Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

ياولدى




يا ولدي
د.رضا صالح



كان جالسا أمامى - وابنه الموظف إلى جواره -  قال لى :
- " ربنا يعطيك الصحة يا ولدى ؛ ويجعله عامر بنفسك ،الله يقويك على صنعتك...
أنا تعبت...اشتغلت كتير...  ؛ هاجرت أيام  حرب هتلر؛ اشتغلت  فى بحيرة مريوط ؛ والمحمودية ؛ كنت عايش فى الإسكندرية .. عبد الناصر وزع أراضى على الناس فى أبيس.. أنا ما استلمتش أرض ؛ لأنى ماليش فى الزراعة... طول عمرى وأنا صياد .
..بعدها جيت هنا السويس..
 تنحنح ؛ أحسست أنه سيقول شيئا ؛ نظرت إليه قال:
-  بما أننا من بلد واحد أحب أحكى لك عن كيف وصلت السويس وعن أيام زمان..
كان يرتدى جلبابا فضي اللون وبه قلم خفيف لامع وعلى رأسه طاقية صوف وتلتف حول رقبته لاسة حريرية ؛ يميل إلى السمنة أسمر اللون له شدقان عريضان،  يكاد الكلام يخرج من فمه اتوماتيكيا كأنما يلضمه لضما :
-  كان عندى  12سنة وقت أن جئت السويس كانت الحاجات رخيصة، قبل حرب هتلر  بشهور  وضعت الطاقية أمامى وبدأت أسالها : أين تعمل يا ولد يا قلعاوى؟ ؛ لم انتظر كثيرا, جاء الحل من عند الله، أول ما نزلت  كنت عند جماعة لهم بنا صلة قرابة ، كانوا ساكنين فى الكفر ؛ سكنت معهم فى أودة  بالارضى.. كنا أربعة،  نصحى كل يوم قبل الفجر نصلى ؛ وأروح معاهم على المبيع, هناك كنت أقف لأحرس  الشون وأكوام البطيخ والشمام وصناديق الخضار بأصنافه ، كنت آخذ  يومية 2جنيه ، فرحت بهم وحمدت ربنا لان الخوف كله أنى أمد يدي للناس،  لكن ربنا كريم ، مع الأيام شفت البضائع داخلة وخارجة وسمعت التجار,  وعرفت طريقة تعاملهم وعرفت منين تجى ، والى أين تروح هذه البضائع ..
                                                       ---***---
      كانت زوجته جالسه جواره تنظر إلى الأرض وقد سرحت بفكرها مع الكلام أزاحت النقاب عن وجه نصفه أنف مفلطح يلمع  لونه البنى المحروق ،لا يوجد به مسحة جمال تبرر ارتداءها للنقاب أو ما يشجع على  الالتفات إليها .
نظر إليها؛ واستأنف حديثه :
الست حرمنا ربنا كرمنا بها آخر كرم؛  وجهها الصبوح كان خيرا على ..
-  كيف يا حاج ؟
بعد فترة كان معى قرشان ؛  عندما نزلت الصعيد عرضوا على الزواج ؛ لم أكن أعرفها؛ ولكنى قبلت بعدما شكروا لى فيها  ،الزيارة الثانية أحضرتها معى فى قطار الصعيد إلى الجيزة ومنها أخدنا الأتوبيس لمحطة مصر وركبنا قطار السويس  من كوبرى الليمون
نسيت أقول لسيادتك أنى جربت حظى فى البداية مع  قفصين كوسة  بهم حوالى 50 كيلو اشتريتهم ب4جنيه يعنى الكيلو كان ب 8 قروش ولصقت جنب  واحد معرفة ؛ وعملت تعريشة رميت عليها الكوسة وبدأت أبيع ،
      -     عرفت تبيع يا حاج؟
-         ياه العملية سهلة جدا كل واحد على قد لونه البيه له سعر, والغلبان له سعر، و الشرطة ممكن تشترى مجانا ، لازم الواحد يكون مفتح ، يشترى نفسه
-         طبعا.. طبعا يا معلم
-         قبل  صلاة الظهر  القفص انتهى ، ومشيت؛  بعدها عددت الفلوس فى جيبى كانت 12 جنيه يعنى القفص فيه مكسب  8 جنيه وأنا يوميتى فى الحراسة 12ساعة كانت 4 جنيه ، ماذا لو تاجرت فى ثلاثة أو أربعة أصناف ؟
-         طبعا الفرق كبير
-         من يومها وعملت تاجر فى السوق بعدها ربنا كرمنا وأخذت مكان فى سوق الجملة وعملت تاجر جملة ، وأكل العيش يحب الخفية ...جه فى يوم الحكومة سمعت عن جماعة يتوع مخدرات فى السوق ؛ قبضوا على ناس كتير ، ورحت أنا فى الرجلين
-         وعملت إيه مع الحكومة يا حاج؟
-         خرجت بعد ما صرفت كل اللى معاى على المحامين ..
---***---

