم ذلك. نزعوا جلدي مرات، لكن الله يمن علي بجلد كلما سلخوا جلدي. وأنا و الدرب رفيقان، ولا استوحش منه، بالرغم من القلة وألأخطار. وما زال الدرب طويلاً، كالموت النافذ في الأجساد. (نسمع صوت الريح، واصطفاق ظلفتي الشباك. بعد صمت قصير. نسمع صرير باب ثقيل. ينتبه الى صوت الباب، فيظلل عينيه بيده، ويمد بصره الى القادم الجديد).
الثاني : (يدخل وهو يجر اصفاده التي تشبه اصفاد الأول، ولها قرقعة توحي بثقلها. يتقدم نحو الأول، فيقف مبهوراً، ويتطلع اليه بعينين نهمتين.)
الأول : (يتوجه الى الصفيحة ويتبول فيها واقفاً، وهو يجر خلفه الأصفاد).
الثاني : (يهز يده في الهواء دلالة الأستياء). ماذا تفعل يا هذا؟
الأول : (بلا مبالاة) كي اثبت للضيف المقهور ؛ باني ما زلت اعيش، وامارس طقساً يومياً كالباقين.
الثاني : (يسد أنفه بيده) ألا تزكم انفك هذي الرائحة؟
الأول : لكل منّا رائحة ٌ؛ الباشة والصعلوك. وان حق لك الرفض، فاخرج من هذا للأوسع منه، ولكن قل لي ؛ من القاك بهذا الجب؟
الثاني : (وهو ما يزال يضع يده على انفه) القاني من القاك بهذا الجب.
الأول : يمتد على ألأرض مسنداً رأسه على يده). ولماذا القوك؟
الثاني : سلهم ان شئت.
الأول : انا لا أسأل احداً، لكني اعرف امراً من أمرين. هل انت مشاكس أم متثور؟ ام ماذ..ا.. ها؟
الثاني : (وكأن الكلام لم يرق له) لا أدري.
الأول : (ينهض وينظر من الشباك، ثم يلتفت الى الثاني) لايوجد احد في هذي ألانحاء. قل لاتخف، هيا تكلم، ولتعلم ليس لهذي الحيطان آذان، (يلح عليه وكأنه يمازحه) هيا قل، وكذلك اعلم ان الموجودين هنا صبوا من معدن لايأخذ او يعطي، اتدري لماذا؟
الثاني : (يهز كتفيه) لا أدري.
الأول : لكني ادري، وألواحي المكتوبة بالحبر وبالتبر ودماء تنبؤني عن كل ذليل او جبار، سأخبرك لماذا.
الثاني : لماذا.
الأول : لأنهم لايخشونك في شئ.
الثاني : (مستاء) يالك من ثرثار.
الأول : انك تصدق فيما قلت، ولكن هل تدري لماذا؟
الثاني : (يصمت وعيناه تستفسران).
الأول : لأني احمل في هذا (يشير الى رأسه) اثقالاً لايحملها غيري، دول ومجاعات، افراداً وجماعات، بل قل اكثر من ذلك. فأنا احمل اخبار المهزومين والمنتصرين سواء، وأحمل ما تعجز عنه جبال الأرض، واعلم اني احمل رأسي ، لكني انوء بحمله. (يصمت وبعد برهة) واعلم ان برأسي هذا درب مروا منه كثيرون، وآخرهم انت، وستفنى وأظل انا احمل اثقالك.
الثاني : لا تتبجح، فليس هناك احد لايفنى.
الأول : الا أنا.
الثاني : ومن تكون أنت؟
الأول : حافظة للأحداث، وسجل للأجداث المنقوعة بالرفض اوالذلة.
الثاني: انك واهم.
الأول : انا لا اخطأ ابدا. وانا الواقع لكل وقائع هذا الكون اللامتناهي. وفي جعبة رأسي اشياء لايعلم غيري ما تعني، تعال، تقدم، اطلعني على يدك اليمنى (يقلبها ويتركها، ثم يقلب الكف اليسرى) وهات اليسرى، كي اعرف ما لايعرفه الآ انا وأنت. انت متياسر والحمد لرب العزة، ما زال العالم في خير.
