هناءات متكررة .... مونودراما




هناءات متكررة .... مونودراما
رعد مطشر



الشخوص: ضياء شابٌ وزّعته الهناءاتُ في حروبـِها... فقط !!
المشهد العام: (يفتح الستار، في يسار المسرح مصطبة ٌفارغة , وخلف المصطبة تمثال يمثّل شخصيتي( روميو وجوليت) ... في وسط المسرح مصطبةٌ تجلس عليها امرأة ورجل ؛ من الممكن رسمهما أو التعويض عنهما بدميتين مختلفتين لونا، في يمين المسرح وتد حديدي يتصل بأسلاك شائكة مقطّعة وقرب العمود كوّمة ٌ من الخوذ السليمة والمحطـّمة...وخلف الأوتاد تمثالٌ مكسورُ الذراع، والمكان عموما شبه مظلم، تسلّط بقعة حمراء اقرب إلى الدم على وجه التمثال المكسور الذراع يُسمع صوت من الخارج يلاحق البطل ـ كالظلّ ـ طيلة العرض ومع الصوت صدى "طبـّات" البساطيل على الأرض).
الصوت: يَسْ يَمْ.. يَسْ يَسْ .. يَمْ (يدخل من الجانب الأيسر للمسرح شاب أنيق يلبس ملابس مدنّية وعلى رأسه "بيرية" ويسير سيراً عسكرياً مرتبكاً رغم أنهّ مقاتل ).
الشاب: يَسْ هناء ..يَمْ سراب.. يَسْ يَمْ هناء ضياء يَسْ يَسْ نو / نو / نو
الصوت: يَسْ يَمْ.. إمخربط.. قابل دتلعت توكي .. يَسْ نو
الشاب: (يتجاهل الصوت مستمراً بالمسير تجاه يمين المسرح، مع أليَسْ يَمْ ) ..
الصوت: إلى الوراءِ دُرْ
الشاب: (يستمر بالمسير حتى يصل إلى الأسلاك الشائكة ، يتوقّف ، ينحني يفتح طريقه بين الخوذ ثم ..).
الصوت: ليش أُوكفت... إمخربط... اضربْها وأمشِِِِ ..
الشاب: (يتجاهل الصوت، يستقيم بوقفته ثم يستمر بالمسير) يَسْ يَسْ نو..
الصوت: (قبل أنْ يغيب الشاب في يمين المسرح) إلى الوراء دُرْ ..
الشاب: (يستمر بالمسير ثم يغيب)..
الصوت: أشبيك ما تسمع.. أكلك إلى الوراء دُرْ.. هذا إلي تعلمته..
الشاب: (في الكواليس) إلى الإمام سِرْ.. (صوتُ انفجار لغم)..
الصوت: (بعصبية وحشرجة).. أمخربط.. إلى الوراء دُرْ .. مثل ما كَلِنْا عَلَه مِشْط وكعَبْ.. وينْ راحت الأوامر والتعليمات؟ ماشي.. حضرّْ نفسك.. (إظلام شبه كلي ثم يـُضاء المسرح بعد لحظات ليدخل الشاب من يمين المسرح لابساً ملابس عسكرية ، بدون ، بيرية أو خوذة ، وعلى ملابسه بعض الدم والثقوب)..
الشاب: ( يصل إلى منتصف المسرح ، يقف أمام الدميتين ، كالمخّدر )..