بعدها ؛ نزلت أبو رديس مع واحد بلدياتى ؛ واشتغلت فى البراريم ؛ وفى اللاينات بتاعة الزيت الخام ؛ أيامها عبد الناصر طلّع الجماعة الطلاينة ؛ فى الشركة طلبوا منى 50 جنيه علشان التعيين ؛ لكن أنا ما كنتش أملك 50 جنيه..
تركت الشغل ورجعت للسويس ، أشتغلت فى مراكب الصيد ...  المراكب تطلع من مينا الأتكة ؛ وأحيانا من الأدبية  ...اشتغلت  فى مراكب الجر و الشانشيللا ..
مراكب الجر تجيب جوف البحر كله، تصطاد من قاع البحر ، صيد الشانشيللا بالليل تحت الفوانيس ؛ يجيب الباغة والكثكمرى والموزة والسردين ..سمك النور..
مراكب الجر تروح بعيد ؛ فيه مراكب تطلع بره الخليج  ،  توصل بعد الغردقة وراس غارب لغاية برانيس ومرسى علم ...وفيه مراكب تروح تحت الريح لليمن وإرتريا.. .إرتريا تاخد ضريبة من المركب ؛ دولارات ...السمك هناك كتير، أشكال وألوان ،البحر مليان ؛السمك فوق بعضه ، خير كتير ,, المركب تطلع 30 ألف 40 ألف ..
- كيلو؟
- لأ 30  أو 40 ألف طاولة.
-  ما شاء الله ..
- " والسمك الكبير نرميه على الكاورته ونرّصه ، ونرش عليه ملح وتلج مجروش ...المركب يوصل هنا والسمك طازة ؛ كأنه  طالع حالا من البحر.."
                                                          ---***---
تأملت ملامحه وقد تورم وجهه ، يكاد يخرج الكلام من بين شفتيه المنتفختين  دون أدنى حركة ؛ بياض عينيه غطى على سوادهما ، تحلق اللون الأبيض حول القزحية مكونا هالة أطفأت نور العين ولمعانها ، لاحظت وأنا جالس أمامه أنه  ينظر ناحية  مصدر صوتى ، ولا يكاد يتحقق مما يراه , أشفقت للألم والمعاناة التى يشعر بها ؛
استأنف كلامه:
" فى العام الماضى حصل نفس الموضوع ، ورحت للدكتور الجراح .
-  عمل لك إيه؟
-  قال لى : فتح .. قلت له :  اللى أنت شايفه؛ لكن بعد العملية حرّمت أفتح تانى ..يا ساتر يا ساتر ..الله ما يحرمك من صحتك ويقويك على صنعتك...
                                                         ---***---
" شفنا خير كتير ، الحمد لله؛  الواحد طول ما هو ماشى دوغرى ؛ ربك ما ينساه ، خللى بالك ؛ الدنيا غرورة ؛ الواحد ساعات يتهيأ له انه يأكل الأكل كله؛ ويشرب الشرب كله ، ويلبس اللبس كله ؛ لكن  بنى آدم ضعيف ، ضعيف خالص ؛ لازم ياخد باله من نفسه ؛ من ضعفه ، لازم يعيش ويسيب غيره يعيش ؛ يعطى الفرصة لغيره ؛ الدنيا تسع الناس كلها يا ولدى ، لأن الخالق رزاق ؛ بس الناس دائما تنسى ؛ كل واحد فاكر المال له هو؛ و البنون له هوه ، موش عارف إن النعم دى ممكن يكون فى باطنها نقم !! الحاجات دى ممكن ترفعه لفوق وممكن توقعه على جدور رقبته ، زى ربنا ما قال ، كله حسب مشى البنى آدم ، وربنا قال : وهديناه النجدين" أيوة يا ولدى ؛ النجدين هما الخير والشر ، وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه "؛ وربنا يختبرنا فى رحلة الدنيا ،" وللآخرة خير وأبقى " وربنا يجملها بالستر يا بنى ؛ أهم حاجة الستر !
                                                          ---***---
أكمل وهو يحاول أن يحدق فى وجهى :