الثاني : لايمكنك اغرائي للبوح بما عندي.
الأول : ستضطر لذلك، وليس هناك الآن من يحمل اعبأءك غيري، فقل ماعندك.
الثاني : من يضطرني للبوح؟
الأول : انت ستعجز عن حمل همومك، ستلقيها في رأسي، لأنشرها بأمان، او انقلها الى من يحتاج اليها، لأنك فانِ ٍ وانا ازاول حمل الأخبار لمن يأتي.
الثاني : ومن يحتاجها غيري؟
الأول : ليس لوحدك تسلك هذا الدرب.
الثاني : اسلك هذا الدرب؟! ماذا تعني؟
الأول : سأوضح لك ما تنوي اخباري به. انت تصارع حقد المأخوذين بانفسهم وكراسيهم. تصارع من اجل بناء الأنسان الأنسان، غامرت بأعز ما تملك، فألقوك بهذا الجب، عقاباً عن فعلك فيهم،
الثاني : هل تقرأ افكاري؟
الأول : بل اقرأ كفك واعدُ خطوط الطول وخطوط العرض، اعرف كيف يموت الأنسان حين ينوء بحمل هموم الأنسان.
الثاني : رأسي تؤلمني.
الأول : ماحان الوقت لقطف الرأس، المتعة في هذا الجب اكبر مما تتصور.
الثاني : وضح لي اكثر.
الأول : حين يحين قطاف الرأس الناضج يقطع في يسر. ولكن للعبة شروط.
الثاني : شروط لقطع الرأس؟
ألأول : اجل، لاتعجب.
الثاني : ماهي ياهذا المدفون بقيدك ؟
الأول : عند خروج الأفكار من قحفتها، وحين دخول الأفكار الى رأس آخر، تنتشر الشرطة في كل الأنحاء، يصلون المصدر في وقت اقصر مما تتصور، والذي هو رأسك، يقطع وثم يلقى، وهناك رؤوس اكثر غلظة ؛ تتمسك بألأفكار، تطبع نسخاً منها تنشرها بين الناس، فتظل مطاردة حتى يلقون القبض عليها، او تتبوء دفة توجيه الأنسان الى ماهو اصلح.
الثاني : (يمسك رأسه ويدور حول نفسه متألماً من الصداع الذي اصابه. يعصر رأسه بكلتا يديه.) آه، ما اقسى هذا الألم الدائر في رأسي، ارجوك خلصني منه.
الأول : (يضحك) ها.. الم أقل لك، ستظطرالى البوح بما في رأسك؟
الثاني : الجدل في هذي اللحظة جدُ عقيم، خلصني مما في رأسي، إن كنت صدوقا فيما قلت.
الأول : تعال، اقترب الآن.
الثاني : (يقترب منه).
الأول : ماذا تخشى الآن، اقترب، ادنُ مني اكثر، ضع فمك على اذني، لأسمع بوضوح، ولكن دون زيادة أو نقصان، ولكن مهلاً. (يشغل جهاز كشف الكذب بعد ان يديره ناحية الجمهور، نعرفه من اللآفتة المكتوبة عليه) الآن، قل ما في جعبتك، واياك وان تكذب، سيكشفك هذا الملعون (يشير الى جهاز كشف الكذب).
الثاني : ما هذا؟
الأول : جهاز يكشف ما ليس حقيقة.
الثاني : (يسره في اذنه، وبعد حديث قصير تنطلق صافرة الجهاز، وتنبعث منه اصوات ضحك عالية) ماذا، هل يسخر مني؟
الأول : ولماذا لا يسخر منك وانت تحاول ان تعطي لنفسك صفة تتوهمها ، وحري بك ان لاتكذب، حقاً انك اعطيت الناس كثيراً، وضحيت بنفسك، لكنك، كنت تحارب في السر، ومتى ما اعلنت جهادك، ستفوز بحب الناس. والصالح من لا يكذب.
