Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

يحيى الطاهر عبد الله... شاعر القصة القصيرة



الآن تحمل صرة الموتي
وتذهب في هدوء*

في هدوء جم...يرحلون، من يأبه لرحيلهم، يحملون أثقالهم تحت أستار الظلام و بخطى واثقة نحو الشمس...يغيبون حد الحضور
هكذا يرحل العظماء
هكذا رحل يحيى الطاهر عبد الله
يحيى الذي لم أقابله أبدا، لكنه كان صعيديا يحفظ الود "لبلدياته" ويزورني كثيرا، حتى أصبح كالطوق في عنقي
فاغفرلي يحيى، و اغفر للصعيدي الذي غلفته المدينة بالأسمنت، وعوادم السيارات، وطعم البحر المالح...

لك و لمن نسوك هذا الملف...


سيرة ذاتية:

يحيى الطاهرعبدالله (1938_1981م)

وُلِدَ (يحيى الطاهر عبدالله) في قرية الكرنك التابعة لمدينة الأقصر أقصى جنوب مصر فى 30 أبريل 1938م.
ماتت أمه وهو صغير فربته خالته التى أصبحت استمراراً لأعراف مورثة زوجة لأبيه فيما بعد . وله من الإخوة والأخوات - الأشقاء وغير الأشقاء ثمانية هو الثانى فى الترتيب ..
ولقد كانَ والدهُ (الطاهر عبدالله) أزهريًا،فتأثّر بهِ في حب اللغة،وكان عمُّهُ (الحساني حسن عبدالله) من دراويش العقّاد..فكان (يحيى الطاهر) يحب العقاد جدًا ،ويتشدد لهُ..
وقرية الكرنك مسقطُ رأسهِ التي تلقى تعليمه بها حتى حصل على دبلوم الزراعة المتوسطة وعمل بوزارة الزراعة فترة قصيرة،وقد كانت قريتهُ دومًا منبعًا لإلهامه..لو تابعتَ مايكتب لوجدت أنه مايلبث إن غاب عنها أن بعودَ مرارًا وتكرارًا بالترميز والتصريح،والاستدعاء لكل عالمها ومفرداتها،لكأنه يصنع منها أسطورتها الخاصة.
وعام 1938م هو نفس العام الذي وُلِدَ فيه (عبدالرحمن الأبنودي) في قرية أبنود،وقبل عامين من مولد (أمل دنقل) عام 1940م ،ليُكتَب بعد ذلك أن التقائهم في مدينة قنا عام 1959م ستكون بداية لعلاقة صداقةٍ طويلة..
فى نهاية 1961 انتقل (الأبنودى) إلى القاهرة وانتقل (أمل دنقل) إلى الإسكندرية بينما ظل (يحيى الطاهر) مقيماً مع أسرة (الأبنودى) فى قنا لمدة عامين..
فى عام 1964 لحق يحيى (الطاهر) بـ(الأبنودى) فى القاهرة وأقام معه فى شقة بحى بولاق الدكرور حيث كتب بقية قصص مجموعته الأولى " ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً" .
كان يحيى الطاهر قد كتب أولى قصصه القصيرة "محبوب الشمس" وأعقبها بقصة "جبل الشاى الأخضر" في عام 1961..ولأنه كان يبحث بجد عن قاسم مشترك بينه وبين المجتمع،وعن أن يكون إبداعه قناة اتصال لا تختص بطبقة معينة ،فهو لا يكتب ليقرأه المثققين وكفى،فلقد بدا هذا واضحًا في قصصه التي كثيرًا ما تستلهم التراث الشعبي في الحكاية وطريقة القصّ والأسلوب أيضًا..
كان يتميز بأنه يدون ما يؤلفه من قصص في رأسه،ويقرأها بلا استناد لورقة ،بل إنه لا يكتبها إلا ليدفع بها للنشر،عدا ذلك فهو يكررها ويكررها كلما سنحت الفرصة أمام مستمعيه دون زيادة حرف جديد ..
كانت هذه موهبة خاصة لدى (يحيى الطاهر) ،الذي كان يرى أنه يتعمد عدم الكتابة لأن أمته لاتقرأ ولأنه "حين أقولُ يكثُر مستمعيّ،لأن الناسَ ليسوا صُمًّا."
هذه الموهبة،دفعته للتجريب من ناحية،ومن ناحيةٍ أخرى أكسبت قصصه أبعادًا عميقة،من حيث أنها جعلت الصور تبدو وكأنها أكثر تجسيدًا ،وعوالمه محسوسةً بكثافة..
ستجد لقصصه عوالمها،فقد تفاعل بالطبع مع معطيات عصره،حيث عاش النكسة مع جيله،وكان معاصرًا لسنوات الجمر ..لذلك ستجد أن جزءً كبيرًا بقصصه يحفل بمشاهد عنف ،أو حتى يناقش العنف..كماأنه متأثر بجانب التراث الشعبي وبقريته،بالكاتب الكبير (كافكا) بشكل خاص..
استمع إليه (يوسف إدريس) في الستينات على مقهى ريش،فقدمه لمجلة «الكاتب» كما قدمه (عبد الفتاح الجمل) فى الملحق الأدبى بجريدة المساء،وناقش (يوسف الشاروني) قصته في مجلة «المجلة» عام 1966، وسرعان ما احتل مكانته كواحد من أهم وأبرز كتاب القصة والروائيين المصريين الذين عرفوا بجيل أدباء الستينيات..
صدرت مجموعته الأولى "ثلاث شجيرات كبيرة تثمر برتقالاً" سنة 1970م،كما أنه نشر روايته الأولى "الدفّ والصندوق" عام 1974م عن طريق حزب البعث العراقي،الذي كان مهتمًا وقتها بنشر ودعم الكتب.
فى أكتوبر 1966 صدر أمر باعتقال (يحيى الطاهر) ضمن مجموعة من الكتاب والفنانين فهرب لفترة ثم قبض عليه وأطلق سراحه فى أبريل 1967 .
تزوج(يحيى الطاهر عبد الله) فى مارس 1975 وأنجب بنتين هما«أسماء » و«هالة » وابناً سماه «محمد» ،وقد توفى بعد ميلاده بفترة قصيرة .
ترجمت له أعمال كثيرة إلى الإنجليزية والإيطالية والألمانية والبولندية..
وكان قد كتبَ في بداية حياته بعض القصص والسيناريوهات لمجلة الأطفال المتخصصة «سمير» .
تعتبر قصة «الرسول» آخر ما كتبه يحيى الطاهر إذ كتبها فى الأيام الأولى من شهر أبريل 1981 ،لم ينشر له فى حياته سوى حوار صحفى وحيد أجراه معه سمير غريب ونشر فى العدد الثالث من مجلة (خطوة) فى 1982 ،كما أجرت معه إذاعة البرنامج الثاني (البرنامج الثقافي) لقاءً،لم تجد له نسخة .
صدر عن أعماله القصصية كتاب نقدى وحيد هو «شجو الطائر .. شدو السرب» لصديقه الدكتور (حسين حمودة) عام 1996 عن هيئة قصور الثقافة .
ونُشرت أعمالهُ الكاملة عن (دار المستقبل) بالقاهرة عام 1983م،ثم كانت الطبعة الثانية عام 1993م،ثم أصدرت (دار العين للنشر ) عام 2005 الطبعة الثالثة.
وكانت روايته (الطوق والأسورة) قد تحولت فيلمًا ومسرحية،وقدّم الدكتور/حسين حمودة عام 1990 عنه رسالة ماجستير بكلية الآداب جامعة القاهرة،كما قدّم عنه الدكتور/ سامي ستار الشيكلي (عراقي) رسالة دكتوراه لجامعة بيرن الألمانية عام 2000م.