عاوز أقول لك على حاجة ..
تفضل يا حاج .
طول عمرى أحب الحق ...عاوز أقول إحنا معندناش نخوة ..
ليه يا حاج؟
 تعالى شوف الناس بيضيعوا عمرهم على القهاوى ، ربنا حيسألهم يوم القيامة ..وشوف اللى ناهبين البلد ...خليهم ينهبوا ويبرطعوا ...رايحين فين ؛ رايحين جهنم هم  واللى ساعدوهم."
إن ربك لبا لمرصاد" ..
.أما الكبير يعمل كده ؛ تنتظر إيه يا ولدى من الصغير ؟؟!!
كتبت الروشتة ، ومددت يدى بها إليه قائلا :
دع الخلق للخالق ، ولا تنس أن تدعو لى  .
---***---
صورة د.رضا صالح

التعليقات (4)

صديقى د/رضا
وأنا أتذوق قصتك  بطعم الأرض التى تقف عليها
لم تختلف كثيرا عن حديثك الممتع
وقربك من الآخرين بشكل يستأثرك لأن تكون
واحدا ممن يشعر بهم 
دمت الأجمل
عبداللطيف مبارك 
صورة عبداللطيف مبارك
القاص د. / رضا صالح
هذا المريض الذي يجلس أمامك هو جيل بأكمله .. عاصر أحداث ومتغيرات
أثقلت كاهله .. فحطمت كيانه
هذا المريض دواءه الحقيقي لم يكن في الروشتة
بل في لحظات البوح .. التي حاول بها أن يتنفس هواء الذكري
ليسترد بعض مافقده .. من ذات
أعتقد أنه بعد إنصرافه من عيادتك .. لم يصرف الروشتة
إما لأنه شفي من الداء .. لو مؤقتاً
وإما أنه شفي من الداء إلي الأبد
فأستراح
بالموت

زينات القليوبي

صورة زينات القليوبي
أستاذة زينات
تحية طيبة
والله أنت تنظرين بعين الشاعر الذى يبحث فيما وراء الأفق ، وانا مقصر فى المشاركة ولكنى أضطلع بمسئوليات كثيرة تأخذ معظم وقتى ، وأرجو المعذرة لضيق الوقت  وأشكرك على كلامك الجميل وهذا الرجل نقلته بلحمه ودمه على الورق بعدما استمعت إليه جيدا    
صورة د.رضا صالح
حبيبى  الشاعر عبد الطيف مبارك نفسى أشوفك من زمااان ولكنى أشوفك على الورق ، وعندما أقترب من الكى بورد لكى أكتب أجد أن ورائى شىء آخر واضطر لأن أؤجل وأؤجل ...حاجات كتيرة مؤجلة فى حياتنا ولا أدرى متى سوف نستطيع أن ننجزها  أتمنى أن أراك قريبا عنما تحود على السويس وأنت عائد من البحر الأحمر   
صورة د.رضا صالح