الثاني : ولماذا اكذب؟ انا حاولت كثيراً، لأكون مجيداً، وأكون الحربة والرأس والحامل نصلي والطاعن وكر الظلم المستشري بين القادة والناس، وذيول الساسة والمنتفعين المأجورين.
الأول : حقاً هذا قول صادق، لكن الأمر يقاس على ما في النية. اجل قاتلت كثيراً، لكن الشيطان لم يبرح ما ناظلت لأجله، فأنت تحب المنصب والكرسي الطاعن في السن. اليس كذلك؟
الثاني : ولكن الحب. كل الحب لما في رأسي من افكار تخص الجمع الأسمى.
الأول : الأفكار لصاحبها، والعمل الأسمى للموجودين جميعاً.
والنية ان تخلص لله وللمنكوبين، ولكل الشهداء الأبرار.
الثاني : كل منا يبحث عن نفسه.
الأول : كل الثوار الثوار؛ تناضل من اجل المظلومين.
الثاني : السعي وراء الثورة للكل.
الأول : هذا ما صرحت به، الثورة ليست للكرسي الناشر ظله في بعض عقول الثوار.
الثاني : انك والحق يقال، تفهم عمق الثوار وما ينوون لفعله.
الأول : بل ادرك معنى الثورة، والفكرة تكمن في رأس الثوار الأحرار ناصعة كالفجر الطاع بالنور.
الثاني : لكني ضحيت بأسمى ما املك من اجل الفكرة.
الأول : الفكرة في الرأس، والرأس يمشي خلفك كا لظل، وهناك كثير مثلك، لكن الفكرة تمحى لو قطع الرأس، الا في حالة.
الثاني : ماهي تلك الحالة؟
الأول : لو ينسخ هذا الرأس، عندها كلما يقطع واحد يحمل فكرته الأولى جندي آخر.
الرأس : (يتدحرج من خلف الكواليس الى منتصف المسرح)
الثاني: عجبا ً عجبا، رأس مقطوع من غير قناع. هذا جد محال،وهناك وجوه تلبس قبل القطع مئات الأقنعة.
الأول : (يحمله ويقبله، ثم يضعه على الطاولة الموضوعة في وسط المسرح)
الأول : (الى الرأس) ها..؟ كيف تركت الدنيا خلفك؟
الرأس : (وكأن الصوت يخرج من بئر سحيق) كما عهدناها من قبل، والدرب طويل، واوكلنا للرأس الآخر ما بالعهدة يا سيد قول الحق.
الثاني : (الى الرأس) لقد تقابلنا من قبل، اليس كذلك.
الرأس : هناك كثير مثلي او يشبهني. كل منا يتكرر، لكن الواحد مثلي يأتي مختلف، اما امثالك فهم كثر.
الأول : (الى الثاني) تعال ؛ لتنظر من هذي النافذة لأمثالك.
الثاني : (يتوجه الى النافذة) هذا حال الدنيا. (يلتفت الى الأثنين) لكن ماهذا؟
الأول : ماذا؟
ألثاني : ارى جسداً يمشي، يتخبط في الطرقات.
الرأس : هذا جسدي، حين خلعوني منه، ظل يتخبط على هذا النحو، ولكن سيلبسه رأس آخر، اذا لم يحشر معنا في هذا الحيز .
الأول : الجسد المخلوع الرأس فزاعة زرع، لاتملك غير تواجدها. اما الرأس المخلوع يمكنه ان يزرع في ارض يباب، فيحيها. بشرط واحد، ان يلبس جسداً يمكنه الحركة والتجوال، وله اطراف يستعملها في الرد على ألأفعال. اما انت (يشير الى الثاني) اما انت فلا تملك في هذي اللحظة غيرك. جسد يعتمر راساً، لايمكنه ان يخرج من هذا الباب.
الثاني : بل اني اقدر ان اخرج.
الأول : حاول ان تخرج وسنرى ان كان بامكانك ذلك .