توفى يحيى الطاهر عبد الله فى حادث سيارة على طريق القاهرة - الواحات ، يوم الخميس 9 أبريل 1981 ودفن فى قريته الكرنك .



أعماله الأدبية :

- ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً (مجموعة قصصية) - 1970 .
- الدف والصندوق (رواية)- بغداد1974 .
- أنا وهى وزهور العالم (مجموعة قصصية) - 1977 .
- حكايات للأمير حتى ينام (مجموعة قصصية) –بغداد1978 .
- الطوق والأسورة (رواية) – القاهرة 1975 .
- الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة (رواية) - 1977 .
- تصاوير من التراب والماء والشمس (رواية)- 1981 .
- الرقصة المباحة (مجموعة قصصية ، كان يحيى قد أعدها للنشر فى مجموعة قبل وفاته،ونُشرت بعد موته ضمن الأعمال الكاملة التي نشرتها دار المستقبل عام 1983م).
- حكاية على لسان كلب (قصة طويلة)_لم تُنشر في حياته_



كتبو عنه:

- النجم الذى هوى - يوسف إدريس

- عَــــدّودة (تحت نعش يحيى الطاهر عبد الله ..) - عبد الرحمن الأبنودى

يايحيى ياعجبان
يارقصة يازغروته
إتمكن الموت من الريح
وفرغت الحدوته
آخر حروف لابجدية
أول حروف إسم يحيى
للموت كمان عبقرية
تموت لو الإسم يحيى...........


- أغنية العاشق يحيي - شعبان يوسف

لم تكن ليحيى الطاهر حسابات خارج صندوق وجدانه المصطخب بشتى تناقضات الحياة. اقترب رحيله الآن من ربع القرن، وصورته الحية أبداً ما زالت شاخصة أمامي وهو يسير أو يجري، أو يهرول، منتصب القامة كسهم أو كصاروخ على وشك الإقلاع، هذا الاسترسال ليس استرسالاً لغوياً أو عاطفياً، فيكفي أن تراه مرة واحدة لكي لا تنساه إلى نهاية العمر.



