ولدي المتوحد




ولدي المتوحد
برنارد مالامود
ترجمة: أحمد جاسم العلي
dodo_nomercy

 

  شعر وهو يستيقظ ان والده يقف في الرواق، يتنصت. يتنصت إلى ماذا؟ يتنصت إليه ينام ويحلم. ينهض من فراشه ويتلمس طريقه مرتبكا بحثا عن سرواله الداخلي. يتنصت إليه لا يذهب الى المطبخ ليتناول فطوره. يحدق بعينين مغلقتين في المرآة. يجلس ساعة في دورة المياه. يقلب صفحات كتاب لا يستطيع قراءته. يتنصت إلى غيظه، كآبته، وحدته. الأب يقف في الرواق. الإبن يسمعه يتنصت.

   ولدي الغريب، لا يخبرني بشيء.

   أفتح الباب وأرى والدي يقف في الرواق.

   لماذا تقف هناك، لماذا لا تذهب إلى عملك؟

   أخذت إجازتي في الشتاء بدلا من الصيف كما أفعل دائما.

   ما الفائدة منها وأنت تمضيها في هذا الرواق المظلم والنتن، تراقب كل حركة تصدر مني. تخمن ما لا تراه عيناك. لماذا تتجسس عليَّ؟

   يذهب أبي إلى غرفته وبعد حين يخرج الى الرواق مرة أخرى، يتنصت.

   أسمعه أحيانا في غرفته ولكنه لا يتحدث إلي ولا أعرف أنا ما الذي يجري. إنه شعور رهيب بالنسبة لأب. ربما سيكتب لي يوما رسالة لطيفة، أبي العزيز ...

   ولدي العزيز (هاري،) إفتح باب غرفتك.

   ولدي السجين.

   ذهبت زوجتي في الصباح لتكون الى جانب إبنتي المتزوجة والتي تضع طفلها الرابع. تطبخ لها وتنظف وترعى الأطفال. حمل إبنتي عسير، وضغط الدم عندها مرتفع وهي تتمدد في الفراش أكثر الوقت. تمضي زوجتي النهار كله معها. تعرف ان شيئا ما يحدث لهاري . منذ ان تخرج من الكلية في الصيف الفائت وهو عصبي المزاج، وحيد، وغارق في أفكاره الخاصة. إذا تكلمت إليه يظل يصرخ، شاكيا ومحتجا. يقرأ الصحف، يدخن، يبقى في غرفته. ونادرا مايخرج ليتمشى.

   كيف كانت النزهة، هاري؟

   نزهة.

   أخبرته زوجتي ان يذهب ويبحث عن عمل وذهب مرات قليلة، لكنه عندما يحصل على عرض معين لا يقبل به.

   ليس لأني لا أريد ان أعمل. أشعر بأني مريض.

   لماذا تشعر بأنك مريض؟

   أنا أشعر بما أشعر به. أشعر بما أنا عليه.

   يتعلق الأمر بصحتك، ولدي الصغير؟ ينبغي عليك، ربما، الذهاب الى طبيب؟

   لا تناديني بذاك الأسم. لا يتعلق الأمر بصحتي. مهما يكن لا أريد ان أتحدث حول الموضوع. لم يكن العمل من النوع الذي أرغب فيه.

   إذن إعمل عملا موقتا في غضون ذلك. قالت.

   بدأ يصرخ. كل شيء موقت. لماذا يجب عليَّ ان أضيف المزيد إلى ما هو موقت الآن؟ أحشائي موقتة. العالم موقت. وفوق ذلك لا أريد عملا موقتا. أريد عكس ما هو موقت، ولكن أين تبحث عنه، أين تجده؟

   والدي يتنصت موقتا في المطبخ.

   ولدي الموقت.

   قالت بأني سأشعر بالراحة إذا ما عملت. أنكرت ذلك. عمري اثنتان وعشرون، منذ كانون أول الماضي، خريج كلية وأنت تعرف أين تضع ذلك. في الليل أشاهد ما يقدم في الأخبار. أراقب الحرب من يوم الى يوم. إنها حرب كبيرة تعرض على شاشة صغيرة. أحيانا أنحني الى الأمام والمس الحرب براحة يدي. أنتظر حتى تموت يدي.

   ولدي ذو اليد الميتة.

   أتوقع ان تُسحب يدي من عملي في أي يوم ولكن لن يضايقني هذا كثيرا بعد الآن. لن أذهب. سأذهب الى (كندا) أو مكان آخر، رغم ان الفكرة ترهقني.

   الطريقة التي يخيف بها زوجتي جعلتها تغادر البيت مسرورة إلى بيت أبنتي في الصباح لترعى اطفالها الثلاثة. تُركت وحيدا، لكنه لا يتحدث اليّ.