الثاني : ومن يمنعني من ذلك؟
الأول : القيد والأبواب الموصدة والقدمان المغلولان.
الثاني : سأحاول.
الثاني : هيا حاول، ولكن لا تطلب من هذا السجان الكلب ان يتعاطف معك، لأنه من كلاب الصيد السيد. اسمع (يصيخ السمع) اسمع، ألا تسمع انا اسمع هريره.
الأول : ياكلب حراسة سيدك المتخم بالسوء، هلا تفتح باب السجن،لأخرج؟ الا تسمع يا كلب الصيد. حاول ان تفهمني.
الأول : هل تنتظر الخير ممن القاك بهذا الجب. انظر لو نسأل هذا الرأس، هل بألأمكان خروج صاحبنا من هذا السجن، طبعاً لا ، ولو تسأله كيف...
ألرأس : (يقاطعه (وانت من اعطاك الأذن لتسأل وتجيب، وكأنك أنا) سيد موقفنا؟.
الأول : انا اعرف ما فيك، وأعرف كيف خروجك من هذا الجب.
الرأس : انا اعرف انك تعرف، ولكن...
الأول : ولكنك لاتقدر ان توهمني، بان عليك العودة للجسد المتمايل في الخارج.
الرأس : القوة في التفكير والحكمة بالتدبير، وردة فعل الجسد المخلوع .
الثاني : هل يمكن ان تلبس جسدي؟
الرأس : لا، هذا اخر ما افكر فيه.
الثاني : لماذا؟
الرأس: لأن ما في راسي لا يشبه ما في رأسك ّ.
الثاني : جلبوني لهذا الجب، لأني...
الرأس : لأنك حاولت قراءة افكاري اوتجسيد ما اؤمن به؟
الثاني : وبأسم كل الرؤوس المقطوعة.
الرأس : لم اسمع انك ناظلت لأجلي ، لآنك لاتملك ما املك
او لاتعرف كيف تدير الأفكار، خبأت طريق الثورة في رأسك واهملت وصايا الرب. قبعت بيأس، فالقوا القبض عليك.
الثاني : انا لم اخرج ضد الظلم وضد الأسياد.
الرأس : لهذا كانوا يخشون طلوعك او يخشون عليك،لأن السلطة ولية امرك.
الثاني : لكني واياها على طرفي نقيض.
الرأس : لذلك هم في خشية من امرك.
الأول : (يتوجه ليتبول).
الرأس : افتح قحفة هذا الرأس (يشير الى الأول) وسترى ما تعجز عن تفسيره، وستؤمن بان العاملين خير منكم انتم القاعدون خلف جدار الصمت. اتعلم ان البوح يعادل نصف الثورة، وان الجسد الفاني لا يأخذ من تفكير الثاني الا ما يجعله في حركة توصله الى مايبغي. اما انت فقد آمنت بان الحاكم في دولتكم فاسد، فرفضت الأيمان بما يفرضه او يؤمن به. لم تنحز، والأجدر ان تنحاز لما يخد م تغيير الحال.
الثاني : انا قاتلت، لذا جاءوا بي للجب.
الرأس : بمن قاتلت ولمن قاتلت وانت طموحك كان المنصب والجاه، واوهمت قليلا ً ممن كان يحاول ان يأخذ بالأنسان الى افضل حال. والأعمال كما تعرف بالنيات.
الأول : دعه فجهاز الكذب يحاول ان يعرف مادار بخلده لحظة القاء القبض عليه.
الرأس : بماذا كنت تفكر تلك اللحظة؟
الثاني : بالناس.
(تصدر عن جهاز كشف الكذب اصوات غريبة، تشبه الضراط)
الرأس : (يضحك بهدوء)
الأول : بل ماكنت تفكر الا في نفسك، حتى انك كنت تحاول مساومة الأشرار.
الثاني : كلا والف كلا، انا في نفسي كنت احاول ان ابطش بالجلادين.