ما زلتُ أراكِ في تفاصيل المكان ، وألمحكِ تصحينَ معي ، وتنامين بين ساعديَّ حين يحاصرُني الحنين ، فلماذا حين أراكِ أظلُّ وحيداً ؟ .. وحيدَُ رغم أنـّني رافقتُ الحربَ كثيرا ًولَمْ أنفرد إلاّ بالبهاء ؟ ولماذا تظلُّ كفّاي شـريدتين.. وأنا الذي كنت دليلَ الصباحاتِ المتشظّيةِ في رشقةِ مدفع.. كنتُ دليلَ كلَّ شيء ، أماّ..أمامك فأبحثُ عن لسانٍ ينقذُني من خجلي وضياعي ، أعرفُ انّكِ كنتِ تربطينَ لساني بالحياء ، وأربُطُ قلبي على ساريةِ التشتّتِ ... أريدُ أنْ أقولَها ... أحبـُّكِ أحبـّكِ أحبـّكِ .. فلِمَ تحبين الهواء؟! أأخرجُ لك دمي؟ هاكِ إنُّهُ أنا الذي عاشرتُ القتلى، صافحتُ سخامِ أكفانهم مراراً ومراراً .. وكان وجهي أبيضَ كالشهادة .. حطـّمتُ معاركَ الأمس واليوم.. ولكنّي أمامك شراعٌ محطّمٌ .. ما الذي أبحرَ بي إليك ؟ يا الله دلـّني على عنوان حياتي وأخطائي لأرسمَ طفلتي المدللّة.. كملاك .. وأسيرُ أمامها معتدلاً (يمشي بإتجاه المصطبة الفارغة مسيرة عسكرية منتظمة ) يَسْيَمْ يَسْيَمْ (يلتفت التفاتة كاملة) إنظري ، مسيرةٌ بهيّةٌ لا شيء فيها إسمُهُ إلى الوراءِ دُرْ .. وكيفَ أرجع إلاّ إليك ، فبوصلتي تشيرُ نحوكِ دوماً ، وأنت تشيرينَ إلى قلبي: تحطّم .. وكيفَ أرجع (يقف) وبكَ كنتُ أستعدُّ (يؤدّي الاستعداد العسكري) لكلَّ شيء .. وفيك كنتُ أستريح (يؤدي الإستراحة العسكرية) من كلّ شيء وفيك أستريحُ وأستعدُّ ، وأستديرُ (يلتفت نحو الدميتين) أتركُ روحي ليأخذها المدُّ في إرتقائِهِ وامنحهُ جسدي لتعشقَهُ موجتُك الوحيدةُ .. ياه .. يا صيحةَ العشقِ والموتِ .. مخبولٌ يبحثُ عَنْ قرار .. مخبولٌ يبحثُ عن رجولتِهِ أمام عينيك، فأميلُ إلى بريقها وتميلان إلى حائطٍ من سراب (مشيراً إلى الشاب ، وراكضاً صوب التمثال المكسور الذراع ) حائطٌ من سرابٍ يصفعُني (يحضن التمثال المكسور الذراع) أما تكفي الصفعات؟ ...حين أذكرُ صفعاتِ أبي صغيراً تصفعُني وحشةُ الحربِ كبيراً وتفرّقني ركلاتُ اصدقائي الموتى ، وتسحبـُني بسماتهم المخبوءة في نداءاتِ السماء المتكرّرة : تعالوا.. تعالوا (يترك التمثال ليركض على المسرح كالمجنون) تعالوا.. ياه .. حزنٌ ورحيلٌ صوب الذكرى والسنوات المطفأة ، واختفاء وجهكِ بين الترقّب والبحث والثبات (يقف) وأنتِ عادةً سِرْ .. وأنتِ: هرولْ حولَ سارية ِالحرب .. وأنتِ: ازحفْ حولَ أعدائك المجانين .. (يزحف) وأنتِ: ارتباكٌ وانسحابٌ منظّم .. (ينهض) وأنتِ تناثرُ خطواتي الثقيلة وانكسارُ يدي .. يَسَمْ يَسَمْ .. يَسْ .. نو.
الصوت: يَسْ يم .. إمخربط .. وين اكو يَسَمْ بالجيش؟