   ينبغي عليك ان تتصلي بهاري وتتحدثي اليه. قالت زوجتي لأبنتي.

   سأفعل يوما ما، لكن تذكري، تسع سنوات فرق العمر بيننا. أعتقد أنه يراني أُماً أخرى حوله وان واحدة تكفي. كنت أحبه، لكن من الصعب ان يتعامل الإنسان مع آخر لا يتبادل العواطف ولا يجامل.

   عندها ضغط دم مرتفع. أعتقد أنها تخاف ان تتصل به.

   أخذت اجازة من العمل لمدة اسبوعين. أنا أعمل بائع طوابع في مكتب البريد. أخبرت الموظف المراقب ان صحتي ليست على ما يرام ولم اكن كاذبا. قال، يجب ان تأخذ اجازة مرضية. قلت بأني لست مريضا الى هذه الدرجة. أخبرت صديقي (موي بيرك) بأني أريد البقاء بعيدا عن العمل لأن هاري يسبب لي القلق.

   أعرف ما تعني، (ليو.) أنا لدي، أيضا، همومي ومشاكلي مع أطفالي. لو كان عندك ابنتان تكبران فهذا يعني أنك أصبحت رهينة في يد القدر بما يمكن ان يصيبك من حظ سعيد أو حظ عاثر. على كل حال، علينا ان نحيا. ستأتي الى لعبة البوكر مساء الجمعة؟ لا تحرم نفسك من هذه الطريقة في التسلية والاسترخاء.

   سأرى كيف يكون حالي حتى ذلك الحين. كيف سينتهي الأمر؟ لا أستطيع ان أعدك.

   حاول ان تأتي. هذه الأشياء تزول كلها. إذا بدت لك الأمور جيدة، تعال. حتى لو لم تكن جيدة، تعال على كل حال. ربما يخفف حضورك من التوتر والقلق الذي يستحوذ عليك. ليس في صالح قلبك وأنت في هذه السن ان تحمل كل هذا القدر من القلق أينما تذهب.

   هذا أسوأ أنواع القلق. لو أني قلق على نفسي لعرفت سبب القلق. أعني أنه ليس في الأمر سر. أستطيع أن اقول لنفسي، ليو، أنت أحمق، كف عن القلق على لاشيء. على ماذا تقلق؟ على بضعة دولارات؟ على صحتي التي تقاوم البلى رغم صروف الزمان؟ وفوق ذلك، أنا الآن أقترب من الستين ولم أعد شابا. أي إنسان لا يموت في سن التاسعة والخمسين يستأنف حياته في سن الستين. لا تستطيع ان تهرب من الزمن اذا ما راح يدب خلفك. ولكن، إذا كان القلق على شخص آخر، فذلك هو النوع الأسوأ من القلق. ذلك هو القلق الحقيقي لأنه اذا لم يخبرك فلا تستطيع الوصول الى داخل ذلك الشخص لتكتشف سبب هذا القلق. لا تعرف من أين الطريق إليه حتى توقفه. كل ما تستطيع فعله هو ان تقلق أكثر. وهكذا، فأنا انتظر في الرواق.

   هاري، لا تقلق بشأن الحرب.

   لا تخبرني ما الذي أقلق بشأنه.

   هاري، والدك يحبك. عندما كنت ولداً صغيراً، أعتدت ان تهرع اليّ في كل ليلة أعود فيها الى البيت. التقطك وأرفعك الى السقف. كنت تحب ان تلمسه بيدك الصغيرة.

   لا أريد ان أسمع شيئا حول هذا الأمر بعد الآن. هذا الأمر ذاته لا أريد أن أسمع شيئا حوله. لا أريد ان أسمع شيئا عن طفولتي.

   هاري، نحن نحيا مثل الغرباء. كل الذي أقوله هو أني أتذكر أحسن أيامنا. أتذكر عندما كنا لا نخاف من ان يُظهر الواحد منا حبه للآخر.

   لم يقل شيئا.

   دعني أسلق لك بيضة.

   لا أريد بيضة. أنها الشيء الأخير في العالم الذي أريده.

   إذن، ماذا تريد؟

   أرتدى معطفه ونزع قبعته من المشجب. غادر البيت ونزل الدرجات ثم خرج الى الشارع. مشى هاري على طول شارع المحيط المشجر بمعطفه الطويل وقبعته الرمادية المجعدة. كان يعرف ان الأب يتبعه فملأه ذلك غيظا.

