وقائع موت معلن




(وقائع موت معلن )
إلى عبد العزيز جاسم .......
محمد علوان جبر



-  الدببة المتوحشة الفاتنة المولودة
                                               يوم الحرب بالذات ... تنطق
                                               بامنيات بريئة –


                                                          
        رسالة نسبت لاحد ابناء مدينتنا الذي مات في ظروف غامضة قيل انها
–       رسالة اسرار ومفارقات !.......
 او كان سقوطها  في احد مكاتب بريد مدينتنا  صدفة ... حيث لم يستطع سعاة البريد من اخفاء ماحدث ،  لهذا بات امرها معروفا للقاصي والداني ،  او ربما هي المفارقات التي احاطت امر القتل وغموضه  حيث اسقطت  الكثير من الاشارات الواردة فيه ....  تلك الحكايات الكبيرة التي كان عمرها اكثر من عشرين عاما  او ربما اكثر.. والقصة كما يرويها البعض ان السيد عبد العزيزجاسم كان احد اهم الشهود على ماحدث  في الارض الحرام حينما دفن جندي الدورية -  علي الكوتي - رواية( شرق المتوسط) بعد ان لفها جيدا ببطانية – اليطغ -  في حفرة احدثتها - قبل اقل من ساعة - قنبلة  في الارض الحرام  كانت قريبة منه فتخيل الموت باشكال شتى  وبات تواصله مع مايحيطه الان او قبل حين او مايمكن ان يحدث له او لغيره بعد حين , فلم يستطع من التواصل مع مايحدث حوله  حينها قرر ان يترك كل شيء خلف ظهره وهرب الى جهة مجهولة تاركا السيد( رجـــب ) والسيد( منيف) يعيشان مأزقا حقيقيا وهما بمواجهة غامضة مع الكثير من طبقات الطين والتراب  المعفر بالدم وهو يتراكم بكثافة  حولهما .... حيث انقطعا عن العالم و لم يعرفا لماذا هما هنا ؟  ولماذا  هما عرضة للقنابل ولماذا هما محاطان بالخوف والضعف .  ولكن حينما  بات خروجهما  من المحنة مستحيلاً استكانا  تماما ، حيث عجز السيد  منيف من اضافة سطرواحد الى( شرق المتوسط) بل انه ترك اوراق الرواية  تتحلل  وتتحد بالارض وترك مصير( السيد رجب) عرضة لاهواء ولمصير لايقل قسوة عما كان يعيشة تحت سياط جلاديه .
         كانت هذه المفارقة الاولى اما الثانية فهي تأكيده ان حسناء السينما الفرنسية السيدة المبجلة – رومي شنايدر – قد زارت في اوائل الثمانينات ( دبيسات العمارة ) تاركة  خلفها دور الازياء  الفاخرة ،  واكسسوارات باريس  وعطورها واستبدلت بمكياجها( ديرم) المعيديات -  كبديل موضوعي اولا ولانه اكثر حيوية من كل اصباغ الارض اضافة الى انه مجاني ومتاح للجميع –