- جربة يحيى الطاهر القصصية من الأسطورة إلى المفارقة الساخرة - د. رمضان بسطاويسى

- الإبداع وإعادة تشكيل الواقع في «تصاوير من الماء والتراب والشمس» - طلعت رضوان

- وردة كبيرة ..إلي يحيي الطاهر عبد الله - محمد كشيك


بتزقزق العصافير في أقفاصها
بتزقزق العصافير
علي الأغصان
ماشي هناك يا ابو القميص متكرِمِشْ
في مجّرة الأكوان
عمّال بتحضن سحابه
متلوِنة بألوان
ما زلت شايل مطره.. بتمطَّر
يا يحيي.. يا فنان
* * *
- كان يجلس هناك، علي المقهي العالي الكبير، بالسيدة عيشه، وكنت أذهب إليه، فأجده يراقب بإمعان، من فوق الربوة العالية، الصنّاع المهرة، وهم ينحنون، يقبضون بيد من حديد، علي «أزاميلهم» الخاصة، ينحتون في صمت، «الهاونات» الضخمة، وسط إيقاعات كونية، يرتلّون بصوت أجش - أغاني عن الموت والحياة والفراق..
** *
بتراقب الحكايات
من مكمنك يا أمير
سبع بنات تايهين
مع الطيور طايرين
طايرين مع العصافير
ماشيين يغنوا - وراك
غنيوّه لاجل الشتا
غنيوه لاجل الصيف
غنيوّه لاجل الخريف
- كامن هناك في مكمنك
يا نحيف ...
لابس قميص غلبان
ماسِك في إيدك زهره مستمِوتَهْ
عايز تزور
- خليك هناك في الصومعَهْ
إياك تقرّب - دي الزهور.. ميته
فيه فخ.. يا عصفور
- كل البنات ع الشط مستنيين.

- كنت أذهب إليه هناك ، بالقرب من شارع القرافة الكبيرة، يضربنا التسيم برقّه الموتي، تهبط النجوم من السماء. يأتي حسين حمودة، ينادي للقمر، نشمّ رائحة النباتات المسقية.. من أين كل هذا الماء؟!. يهبط القمر، يضيء وجه يحيي، يمسك بالنجوم، يمضي ناحية الشواهد - أقول له: ألم تتعب يا يحيي؟!.
لكنه لا يستمع لصوت أحد، ويمضي إلي الناحية الأخري، يحكي ونسمع صوته، عن «هالة»، وعن «أسماء»، وعن النسور المدربة، التي تملأ الطرقات:
بيجرجر الأغنيات
ويلحّن الأمنيه
ما تقرّبوا
يا بنات!!
وردّدوا الأغنيه
- دا - أبوكوا جاي يزور
من غير ما ياخُد إذن
ياللا افتحوا له الباب،
واستقبلوه بالحضن
- دا - أبوكوا، جاي بيحِّن
- جاي بيزور عدّي وحم الجن
عدّي السوّر / حاسب.. من الفخ
.. تحتك فخ يا عصفور.
* * *
- وكنت أذهب إلي شارع «عمرو» بمصر العتيقة، يجلس «يحيي» مقرفصاً بالحجرة الضيقة، مشفوعاً بالحكايات، وكانت اليد الصغيرة لأسماء تبرز في الظلام - والطاقة المدّوره بأعلي الحائط، تحدق دفقات صغيرة من النور، وكان «يحيي» يحكي، عن الشجية.. والأزهار، والغزالة التي كانت تبكي، فأجارها الرسول، من شر صاحبها اللئيم.. كان يحكي عن «العالية» وعن الجذور بالكرنك القديم، والجد «حسن» والأقفاص المصنوعة لكل الطيور، وكان ينكمش فجأة، ويحلم ببيت صغير، له نافذة، وحديقة.. وفتاة - تربطه بها علاقة.. أي علاقة - تنقشع العتمة، وتغيب الرطوبة، ويضيء الحجرة نور شفاف - تظهر شجرة الحواديت ، ويمد يحيي يده إلي الثمار الدانية، يحصل علي البرتقالة الكبيرة، يهديها لأسماء - ويعيد ترتيب الزهور، كان يجلبها من حدائقه السحرية التي تتدفق بالعبير، والتي لا يعلم بها أحد: «إنه الربيع، وتلك شمسه اللينة تنفذ من بين أفرع الشجر، وشعاع كأنه الفضة النقية - أنه الربيع، وكان بالحديقة شجر سقط ورقه، وحشائش يابسة، وكل الطيور - وكانت الشمس الطالعة، وعين الماء يقل فيها الماء، غطاها الورق اليابس، والكلس - إنه الخريف».