الشاب: (متجاهلاً الصوت) وأنتِ : إرفعْ يدك باستقامةِ الطيور .. وأنتِ وأنتِ .. وأنتِ .. وأنا ابركُ بانتظار إخراج رجليّ اليسرى من شِبَاك يدي اليـُمنى .. فألتفُّ حولَ نفسي في ليلِ المسافات المتعثّرة لأُفصّلَ على حياتـِكِ مقاسَ موتي ... وأغسلَ ثيابَك من عثرات قلبي .. تتعجبينَ ؟! (يركض باتجاه الدميتين ، ويجلس بينهما) (إلى الشاب – الدمية) أرجو المعذرة دعني أشرحُ لها (إلى الدمية – الشابة) لا تتعجّبي فانا وأنت مثل الحبَّ والحرب .. كشفٌ وإستلاب ، موتٌ وأنجذابُ .. انوثةٌ ورجولةٌ .. أعرفُ إنّكَ كنتِ تسمّين الموتَ رجولةً .. وأنا أسمّيكِ الحياةَ فلا ادري في أي هجوم سنتّحد ؟ .. أو في أي وقتٍ سيأنسُ الموتُ ليصيرَ أليفاً كالحياة .. ولا أدري ماذا اسمّيك يا إسماً في هنائه ذبول ضيائي .. (يدفع الشاب – الدمية) .. يا سيّدة الشكّ .. اقتلي ظنوّني .. تسامي لحظةً من أجلي (ينهض تاركاً الدمية الشابة) الشكُّ يا هنائي ؛ ذراعُ الموت إلى الهاوية ، والخيانة بابُ الدخول إليها .. وأنا احملُ شارةَ الموتِ والقلقِ الآنَ وقبل الآن...إنظري ( يستدير) هذا نتاجُ الشكّ سيـّدتي ... عيناكِ .. أعني...عينيّ تدوران في أسئلةٍ يخنقها الذهول ، تضيعان في مضائق لا تنتهي أبداً .. وأنت ِمثلُ مودّة ٍعانس ، تمزقين حياتي الى طلقتين تنامان في رأسي وقلبي كالجنازة .. أنتِ سماءُ ظنوني ، وبستانُ شكيّ الذي قاد عقلي إلى الهاوية .. (يركض باتجاه الأسلاك .. يمسّها كقتيل ) هنا كنتُ أصرخُ يا هناءَ الدم الذي فاض هنا .. يا دمي، هاتِ لي حُلُماً يغسلُ أعيني من الركض خلف القصف والنكوص.. (ينهض .. يرفع الدمية .. يحضنها) دعيني لا تحاولي دفعي .. فأنا زائر تثقلُهُ الساعةُ ويعانده الوقتُ (يهدأ) إسمَعي (يضع رأس الدمـية – الشابة على قلبهِ) نوحَ الليل ونعيبَ غرابِ البين .. وَدقَّةَ الأرض .. إسمعيها جيداً (يرقص مع الدمية) .. إسمعي لغمَ الحقولِ .. (يمسك الدمية من رأسها بِكلتا يديه) أُمّك حوّاء أضاءت قلبَ أبي لحظةً واحدةً فتهدّمت بعده الجنّة .. فأنيري قلبي بربعِ لحظةٍ ولتسقط بعدي كلُّ الحروب .. (صمت) أعرفُ ردّك ، فما دمتِ لا تقدرين اعطائي الهناء ، فاتركي لي بعض الوقت لأرقص معك .. لا تضحكي من طلبي وجنوني .. أرقص معك تحت السماء الصافية .. كنتُ أحدّثك في.. ما.. مضى عن بنات نعشٍ..كُنْ يتلألأن حين نكون معاً وحين نفترق .. وقد افترقنا .. يحملنَ نعشي .. لا تضحكي (يراقصها) ولا تذكّريني بالفجر الذي سيبزغ قريباً .. نعم نعم الوقت يحاصرني .. الوقتُ الوقتُ (يرقص بهستريا مع الدمية).. وقتٌ أحمقٌ أعارني ضيقَ ساعته وأعرتـُه وسعَ عمري والمحبّة ، هناء هناء .. أقولُها حين يحاصُرني الوقتُ فيأكلُ الرصاصُ همزتَك الوحيدةَ ويظلُّ لي هُنا أو .. هَنَا.. لا ترتجفي هكذا .. الرصاصُ أنا..
(يحضن الدمية بقوة).. ما جئتُ إلاّ لأحميكِ وأنسى كَمْ كنتِ إناءً لجروحي .. تماسكي .. سأحبُّك أكثر .. أباركُ الذين يسمّونك هناء .. واحتشدُ بظلمةِ إسمي ، وأباركهم أيضاً حين يـمحونَ من دفاترِهم إسمي .. ومن دفترك أيضاً وإلاّ فَمَنْ هو ضياء ؟! إذن فليكن ضياء فناء..
الصوت: (من جديد) يَسْ .. يَمْ .. لا تلغي .. أنت بمسير ..
الشاب: وليكن جنون ..
الصوت: إلاّ أخبْلك .. على هذه الخربطة ..