الأول : ومن منعك من ذلك؟
الثاني : (يصمت ويتجه الى الشباك، ينظر يتفاجأ ويحاول ان يصمت، فيرى الأول علامات الدهشة ويقول له)
الأول : اراك تجادل نفسك، هل ترى ما يفعله الأوباش بالجسد المضمخ؟
الأول : ومن قال لك ذلك؟
الأول : انا ارى ما لاتراه.
الرأس : هل تقصد جسدي المسكين.
الأول : اجل اني اراه يقاوم، يطعن شرطيا ً. يقف لايدري من اين تجيئ الطعنات اليه. انظر انهم يحاصرونه، وكذلك يلقون القبض عليه.
الثاني : (يطل من الشباك، وينظر الى الأول باندهاش). انك حقا ً ترى ما لا يراه الآخرون.
الأول : انا لا اكذب، ولكنهم يحاولون تشويهي. وما اقوله الآن غير ما اقوله غدا ً للقادمين.
الأول : هل تخشاهم؟
الأول : اخشى من، اخشى الذين يحاولون قرآءتي بالمقلوب، انا لا اخشى الا الحق.
الجسد : (يدفعونه من خارج المسرح، فيدخل متعثرا ً).
يا ويلي قطعوا رأسي القوني في جب لا اعرف اين قراره.
الرأس : لا تخف يا جسدي الغالي، فانا منك قريب.
الجسد : اين انت؟
الرأس : انا هنا. تعال تقدم.
الجسد : هنا اين؟
الرأس : هنا.
الجسد : وهل تريد مني ان ارى وعيناي لديك.
الرأس : وهل تريد اشارة مني، وعندك يدي.
الأول + الثاني : (ينظرون اليهما بدهشة).
الرأس : اراك تتمايل كألمخمور.
الجسد : بل اشد وطأة من ذلك. لقد افرغوني.
الرأس : سبحان الذي خلقك للأكل والتزاوج. وانك حقا ً من اصحاب الرأي الصائب ؛ لا تعطي حتى تأخذ.
الجسد : عد الي، فأنا لا املك غيرك.
الرأس : وانا طلقتك ياجسدي البائد، فما عدت تفيد بشيء.
الجسد : ياسيدي لاتيأس مني، فانا ما زلت افيدك في الرقص، وامد اليك يدي لتأخذ من كل الأشياء.
الرأس : انت على شفى حفرة من هلاك، ستموت قريبا ً، وسنحتفل جميعا ً بموتك.
الجسد : لماذا؟
الرأس :........
الجسد انك لا ترد. هل معك احد مشغول بأمره.
الرأس : اجل معي ما يشغلني عنك.
الجسد : اين هم؟
الرأس على يمينك ويسارك ؛ ينتظرون موتك.
الأول : ياهذا الجسد لو تسمع او ترى ما يراه الآخرون لعشت مجيدا ً خالدا ً، ولكنك من طين، ما ان تفقد طراوتك حتى تجف، وتأخذ رائحتك بالأنوف فتزكمها. اما رأسك ما زال يمد الثورة بألأحسان،ويعانق من حق عليه وقوفا ً يتشرف فيه الأنسان.
الرأس : محدثك يملك ما لايملكه غيره، فيه عيون الفقراء، وشفاه المظلومين، واكباد صناديد الأرض، وفيه العلماء والساسة والحكام، وفيه نبوءات العرافين، والرسل المبعوثين، وشياطين الأرضين، وفيه الثورات جميعا ً والقادة النجباء وحتى المغلوبين على امرهم وكذلك الشرطة وكلاب الصيد.
الجسد : هذا ما كنت تملكه انت كذلك.
الرأس : انا اعرف لااملك الا بعضا ً مما يحمله في رأسه، وانا منه كسطر في ورقة. سيحفظ اسمي الى ما شاء الله.
الجسد : وهل معك آخر؟
الراس : اجل هذا رجل يحمل بعضا ً من ثورة، اقتادوه ليتعفن، وضعوه بهذا الجب،لحين التخلص من رأسه، او مما في رأسه. ما زال يقاوم، لم يتخذ قراراً، او يفصح عنه.