* * *
(أود لو أمتلك زهرة بيضاء
ثمة زهور بيضاء بالعالم
ثمة زهور بيضاء)
* * *
«عمّال بتفتل في خيط
مجدول من الحكايات
بتمد في جدورك كأنك نبات
الدنيا متعفرته
الدنيا متجننه
من اختلاف الفصول
ومن اختلاف الجني
وكأنك العصفور
بتدور مع الجنيات
في عالم الحواديت..
بتركب الأحصنه
تجري وراك المهور
والدنيا متجنّنه
من الخيال اللي جاي
ومن الخيال اللي فات
.............................
بتمدّ في جذورك.. كأنك نبات
في 1/7/1980 (جزيرة الشاي) - وكان عيد الميلاد - لم يظهر القمر، قمر يوليه، جلسنا علي أرائك بجوار البحيرة، وكان هناك بط يسبح، وسياج، وشماسي ملوّنة - وكان ثمة أصدقاء يتضاحكون: حسين حمودة، بهاء جاهين، ويوسف أبو رية - وكان حشد الزقزقات والعصافير التي تهتز بداخل القفص، والكاميرا التي تدور، وكنت حزيناً، متعباً، تحمل أسماء، وتميل ناحية الماء، تصعد إلي أقرب غصن وتصدح بالحكاية
«أحب الحياة
وكلما أجدني فيها
أعرف أنها الموت»
* * *
يا ماشي ومروّح
يا سايق الدفّه
الصورة زي ماهي تشبه هلال
عمّال بتجري بتوزن الدّفه
زهقت ليه م الغربه والتِرِْحَال
مش كنت بتقول لي
بدال «محمد» يا خال
وكنت بتصدقني..
ع الميه ماشي يا «يحيي» وبتسبقني
والدنيا بتعاكس خطوط الزوال..
* * *
وكنا نذهب في كل فجر عند حدائق لا مثيل لها، مثقلة بأعناب، وورد - وتين، العصافير تتقافز في كل مكان، والأغصان تحتلها أسراب من كل شكل ولون.. ملوّنة - وغير ملوّنه - يتصاعد منها حشد الزقزقات، وفي نهاية النهار نذهب إلي المقهي المرتفع العالي، بجوار شارع القرافة الكبيرة، ندوس علي النباتات الصغيرة التي تنمو وسط الممرات، وكانت الشواهد الصغيرة ترتفع، كان يحيي يتوقف ليقرأ «النقوش» المكتوبة بخطوط بدائية، نسمع صوت النحيب، ويحاول يحيي الذهاب إلي الناحية الأخري، فأقول له: ألم تتعب يا يحيي؟! فلا يجيب، ويستمر في تجواله الأبدي في مدن الصمت:
* * *
فاضل تلات سماوات
فاضل تلات خطوات
فاضل قناية من سبع قنايات
فاضل حكايه
من سبع حكايات
إلي هالة - ولأسماء
ألضم خيوطك في خيطهم
كون ورده في جونلِّتِْهم
وكون أبدي - وزي ما انت وحيد
ولا يوم حلمت بكذب دنيتهم
ولا عشت وهم العبيد.
- كان يحيي يميل ناحية النهر، ذاهباً حيث الباب الصغير المقوّس الذي تخفيه الأعشاب، وتتخلله النباتات أحاول اللحاق به، فلا أستطيع، كان يحجل وهو يقفز مبتعداً، يذوب في الغبشة الرمادية، يحرّك يده ملوحاً، فاقول له: ألم تتعب يا يحيي؟! لكنه لا يتكلم.. فقط يرفع يده، ويميل ناحية الباب المقوس، لم يكن بمقدور أحد الذهاب وراءه إلي هناك، كان يتحول تدريجيا إلي ظل، ويحاول الاختفاء، يميل كأنه يهبط درجات.. غير مرئية، وكنت أرقبه ولا أستطيع أن أبارح مكاني: يتقوس، ينحني، يحاول المروق بجسده النحيل من الباب الوهمي، وكان البدن يختفي رويداً رويداً، إلي أن تلاشي تماماً، ولم يكن هناك سوي مستطيل صغير، وبضع زهيرات، وعصافير ملوّنة، تطير هنا وهناك - والسماء الزرقاء تستوعب كل الطيور - بينما كانت تنبت هناك بجوار الشجيرات الصغيرة المشرئبة: وردة كبيرة ليحيي.