     قال انها حقنتنا بقوة لكي نزيح وهمنا المزمن في تحديد تاريخ ينهي حربا بات مجرد الحلم بنهايتها  معجزة  لايصلها الا من كان يمسك احلامه جيدا ولايفرط  بها لأي سبب كان ،  وقد تحدث  باسهاب عن علاقة الموسيقى برومي شنايدر فكانت صورتها الملصقة على بوابة الملجأ مفتاحا  لدخوله في همجية النقاش الذي قال فيه بالحرف الواحد انها ( حلالة المشاكل )  التي تعاني منها تلك الوحدة في ذلك المكان النائــــي .  واذ يؤكد بما صرحت به سطور دفتر مذكراته في اعادات كثيرة تأكد انها ضاعت في زوايا الملجأ  ولكنها كانت تشير الى اليوم التاسع عشر من الشهر السابع من العام الثاني والثمانين وتسعمئة والف . وكذلك تلك المضبوطات التي استولى عليها جنود الوحدة والمتمثلة بأشرطة – الاتيفان – وكذلك البرقيات التي كانت تنهال على بريد مدينتنا وهي تشرح الظهور اليومي لشبحين متلازمين يطوفان الارض الحرام يوميا ينادى احدهما على الاخر باسماء غريبة لاعلاقة لها  بما يحدث حولنا لكنه حينما  سئل عنهما قال انهما منيف ورجب  يطوفان الارض الحرام يوميا لاعداد  أحصائية جديدة عمن قتل ...... وعمن دفن في الارض الحرام ...... ومن عدتهم وحداتهم مفقودين  . او لمعرفة ماحاصل زراعة الاجزاء المهمة من( شرق المتوسط)  في تلك الارض السبخة المشبعة  بالدم  والبارود .
  وقيل حسب ماجاء  في رواية السيد عبد العزيز جاسم أن أُُم ( علي الكوتي ) كانت تزور الارض الحرام كل اسبوع تنادى على ولدها من الصباح حتي المساء ،  وحينما يصيبها التعب تنهض لتعود من جديد في الاسبوع التالي .
     هذه الاحداث التي ساقت نفسها ولم يخبرنا بها احد ما ....على خلفية الموت الخرافي تحمل في اعماقها دلالات  لها علاقة بما يحدث اليوم فمنزلة من يجيدون حفظ وثائقهم في رؤوسهم تفوق كثيرا من يمرون بالاحداث  بشكل خاص او يشطروها الى اشكال اخرى  .
      هكذا اذن رحل عبد العزيز بسرعة رغم تأكيده - انه وغيره الكثير من ابناء جلدته  -  من الذين تناستهم اقلام الملائكة بحلول 8 – 8 - 1988 -  او ماكان يسميه اختصارا الثمانيات الاربع-....  وهكذا تأكد له انه نجا من الهول الذى كان منتشرا انذاك والذي يبدأ من كراج النهضة وينتهي في كراج النهضة لالسبب سوى ان السفرة واحدة والمعادلة هي في تأكده انه نجا من طلاسم واسرار كانت مهيمنة والتي  اول كلماتها  الانتطار القلق واليومي للموت وتنتهي في الموت ذاته الذي  ينشر روائحه في كل مكان يمكن ان تطأه  اقدامهما  .
     وفي لحظة  همجية لاتقل عن همجية  وقائع الموت المعلن في ذلك الفجر الدموي ،  حينما سقط البطل  ووضع اللمسة ماركيز مداريا ارتباكه وهو يفسر ذلك الاستسلام وسط  همجية  الموت...... وهمجية مرتكبيه .
   