الشاب: (يأخذ الدمية يجلسها خلف المصطبة).. وليكن هناء .. بعيداً عن القصف (إلى الدمية – الشابة) إحتمي جيداً (ينهض) وليكن سرابٌ هبوطُ القذائف .. هيه .. ستهبط المظلات .. ولتكن الحربُ بلا راء .. ثقيلة (يركض إلى يمين المسرح يحمل أحدى الخوذ ليلبسها فتظهر أنها مربوطة بالخوذ الأخرى على شكل سلسلة).. سينتهي القصف (إلى الدمية) صدّقيني سينتهي الضجيج والقصف .. فقد لبستُ .. الخوذةَ وصرتُ قربانك .. لا ترفضيه هذا القربان .. ها .. لِمَ ترفضينه ؟! ما أنا بقابيل وما أنت بمنزلة الله – معاذ الله – لترفضي هذه الروح وهذا الجسد .. الذين أحبّاكِ بكلّ شيء .. خذيهما فأنا بين يديك رجلٌ أحبَّ كلَّ شيء حتّى الحرب .. لأنّها علمتني معنى أنْ أدافع عنكِ وأنت خلف ظهري .. (ينزع الخوذة) أيُّتُها القنابل ؛ سأرفع يدي تحيةً لعبوركِ عنها.. لا تلمسي هدبـها .. أيُّها العمّر القابل للانفجار ؛ إلى اليمين دُرْ (يركض بإتجاه المصطبة ، يرفع الدمية ، يجلسها على المصطبة) إخرجي .. إنتهى القصف .. تظنّين إننّي سأترككِ وحيدةً .. مستحيل .. فما خذلتُك في العودةِ والرحيل .. وإن سألتك يوماً:
- أيكون الحبُّ موتاً وانخذالاً ؟! وأنا الذي أتماسك بالألق والرجولة حين تجتمع أمامي كلُّ أُناث الدنيا والحروب ، وأمامك .. تذبلُ رجولتي والبطولات .. فهل للحبَّ فتحةٌ بيضويةٌ كفتحةِ المشنقة ؟ وهل لقلبي رأسٌ يختبيءُ فيها حين تجيءُ العاصفة ؟ لا .. لا .. إنّه ليس شِعراً أو هذياناً أو جنوناً ما أقول .. إنّه أنْتِ وَكمْ أنتِ في أنتِ .. أريد أنْ أسبَّ الهواءَ الذي تستنشقينَه، لكنَّ قلبي ليسَ من عادتِهِ أنْ يسبَّ هَنَاه ، رُغم اكتشافه المتكرّر بانَّ السعادةَ ما كانتْ من نصيبه يوماً ما .. بل من حظَّ الجالسين على المصاطب بانتظار حمايتنا له ... لا .. أعنيه (مشيراً إلى الشاب الدمية ، يرفع الدمية من الأرض ويضعها على المصطبة التي تجلس عليها الدمية – الشابة تاركاً بينهما مسافةً للجلوس) حتماً لا أعنيه بل أعني كلَّ الجهات وكلّ الخطى التي تأكلها السرفاتُ ، والخُطى التي يسحقُها الدوارُ والماءُ والطينُ ودوّامةُ الحبَّ في محيط الحرب .. وأعني بهذا خُطاكِ .. خطاكِ التي سأبحث عنها (يركض إلى مقدمة المسرح يبرك) سأبحثُ عنها خلف الأفق المذبوح بالصراخ والسكون .. هَنَاء (ينادي) أيَّتُها الفراشةُ المتنقلةُ بين القتلى (مشيراً إلى الجمهور) وقلبي .. (ينهض ملتفتاً إلى الدمية الشابة) صدّقيني بحثتُ عنك هناك ، بحثتُ في رأسي المتعب عن بديل ، مددتُ يدي بحثاً عنك في مجرّات خوفي فما وجدت غير عنوانٍ حزينٍ لوجهٍ فارقتْهُ الطُرقُ (يتحرك باتجاه الدميتين يجلس بينهما) هل كانت تلك أغنية الحلم ؟ أمْ أنْتَ قلبي المتجلي في شظايا الطريق .. (يمسد شعر الدمية) لا تقلقي فأنا الشظايا .. دعيني أحميك بغزلي .. تضحكين كم يفرحكِ هذا؟ لا يهم .. شفتاك (صمت) الغروبُ الذي يرتجفُ لونَه في رشقةِ هموم ، وفي حمرة السقوط .. الغروبُ النائمُ في لذّة الأفق المذبوح بالحرب في هذا النصف من الكون .. وبالخيبةِ في النصف الثاني .. تذكرين ؟ نعم .. كنتُ أعدُّ على شفتيك مرّات احتراقي .. لا تخجلي .. إنّه لا يسمعنا(مشيراً إلى الدمية الشاب) فالأغنياءُ لا يسمعون إلاّ أنفسهم .. سأكمل ..: عيناكِ (يصمت متأملاً عينيها) آه .. إني أعجز عن التغزّل بهما فالوقتُ يأخذني وليس بإستطاعة الموتى أنْ يتغزّلوا بالأحياء ، لا تفزعي .. ليس باستطاعة بناتُ نعشِ أنْ يحملنَ نعشي إلاّ حين ترفضينَ مجيئي ..لا تقلقي سأعدُّ نفسي للرحيل (ينهض) أسمعُها عربات القطارات الآتية نحوي .. سأعودُ ونتّفق في المرّة القادمة ..