- أنا ويحيى - رجب الصاوى

-أمل دنقل

 ليت أسماء تعرف أن أباها صعد
  لم يمت
هل يموت الذى كان يحيا
كأن الحياة أبد
وكأن الشراب نفد
وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد!!

 



نماذج من أعماله:

حكاية الصعيدي الذي هدّه التعب فنام تحت حائط الجامع القديم

صحا على صرخة، ووجدها فوق رأسه تبكي، تلبس الأسود، تحمل بين يديها طفلاً ميتاً. قالت: يا فلان يا بن فلانة هل ضاقت بك الدنيا الواسعة فلم تجد غير هذا المكان تزاحمنا فيه أنا وأولادي.. لقد قتلت ابني يا قليل النظر.. وحتى يخفّ حزني على ولدي عليك أن تفارق بيوتها قبل أن يدركك صبح.
لتّ الصعيدي في الكلام وعجن ــ فال: أتيت إلى المكان ولم يكن بالمكان غيري.
فصرخت فيه : لو لم أكن جنية مؤمنة، بنت جنية مؤمنة، بنت جني مؤمن، لركبت كتفيك عامين قمريين كما تُركب الدواب يا دابة.
ضرط الصعيدي ضرطتين، ولمّ ذيل ثوبه وأطبق عليه بأسنانه وانطلق يسابق الريح وهو لا يصدق أنه أفلت من شر جنية تسكن الخفاء، ولا يراها ابن آدم إلا حين تريد هي لابن آدم أن يراها.. بعد وقتٍ صدّق أنه نجا وسأل نفسه: كيف أبارح أم القرى التي تلمّ عظام جدودي ؟.. سأذهب إلى حامل البخاري، حافظ كتاب الله المُهاب من الجن وأشتكي الجنية..
وقال :
وجدته قاعداً تحت العنبة وأمامه الحطب مشتعل، جعلت المسافة بيني وبينه قصبة ونصف قصبة وقلت السلام عليكم، ولما لم أسمع رده تقدمت وجعلت المسافة بيني وبينه قصبة وقلت السلام عليكم، ولما لم أسمع رده تقدمت وجعلت المسافة بيني وبينه نصف قصبة ورددت السلام فلم يرد ــ بينما النار التي أشّعها لا تزال مشتعلة، قلت ــ وقد فهمت: انتهى كل شيء إذن.. جاء الطوّاف قبلي وقضى الأمر، وحفنتُ من تراب الأرض بالكفين وكشحته على النار فخمدت، وقعدت أبكي.
( كانت اليد الكبيرة يا أميري قد رسمت له الطريق ــ خطين حديديين تجري فوقهما القطارات.. وأعمدة خشب تشد أسلاك التلغراف )
ولما وجد الصعيدي الطريقَ مرسومة أمامه مشي فيها، ظل يمشي وبلاد الله تترى حتى بلغ أم المدن، فدخلها حافياً متورم القدمين في اليوم الخامس من ذي الحجة وكان العام عام الذئب والدببة، وفي بحرٍ من الحديد والنار رأى الإنسان يحجل ويطلب الصدقة ورآه على البسكليت ورآه يدب ورآه بالأتوبيس وبالتروللي وبالتروماي ورآه يطير ورآه يسوق العربة، وقف يتفرج ويتعجب ونسي زمانه حتى جاء الرجل وسأله عن شخصيته. قال : فلان أبا فلان. قال الرجل: أنا أسأل عن بطاقتك ؟ قال: معي بطاقة. قال الرجل: هات، وأخذ الرجل البطاقةــ وقال: أنت المرسوم أمامي... يبقى الكلام المكتوب وتلك معضلة فأنا لا أقرأ، قال الصعيدي لنفسه: ما دام لا يقرأ.. وما دام الكلام المكتوب كله عني أنا.. وأنا الذي قلت هذا الكلام لكاتب البطاقات فكتب كاتب البطاقات بطاقتي.. إذن تلك فرصتي للتباهي، وقال للرجل: أنا أقرأ، ومضى ينظر في البطاقة ويتذكر كل ما قاله لكاتب البطاقة ويقوله للرجل. باغته الرجل ولطمه على فمه ليسكت فسكت، وظل الرجل يضربه بالكف على القفا وهو ساكت، ولم يكف الرجل عن ضربه حتى وقع الصعيدي في أول يومٍ له بأم المدن على الأرض مغشياً عليه، أفاق فوجد حواليه ناساً يجهلهم ويجهل قدر الشر وقدر الخير في نفوسهم ( الشر مطوي داخل كل نفس ولا يعلم مراحل النفوس يا أميري إلا الله ) كان عليه أن يتكلم معهم ليعرف مقاصدهم فتكلم، وكان عليهم أن يردوا على كلامه فردوا، وفهم الصعيدي أن الناس حوله ( متفرج ومشفق ومصلح وناصح )...
قالوا: لا عليك..الرجل شرطة، وقالوا: أنت هنا ولست هناك، ونصحوه أن يغير محل إقامته وقالوا: بسيطة.. شُجّ حاجبك الأيسر، وقالوا ما دمت من صعيد مصر فقل لنا إلى أي طائفة من الصعايدة تريد أن تذهب ؟ وعدّدوا له قومه (باعة خضار وبوابون وعمال بناء وباعة جوّالون).. قال لهم: لا مال معي أشتري به الشيء لأبيعه، وقال لا أملك غير بدني..
قالوا: اذهب إلى عمال البناء، ووصفوا له الطريق. ذهب إلى عمال البناءء وكان النهار قد انقضى فوجدهم قد أشعلوا النار وتحلّقوها. ردّ السلام وقال: أنا ابن فلان. قالوا: أهلاهً أنت منّا. وحكى حكايته. قالوا له: ما حدث لك يا فلان حدث لعبد الحليم أفندي. تحسس جرح وأنّ، قال: ليت أمي ما تزوجت أبي ــ وكان قاعداً فرقد. أقاموه، وسقوه العدس الساخن ودعكوا قدميه بالماء الساخن والملح، ولاموه، لأنه أتى بمفرده، وقالوا له: الأرض مرسومة يا فلان.. ونحن لا نمشي هنا فرادى. وإذا مشينا فنحن قوم نعرف الحد ولا نتجاوز الحدود، واعتذروا عن ضيق ذات اليد، وقالوا: اليوم يوافق قبل نهاية الأسبوع بيوم، وها نحن لا نملك المال لنشتري البن لجرحك، وقام واحد منهم ودفس الرماد في جرحه، ووعدوه بشراء البن لما يقبضوا راتب الأسبوع. وقالوا له: لما ينتهي نهار الغد ينتهي الأسبوع.
ولما انتهى الأسبوع اشترى الصعايدة البن ودفسوه في جرح الصعيدي، واشتروا "منديل محلاوي" وربطوا به الجرح. وتتالت الأسابيع وجاء الشهر وشُفي الصعيدي من جرحه وأورام قدميه وطابت له الحياة مع أهله الصعايدة ــ إلا أنه في الليالي المقمرة كان يتجنبهم وينام مبكراً قبل أن تطلع القَمَرة. وظل يتنقّل معهم من مكان لمكان، ويبني معهم العمارات من الطوب والحديد والرمل والإسمنت ويغني مواويل حمراء ومربعات زرقاء واللوبالي الأخضر، لكنه لم يسمع صوت سواقي أم القرى.
ومن زملاء العمل اختار له معارف من أبناء المدن الحِرفيين سكان الحارات (الحدّادون... النجارون... عمال رصف البلاط... النقّاشون) ويزورهم في بيوتهم، ويشرب معهم ومع نسوتهم الشاي ويأكل مع أطفالهم البطاطا.
دعوه مرة إلى حفل ختان أحياه مطرب بأرغول وراقصة لحمها أبيض تدق الصاجات فيقوم ناس ويقعد ناس. قام مع القائمين وقعد مع القاعدين ــ وكان قد شرب الحشيش مع من شربوا الحشيش، وتذكر أم القرى البعيدة فترحم على روح جدوده وهاجت شجونه وتقدم من الميكروفون وأمسك بشلن ورق وأمر المطرب بالغناء لأم القرى، وتكلم في الميكروفون فلعلع صوته: السلام على الصعايدة الرجال يبنون العمارات ويعمّرون أم المدن. قام واحد من الحرفيين أهل الحيّ ودفع للمغني والراقصة ربع جنيه وتكلم في الميكروفون وقال: السلام على أرباب الحرفة الرجال من أبناء أم المدن فهم الذين يعمّرون أم المدن. وعلى كلام الحرفي قعدت الراقصة تعجن لحمها الأبيض وغنى المغني أغنية.