     قد  نتواصل مع ماركيز  او  نقطع  القراءة وندير وجوهنا عنها او ننشغل  في مراقبة الشارع المكتظ  بحيوات الوجود ونحن نهرب من المناظر  التي  يصفها ماركيز وسط مشاعر اللعنة الازلية ....... اذ  يصور  سقوط  تلك الامعاء في الارض .

  عذرا  لااريد ان اسرد  لكم ماقاله ماركيزلاجنبكم  ما يمكن  ان يسببه نسيان وجوده الطاغي ولهذا انا مصر على انتزاعها من اكثر مناطق العالم  اوسخونة والتقاء  البطل عن المشاهد الاخرى وقد  اسبب لكم مااسببه من تقزز  ،  ولكن عبد العزيز جاسم لم يفعل شيء سوى انه نسبت اليه رسالة سقطت  سهوا في  قاع  صندوق بريد ناء في قرية  منسية منسوبة الى بلدنا ، تتحدث  عن علاقات الحب  المذهلة  التي تربطه مع ممثلات  القرن الماضي  .. وقد  اعلن في عدة  اماكن من الرسالة عن كراهيته المطلقة  للحرب  .
 
       هكذا  غادرنا السيد عبد العزيز جاسم  معلنا قبل ان يغادر عن كل الاسرار التي طالت حتى ابوه الذى شاركه  في رحلة مجنونة وصولا الى مدينة  الدبيسات مستصحبا معه ثلاجة طويلة تسع اكثر من عشرين جثة رجل كانوا ينتمون من بعيد او قريب الى مدينتنا ممن لم يستطيعوا النجاة من  مطحنة حرب  لم يكونوا  يوما طرفا  فيها ..  والمفارقة انها لم تتسع  الى جسد  عبد العزيز وغيره من الذين قرروا ان يلامس بعضهم  البعض  وكان اول احلامهم ان يخرجوا من دوائر الحرب الطويلة رغم انه تمنى  يومها ان تقله ثلاجة تسحبها سيارة يقودها ابوه  .
     ولم تتحقق  له تلك الامنية ...... وكذلك امنياته الاخرى في ان يكتب  رواية طويلة .....  اطول واوسع  من رواية شرق المتوسط حيث  كان يدعي انه سيحفر في الاماكن التي توقف عندها  السيد عبد الرحمن منيف  وهو يصف الزنزانات وهو يردد
 -  انا افضل من يتحدث  عن الزنزانات ،  استطيع ان اتناول هذا الموضوع  واصل الى اماكن يعجز ماركيز و دوستويفسكي من الوصول اليها  ، كان يثرثر كثيرا
 -  استطيع ان اتحدث  عن نوع  من زنزانات لاتوجد  في أى بقعة من بقاع الارض  ،  انها موجودة  في وطني فقط وقد  تم استيرادها  بطلبات  خاصة مشفوعة برسوم  عباقرة  هذا  الفن.

     عموما  رحل الرجل بمجرد ان  ضغط  متوحش  زناد  مسدسه  في  صدره  و حمل احلامه كلها معه وكذلك امانيه وكل وعود الحب  الكثيرة لنسوة  تحلقن  امام  المقهى  الوحيدة في    - دبيسات العمارة - ..    حينما اعلن موت  عبد العزيز كانت عيونهن تائهة ... وهذا  مايفسر  ثقل  الكيس  الكبير الذى حمله ساعي  بريد مدينتنا  .. حيث كان  يتأفف  من ثقله مع كل  خطوة من خطاه  المتجهة الى بيت قرب  شارع ( الفلاح )* ويطل على مكان قريب جدا من محطة الوقود في شارع ( الداخل) .


*   البيت المكان الذي قتل فيه السيد عبد العزيز جاسم ،  حيث كان ساعتها يقرأ رواية ماركيز -  وقائع موت معلن -
                                                  
صورة محمد علوان جبر

التعليقات (2)

العزيز المبدع محمد ابو الدنيا
رائع اشتغالك الجديد عل هذا النص الجامع على ثيمة حقيقية ومزجها مع رواية الشرق المتوسط العبدالرحمن منيف وعطفا على غرائبية ماركيز في وقائع موت معلن
نعم هناك تواشج سردي  وتوفيق واضح في طرح رؤية الموت والحرب   والانتظار ولا أظن  انني مخطيء حين اتذكر عزيز السيد جاسم الشهيد الحقيقي  في هذه  القصة وهو المفكر العراقي الراحل
شكرا  لهذا النص الجميل
صورة وديع سامخ
اولا عزيزي وديع انا  ممتن لك على قرائتك الدقيقة لي ،  كانت قراءتكم للقصة موضع اهتمام بالنسبة لي ولكني اود ان اوضح لك ايها العزيز الحقيقة التالية التي كانت هي مصدر القصة -  عبد العزيز جاسم -  انا استغرب انك لاتتذكره فهو شاعر وقاص ثمانيني ..... وقد اغتيل حينما داهمت عصابات الشر والقتل مقر الحزب الشيوعي في مدينة الثورة قرب شارع الفلاح وقتلوا من كانوا فيه وكان من ضمنهم حارس العمارة و عبد العزيز الذي كان  في زيارة للمقر بناء على موعد مع شخص تأخر كثيرا  عليه ففتح  رواية وقائع موت معلن وبدأ القراءة في اللحظة التي صعدت طيور الظلام عبر السلم القديم الذي يؤدي الى غرفتي المقر.....  اشكرك كثيرا وابحث في ثنايا ذاكرتك ستجد الشهيد عبد العزيز جاسم ماثلا فيها
صورة محمد علوان جبر