   لم يستدر. مشى بسرعة صاعدا في الشارع العريض. في الأيام الخوالي كان هناك ممر خاص للجياد الى جانب الممشى حيث يقوم الآن ممر الدراجات الأسمنتي. يوجد هناك الآن عدد أقل من الأشجار، أغصانها السود تحجب السماء الغائمة. عند زاوية جادة (أكس أفنيو،) تماما حيث تبدأ تشم رائحة جزيرة (كوني آيلند،) عبر ثم مشى عائدا ال البيت. تظاهر بعدم رؤيته لأبيه يعبر خلفه، رغم أنه كان حانقا لا يزال. عبر الأب الشارع وتبع أبنه الى البيت. كان يحسب، عندما وصل الى البيت، ان هاري قد صعد الى فوق للتو. دخل غرفته وأغلق الباب عليه. وفي غرفته كان سيقوم بالأشياء نفسها التي قام بها سابقا.

أخرج ليو مفتاحه وفتح صندوق البريد. كانت هناك ثلاث رسائل. نظر إليها ليرى إن كانت أحداها مرسلة إليه، مصادفة، من أبنه. أبي العزيز، دعني أوضح لك مشكلتي. ان السبب في تصرفي على هذا الشكل .... ولكن لم تكن هناك مثل هذه الرسالة. واحدة من تلك الرسائل كانت من الجمعية الخيرية لموظفي البريد، وضعها في جيب معطفه. حملها الى غرفة ولده،، طرق الباب وانتظر.

   إنتظر لفترة.

   قال، حين صوت الولد من داخل الغرفة، توجد رسالة لك. أدار مقبض الباب ودخل الغرفة. كان هاري يتمدد في فراشه مغمض العينين.

   يمكنك تركها على الطاولة.

   لماذا لا تفتحها؟ أتريد مني أفتحها لك؟

   لا، لا أريد منك ان تفتحها. أتركها فوق الطاولة. أعرف ما تحتويه.

   ماذا تحتوي؟

   ذلك شيء يخصني.

   تركها الأب فوق الطاولة

   أخذ الرسالة الأخرى المرسلة لأبنه الى المطبخ وأغلق الباب. سكب بعض الماء في غلاية. وفكر أنه سيقرأ الرسالة بسرعة ثم يغلقها جيدا بقليل من الصمغ حتى لا يظهر أي خرق على حافة الظرف. ثم ينزل ليعيدها الى صندوق البريد. ستقوم زوجته بأخراجها بمفتاحها عندما تعود من بيت إبنتهما وتحضرها الى هاري.

   قرأ الأب الرسالة. كانت رسالة قصيرة من فتاة. قالت الفتاة ان هاري أستعار منها كتابين قبل أكثر من ستة أشهر، وبما أنها تقدر قيمة هذين الكتابين عاليا فهي تحب ان يعيدهما إليها. هل يستطيع ان يفعل ذلك بالسرعة الممكنة حتى لا تضطر ان تكتب له مرة أخرى؟

   عندما كان ليو يقرأ رسالة الفتاة دخل هاري المطبخ. وحين رأى سيماء الذهول والدهشة على وجه أبيه إنتزع الرسالة من يديه.

 يجب ان أقتلك بسبب الطريقة التي تتجسس بها عليّ.

 تحول ليو عنه، ونظر من نافذة المطبخ الصغيرة الى فناء الشقة المظلم. أحمر وجهه وخبا بريق عينيه وشعر بالغثيان.

 قرأ هاري الرسالة بنظرة واحدة ثم مزقها ومزق الظرف المُعلم بـ (الشخصي.)

   إذا فعلت هذا مرة أخرى فلا تندهش إذا قتلتك. أنا مشمئز منك لتجسسك عليّ

   غادر هاري البيت.

   دخل ليو إلى غرفته ونظر حوله باحثا. بحث في خزانة الملابس ولم يجد شيئا غير عادي. على طاولة الكتابة الموضوعة قرب النافذة وجد ورقة كتب فيها هاري. تقول: عزيزتي (إديث،) لماذا لا تخرسي؟ إذا كتبت رسالة أخرى مثل هذه فسوف أعمد الى قتلك.

   تناول الوالد قبعته ومعطفه وغادر البيت. قطع مسافة، راكضا مرة وماشيا أخرى، إلى ان رأى هاري على الجانب الآخر من الشارع. مشى خلفه، تاركا مسافة بينهما.