الثاني : يا ايها الجسد هؤلاء يحاولون تجريدي من نفسي ومما اؤمن به.يريدوني ان اجهر بالثورة، لكني لا املك انصاراً،ولكني اشهد ان الثورة تجري بدمائي جريان الماء بنسغ الورقة الخضراء.
الأول : ما نفع الخبز المدفون، وما نفع الثورة مخبوءة في سرداب الأفكار، وما نفع الماء اذا لم تحمله الأنهار لمن يحتاجه. هذا الرجل قال مع نفسه، علينا ان نتحرر من وهم السلطان ولأن السلطان يأخذ بالشك وبالشبهة ؛ اقتادوه دون مقاومة تذكر. ولكني لا انكر ؛ كان على ان احمله في رأسي ليتعلم منه، من يمشي في خط صاحبك الرأس. نحن الثلاثة واحد في واحد، هنا في رأسي.(فترة صمت) ما هذا اني اشم رائحة نتنة.
الرأس : ( يلتفت الى الجسد) اعتقد انها رائحة صاحبي.
الثاني : (يتقدم من الجسد ويشمه بتقزز) اجل انها رائحته.
الرأس : ها.. يا جسدي اراك تتعفن.
الجسد : (بوهن) لقد دب الخدر في قدمي.
الأول : انها رائحة الموت.
الثاني : انه القضاء الذي لامفر منه.
الجسد : بدأت لا اشعر بقدمي (يسقط الى الأرض متهالكا ً).
الأول : وقع الفأس المحذور في الجسد الطيني.
الرأس : انك في وضعك هذا، لست سوى فزاعة.
الجسد : لا تنكرني، فأنا من حملك على الأكتاف، وتلقى الطعنات عوضا ً عنك. وانا من سار بك الى هذا القبو، لتكون واحد من ثلاثة، يذكرون كلما ذكر الأحسان، بأطرافي جعلتك اشجع من كل ملوك الأرض. حملت لك السيف والمدفع، وجريت بك بعيدا ً عن وقع حوافر خيل الردة. طفوت بك فوق مياه الأنهار واوصلتك لبر امان تنشده ساعة شدتك.
الأول : يا سجان، ياسجان. تعال لتحمل هذي الجيفة. هذا
سيلوث جو الجب.
الجسد : (يتلوى) عاجلني الخدر، واشعر انه يأكل كفي ّ.
الثاني : انها النهاية اذن.
الرأس : لقد زادت رائحة العفن، هيا وليحمله السجان الى حيث يشاء.
الجسد : (يخرج اصوات شخير من موضع قطع الرأس).
الأول : انه يتفسخ، سيأكله الدود.
الثاني : كل منا يفنى.
الرأس : الا من صنع لنفسه او شعبه اوامته مجدا ً.
الأول : سانقل اخباركما الى الآتين، سنكون ثلاثتنا واحد.
الجسد : (ينتهي عن الحركة ويسكن).
الأول : لقد انتهى.
الرأس : حمدا ً لله على مجده.
الثاني : ما كنا نـُحمل هذا المحمل لو لم نعطي مما اعطانا الله لعباد الله.
الأول : أي العبدين قصدت بقولك. عبد الله ام عبد الشيطان وحبله.
الثاني : لا اقصد ذاك العبد المستعبد والخانع للظلم، ولكني اقصد عبد الحق، والشاهر سيفه في وجه الظلم، والمغضوب عليه من قبل الأسياد.
الأول : ليباركنا الله،لنكون المشكاة لدرب لا يسلكه الا الأحرار، لنموت تباعا ًً من اجل الأنسان، لأن الأنسان بناء الله على الأرض ملعون من هدمه وملعون من تستر على هادمه، وعلى الأحرار ان لايستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.

ستــــــــار النهاية


تأليف/ سالم شاهين
العراق : واسط
قضاء الحــي
11:6:2006

صورة سالم شاهين