وكادت تنشب مشادّة بين الحِرفي والصعيدي، لولا الصعيدي العاقل الذي قام ودفع للراقصة والمغني نصف جنيه وقال في الميكروفون: السلام على الجميع.. السلام على كل الحاضرين من صعايدة وأهل حرفة.. السلام على الرجال يبنون العمارات ويعمّرون أم المدن. وقام حرفي خفيف الدم وحيّى الصعيدي العاقل ودفع نصف جنيه للراقصة والمغني، وقال في الميكروفون: الصعايدة ونحن نبني العمارات ونعمر أم المدن ولا نسكن في العمارات.. السلام على سكان العمارات.
فضحك الكل، وهكذا انتهت الليلة بخير.. ومن تلك الليلة وصاحبنا الصعيدي يكلم نفسه: نحن الصعايدة نبني العمارات.. ونحن وأهل الحرفة لا نسكن العمارات، لكننا نحن الصعايدة نترك الصعيدي منا – وهو أكبرنا سناً- على باب كل عمارة نبنيها، وسأل نفسه: متى يأتي دوري لأستريح وأقعد على دكة..
ظل صاحبنا يضرب في المُقبل بعدما طرح ونسي الحاضر، قال: الطيب محمد وقع من فوق إلى تحت فقُصفت رقبته وفقد دوره.. ومحمود الساكت فقد دوره ــ لما قبض عزرائيل روحه وهو نائم.. كذا عبد الباري حين أراد أن يتمخّط وهو قاعدٌ بيننا فتمخط روحه.. يأتي دوري لأصير بواباً قبل عبد الحارس وعبد الملك، وبعد حجاج ومحمود الظني وعبد الحاكم.
وفي نهارٍ مشمس، وكان يطلع الدعامات الخشبية المربوطة بالحبال وعلى كتفيه حمولة الرمل والإسمنت ــ طرح صاحبنا وضرب ونسي الحاضر، قال : لما ننتهي من بناء هذه العمارة سيقعد على بابها عبد الحاكم، ونمضي لنبني العمارة التي سأقعد على بابها أنا فوق دكة من الخشب.

في هذا النهار – يا أميري- ضيع الصعيدي عمره كما ضيعت بائعة اللبن الحمقاء اللبن.

___________
النص مأخوذ من " المختار من روائع القصة العربية الحديثة "، مهرجان القراءة للجميع 2000، ضمن إصدارات مكتبة الأسرة.



الغُــول

وقف المطرودُ من أهله،وتفل على الأهل القساة،ورمى بنظرةٍ أخيرة على البيوت القصية.
وكم كانت فرحته كبيرة بوفاء الحيوان لما وجد قطته الحبلى تتبعه .

سار،وسارت خلفه وطال سيرهما إلى أن أوغلا في القفر فاستبد بهما العطش والجوع ،وكانت القطة الحبى قد ولدت عددًا من القطط الصغار العميان،وسدّت جوعها بلحم واحد من أولادها الصغار،وروت عطشها بدمه ،قلّد المطرود من أهله فعلة الحيوان _إلا أنه لم يستطب اللحم النئ،فضرب حجرين وأشعل النار في حطب لمّهُ،وشوى قطة وأكلها،وما إن أحس بقسوة العطش حتى شرب دم ضحيةٍ جديدة.

وهكذا مر اليوم حتى وجد المطرود نفسه في يوم هو وقطته يتعاركان،إلا أن دان له النصر فأكل لحمها.
وواجه صاحبنا ابن ذلك الزمان وحدهُ الجوع والعطش والوحدة والخوف من الوحش،فقرض أظافرهُ ،وقرض نصف أصابعه،وأوقد النار العالية ليرهب الوحش ويهدي الضال والضارب في القفرنفقد يعود يومًا إلى دنيا الناس.

وما إن واجه المطرود الإنسان الضال حتى غلب عليه الخوف من العودة إلى الجماعة،فصرع ابن جنسه وشرب دمه والتهم لحمه نيئًا ومشويًا.

ومع الوقت تمكنت منه العادة، وأصبح هذا طبعهوبمرور الزمن ذاع صيته لما هاجم جماعة الأحياء ،وتفنين الناس قي وصف ورسمه،وأصبحت الأم ترهب ابنها إن عصاها بالغول،وتحذر زوجها المسافر والد ابنها من الغول.