   تبع هاري الى جادة (كوني آيلند إيفنيو). وفي اللحظة الأخيرة رآه يصعد الى الحافلة الكهربائية ذاهبا باتجاه جزيرة (آيلند.) كان على ليو ان ينتظر الحافلة القادمة. فكر ان يستأجر سيارة ويتبع الحافلة ولكن لم تمر سيارة أجرة في الوقت المناسب. وجاءت الحافلة التالية بعد ربع ساعة. كان الجو باردا في شهر شباط وجزيرة كوني آيلند مهجورة. كانت هناك سيارات قليلة في جادة (سيرف إفنيو) وعدد قليل من الناس في الشوارع. وبدت السماء وكأنها تثلج. مشى ليو على الممشى الخشبي بجانب الشاطىء تحت تساقط الثلج الخفيف باحثا عن ولده. كانت الشواطىء، الكئيبة وغير المشمسة، فارغة وأكشاك باعة السجق وأروقة الرمي والحمامات العمومية مغلقة. وكان المحيط الزاخر بخليط النحاس والقصدير يتجمد وهو يتحرك كالرصاص المذاب. وتخللت ريح باردة ثيابه فبدأ يرتجف وهو يمشي. كانت الريح تعلو الموجات الرصاصية وموج البحر المتراخي يتكسر على الشواطىء المهجورة بهدير خافت. مشى في العاصفة حتى بوابة (سي كيت،) باحثا عن ولده ثم عاد ادراجه. وفي طريقه باتجاه (برايتون) رأى رجلا على الشاطىء يقف داخل الموج المزبد. نزل ليو درجات الممشى الخشبي وسار قدما الى الشاطىء الرملي. كان الرجل على الشاطىء هو هاري، يقف في الماء حتى كاحليه.

  جرى ليو نحو ولده. هاري، كانت غلطتي، سامحني. أنا آسف لأني فتحت رسالتك.

  لم يلتفت هاري. بقي في الماء، عيناه على الأمواج الرصاصية.

  هاري، أنا خائف. أخبرني ما الأمر. ولدي، أرحمني.

  هذا العالم ليس عالمي. فكر هاري. إنه يملؤني بالرعب.

   لم يقل شيئا.

   رفعت هبة ريح قبعة والده عن رأسه وحملتها بعيدا فوق الشاطىء. وبدت كما لو أنها ستحط على الموج ولكن الريح حملتها باتجاه الممشى الخشبي، تتدحرج مثل عجلة على الأرض. ركض ليو خلف قبعته. طاردها من هنا ومن هناك، ثم باتجاه الماء. ودفعت الريح قبعته نحو ساقيه فأمسك بها. سحب القبعة المتجمدة بأحكام على رأسه حتى أنثنت أُذناه. كان يبكي الآن. ومسح عينيه، لاهثا، بأصابع باردة وعاد إلى ولده عند حافة الماء.

   إنه إنسان متوحد. هذا هو حاله، فكر ليو. سيكون متوحدا دائما.

   ولدي الذي أمسى متوحدا.

   هاري، ما الذي استطيع قوله لك؟ كل ما استطيع قوله هو: من قال ان الحياة سهلة؟ منذ متى؟ إنها لم تكن لي وليست هي لك. إنها الحياة. ما الذي يمكن ان اقول اكثر من هذا؟ ولكن. لو ان شخصا لا يريد ان يحيا، ماذا يستطيع ان يفعل لو انه كان ميتا؟ إذا كان لا يريد ان يحيا فهو يستحق ربما ان يموت.

   تعال الى البيت، هاري، قال. الجو بارد هنا. ستصاب بالبرد وأنت تضع قدميك في الماء.

  وقف هاري بلا حراك. وبعد فترة ترك والده المكان. في الطريق اقتلعت الريح قبعته عن رأسه وأرسلتها تتدحرج فوق رمال الشاطىء.

   والدي يقف في الرواق. أمسكت به وهو يقرأ رسالتي. إنه يتبعني على مسافة في الشارع. تقابلنا عند حافة الماء. إنه يركض خلف قبعته.

   ولدي يقف وقدماه في المحيط.

 (ولد برنارد مالامود في بروكلين/نيويورك عام 1914 وتوفي عام 1986. كاتب روائي وقصصي. من رواياته: الطبيعي/1952 و المساعد/1957 و حياة جديدة/1961 و المُدَّبِر/1966- جائزة الكتاب القومي وجائزة بولتيزر ... ومن مجاميعه القصصية: البرميل السحري/1958- جائزة الكتاب القومي، والحمقى أولا/1963 ... القصة المترجمة هنا عنوانها الأصلي  My Son the Murderer   وقد نُشرت في مجلة  " إسكواير"  في تشرين ثاني 1968، ولكننا اخترنا لها العنوان اعلاه لتوافقه مع مضمون القصة ...)


ترجمت القصة عن مجموعة:

Penguin Modern Stories 1.
Penguin Books Ltd. England,1969
" My Son the Murderer." By Bernard Malamud.
Page 113-119

 

ahmedjassimalali@yahoo.com

عن موقع الكاتب العراقي
صورة dodo_nomercy

التعليقات (1)

دعاء 
شكرا لمجهودك
اختيار موفق كما هو الغالب 
صورة سلمي عمارة