___________

من مجموعة (الرقصة المباحة.)



وغدًا أيضًا الأحد


(أ‌) أعرف أنها تمرّ على المقهى كل يوم أحد..متى تعرفُ هي؟

(ب‌) لم تمر. الحصان العجوز الأبيض كان يجرّ العربة المحملة بأكياس الدقيق. أنا والأرق والحصان العجوز والحوذي العجوز والشرطي الساهر والمومس المخمورة.

(ج‌)هذا موعدها الثاني: اغفر لها ياقلبي وقد عرفت.

(د‌)أيتها الكارهة: أحبك.

(هـ)الآن: لا أحبك.

(و)أنتِ لاتستحقين،نعم،ورميتُ زهرة القرنفل_وقد عريتها من ورقها_ في كوب الخمرة،وشربت،وشربت..

(ز‌)ياأيها العالم_أنت شاهدي_: أنا لاهو..أنا الذي أحبها..

(ح)رغم السنوات: اليوم الأحد.

___________

من مجموعة (الرقصة المباحة.)



في الحلم يعشقُ الموتى


سمعت الصوت: " الجبل ياسارية..الجبل"

ورأيت:

طائرة العدو تطير،وتكرهني،دمرت بيتي بقنبلة،ودمَت قلبي بقنبلة،ودمت قلب محبوبتي بقنبلة_وكنت قد سمعت الصوت_.

لم يعد قلبي في بدني،فحملني ذلك على قطع الصحراء.لم يلمني أحد ،ولم بيصق في وجهي أحد، ولم أسمع أية إهانة،ولم يَرِد اسمي على فم أي مخبر.

بيدي (صنعتها)،زرقاءَ من ورقة،لكنها تطير،طائرتي،أنا،الملاحُ الماهر صانع الصندوق والقارب،الروح الحية الهائمة بغير ظل،عدوي أدميه بقنبلة،والعاشق والعاشقة أرميهما بوردتين.

"لا تفلت الخيط" ،أنت من صُلبي ، " لاتفلت الخيط" .

___________

من مجموعة (الرقصة المباحة)



أنا وهي ..وزهور العالم

كنا بالحديقة_أناوهي،وكنتُ طامعًا في علاقة تربطني بها: أي علاقة .

وكان بالحديقة شجرمورق،وحشائش خضراء،وطير بأجنحة،وعين ماء_أراها مرة ياقوتة ومرة زمردة ._

إنه الربيع : وتلك شمسهُ اللينة تنفذُ من بين أفرع الشجر بشعلع كأنه الفضة النقية _وقد رمت فوق الحشائش: الضوء واللون والظل والشكل .

كان للشجر رائحة،وللأرض رائحة، وللحشائش رائحة،ولشعرها رائحة،ولفمي رائحة .

هو الربيع،وتلك طيور الربيع عند عين الماء تطلب الماء،وتغتسل وتنفض عن ريشها الماء،وتتمرغ بالحشائش وتنط وترف في الجو بأجنحة وتصوصو وتحتمي بأفرع الشجر.

_ أحب الموت،وكلما أجدني على حافته أحب الحياة.

_ أود لو أمتلك زهرة سوداء .

_ ثمة زهور سوداء بالعالم..ثمة زهور سوداء .

* * *


بالحديقة كنا_ أناوهي،وكنتُ طامعًا في علاقة تربطني بها: أي علاقة .

كان بالحديقة شجرٌ سقط ورقه وحشائش يابسة وكل الطيور ،وكانت الشمسُ طالعة ،وعين الماء قلّ فيها الماء وغطّاها الورق اليابس والكلس، إنه الخريف .

_ أحب الحياة، وكلما أجدني فيها أعرف أنها الموت..

_أودّ لو أمتلك زهرةً بيضاء ..

_ ثمة زهور بيضاء بالعالم..ثمة زهور بيضاء .


___________
من مجموعة (أنا وهي.. وزهورالعالم.)


* مقطع من قصيدة للشاعر عبد المنعم رمضان في رثاء يحيى الطاهر عبد الله



المصادر:
- مجلة الثقافة الجديدة
- مجموعات القصصية للكاتب
- " المختار من روائع القصة العربية الحديثة "، مهرجان القراءة للجميع 2000، ضمن إصدارات مكتبة الأسرة.

صورة الورشة

التعليقات (6)

طوبى لراحلين لا يترجلون عن حياتنا لأنهم يظلون ينقشون في الذاكرة أجمل الأغاني ... طوبى للذاهبين في الحياة بعيدا يسيجون الروح بما طاب من حكايانا تنهمر فينا بكاء وأفراحا صغيرة...طوبى لهم صباحا مساء وفي كل مطلع فجر عندما نحبنا في وجوههم التي تسكننا... 
شكرا للأوفياء عندما يتفتحون ذكرى وبوحا زلالا يتداعى ليحيي العظام مهما كانت رميما... شكرا لكل ما تنثره روحك الجميلة من ضوئهم وضوئك المكسر للعتمة ...
محبتي
صورة آسية السخيري
العزيز أحمد
ممتن لك على هذا الملف االحافل  بالأطايب عن كاتب من طينة الكبار..أود دوما الاطلاع على المزيد من كتاباته..
هو من ضمن القلائل الذين أخلصوا للقصة القصيرة وكتبوا القصة القصيرة جدا (التي أصبحت الآن موضة العصر)..قرأت أنه كان يكتب في بطاقات الزيارة الخاصة به:
يحيى الطاهر عبد الله كاتب قصة قصيرة..
لا غرو ان تكتب روايته "الطوق والإسورة" بذك الأسلوب القائم على الإختزال الذي يطبع القصة القصيرة كجنس أدبي..
تحيتي   يا سيدي العزيز
صورة حسن البقالي
الأستاذ الفاضل احمد يحيى المحترم
ربما هو الصمت او الذهول المطبق، ولكنها  الحقيقة عندما تطرق الأبواب يكون فيها بكاء القلب مباحا قبل العيون.. شكرا لنشرك تلك الحقيقة المفجعة بثوبها الأكثر نقاءا كونك ربيب أدب وثقافة وواجب انساني وثقافي انت اهل له
في عام 1981ولآول مرة اقرأ فيها للقاص يحيى الطاهر عبدالله مجموعته القصصية حكايات للأمير حتى ينام ، ادركت وقتها انني امام كاتب قصصي يحاول التجريب للقصة العربية من تراثها الأصيل ، فهو يناغم بأسلوب حداثوي رائع حكايات الليالي لأمير لم تسهده الخيانة ،  وانما ارقه التداخل في الفوضى والأضطراب والهزيمة التي كانت تجثم على افكارنا قبل قلوبنا ، ومن حينها وانا اتابع كل جديد يصدر لهذا الكاتب العربي الأصيل الذي لامس بقلمه العربي الشريف مواجع الألم فينا دائما
شكرا لك مرة اخرى ايها الأستاذ الفاضل لنشرك هذا الملف الرائع وفاء للمبدع النبيل رحمه الله ونتمنى ان تحذو كافة المواقع والصحف الثقافية العربية  بما قمت به وفاءا وعرفانا للأدب الذي قدمه يحيى الطاهر عبدالله والذي سيظل خالدا على مر الزمن
صورة زيدان حمود
اخي العزيز أحمد يحيى
لا يتذكر العمالقة الا من كان صنوهم
سلمت
وبورك
جهدك
مودتي
صورة سمير الشريف
كم  تحملني كتابات  يحيي الطاهر لعالم جميل
عالمي
هو من نفس مدينتي ، لذا أستطيع الحكم على ما كتبه ، لقد نقل الواقع بكل حزافيره ، برائحته ، بطين الأرض وحكايانا المبتورة على المصاطب ، ننتظر نسمة ريح شمالية عبرت على كرم نخل قريب ، عبرت على حوش وجرن وحقل ، عبرت على  أحلام لم تتحقق لعزارى دربي والدروب المجاورة ، عبرت على إبريق شاي يغلي على جمرات  كعيون جنية الليل ، لهذا الرجل الفضل في تكوين مدارك كثير من الشباب ، فكتاباته تحمل فلسفة خاصة جدا ، عميقة جدا وبسيطة جدا ،  ، تحية لروح يحيي الطاهر عبد الله
شكرا لك أحمد على هذه التغطية
صورة منى الشيمى
أخي الحبيب / أحمد يحي
سلمت ؛ ودمت ؛ مخلصا وفيّا
أشد علي يديك بحرارة ؛ وأقبلك بعنف
وبعد ..
الكتابة فضيحة تحتفي بالواقع ..
والفضيحة تفرض سلطتها لممارسة فعل التغيير ؛ إنها نوع من إجبار الواقع علي تعديل مساره ؛ والرجوع إلي رشده أولا ً بأول ..
 قد يغتالها الواقع ببط ؛ فالواقع لا يتشبث بالكتابة ؛ لكنها تتشبث به ؛ وتمسك بتلابيبه ؛ وتفتديه .. نعم الكتابة تفتدي الواقع دائما ً ..
هكذا يذهب الشعراء والأدباء الحقيقييون إلي الموت بأشكال موغلة في المفارقة ؛
 لكنهم دائما يحسنون الحضور من الغياب ..
نحن نكتب لنعترف .. لنتطهر .. لنبلور مخاوفنا وأخطائنا ؛ لنسجل التاريخ ..
نكتب لأننا مأخوذون بالمستقبل .. لنستفز الكتابة في الآخرين ..
نكتب لأن الكتابة نزيف يؤجل جنازة الحياة ..
لأننا لا نستطيع خنق الكتابة في داخلنا ..
نكتب لنقرأ .. لنتعلم.. لا يوجد علم بدون قراءة ؛ وليس ثمة قراءة بدون كتابة .. الله كتب الحياة ؛ وكتبنا لنقرأها ونقرأ أنفسنا ؛ إذا محوت الكتابة فقد محوت الحياة
.............................................................
لقد كان الأديب المبدع / يحي الطاهر عبد الله من أحب وأقرب الناس إلي قلبي وعقلي 
حتي أنني كنت أري صورته فأخال أني أنظر إلي نفسي 
تخيل .. هل يصل الشبه ‘لي هذا الحد الفيزيقي ؟!!!!!
لو كنت أضع قبعة ً لرفعتها 
ولو كان لي طاقة الإنحناء ؛ لانحنيت اثق الآن أن الله قيدك لنا ؛ وللتاريخ 
أخوك 
حودا
 ..
صورة محمود عبد الصمد