الصوت: (بعد سكوت طويل) يغنّي:
يا ريل صيح بقهر / صيحةْ عشَكَ يا ريل / هُودر هواهم ولِكْ حَدْر السنابل كَطة ، يا ريل طلعوا دَغَش/ والعشكَ جذاّبي (ينقطع الصوت)..
الشاب: (يتكلم مع الصوت ، ووجهه بإتجاه الأسلاك الشائكة) إكملْ أيُّها الألم اللاّمسمّى ما هكذا تكون الأمانات .. إكملْ .. لأجلها ..
الصوت: (بنبرة حزينة) دِك بي طول العمر ما يطفه عطابي (ينقطع ثانية)..
الشاب: لا تسكتْ .. كُنْ معي مرّةً واحدة (صمت) تصمت ها ؟ سأكمل أَنا: مترافك ويه الدَرِب وترابَكْ ترابي .. نعم سأرافقها وأنظّمْ فُوضاي هذه الليلة (يعود إلى الدميتين يحمل الدمية – الشابة) سأحضُنها وأدسُّها بين الضلوع لتغفو .. إهدئي سنذهبْ معاً .. تخافين ؟ تخافين وأن معك ؟ الحرب ؟ ما بها ؟....
ستطيرُ على عمري .. على دمعي في جثثِ المجانين .. في ندائي الذي هدَّهُ الذبح . (يحمل الدمية – الشابة على ظهره ثم ينـزلها) كوني حزامي (يجعلها ملاصقة له من الخلف ، لاّماً ذراعيها على وسطه ثم أمام بطنه) سنبتعدُ معاً عن صوتِ الأمس ورصاصِ الوقتِ .. و أشياءَ كثيرةٍ (يمشي) سنترك الوجوه المتعبة ، وقطاراً يركضُ خلفَ قطار .. نحو الموتِ (يقلب الدمية بعنف ليضعها أمامه كمن ينـزع قميصه) تذكرين لعبة القطار السريع ؟ (يمسكها من ذراعيها ويقلد القطار السريع الذي ما وصل يوماً) مثل الطفولة هيا نغنّي (يغني) .. هذا القطار السريع ..
الصوت: (من الأفضل صوت جماعي) عو عو عو و و ..
الشاب: (يكمل) يمشي ويدمر .. ويبيع
الصوت: (يقف فجأة) ها .. عجبتك اللعبة ؟! حسنٌ .. خلّي نلعبْ عروس وعروسة ..
الصوت: وَضْع شناو خُذْ .. نَفّذْ..
الشاب: تستحين .. أويلي .. ما بالك لا تستحين الآن ونحن كبار .. فأنا إبنُ عمّك وقطارُ الطفولة ورفيق الدراسة والتعب .. وقرينُ الحرب و شبيه ُالذين رحلوا وأنين الجالسين على المصاطب .. أعني الحربَ .. الحربَ التي تشير إلى كلَّ الجهاتِ التي ينفذُ منها العدو إليك لكنَّ حبَّك ليسَ كبوصلةِ الحرب تلك لأنّها تشير إليكِ دوماً فماذا أفعل ؟! وكيف أميّزُ أعدائي فيك ؟! وجبهتي هناك وساتري هنا (يجلس الدمية على الأرض) آه ٍ.. أيُّها الرأسُ المعبّأُ بالدوار .. أريد أنْ أستريحَ فقط .. من ركضي كالحصان بين سائسين .. في الحربِ سائسي امرأة ٌتهوى الضياء وتعانقُ السراب وفي الأخرى سائسي ضبابٌ ينحر قامتي للدخان .. فأرضى بالقهر والحجر والتراب .. (يمسكها بحنان) ياوجه الصبح الأليف لا تنظريني هذه النظرة الغريبة .. أعرفُها حين التقيتك غريباً وأفارقك أكثرَ غربةً وضياعاً فليكُنْ : تذهبينَ لَهُ وأذهبُ أنا إلى رمادي .. وحقلِ موتي .. بانتظارك ..
الصوت: إنهضْ .. تجمّع ..
الشاب: (يـُنهض الدمية ، يحملها معه بطريقة غريبة ، فيحور الدمية الشابة إلى سَفَري أو يفتح حمالتها ويحملها هكذا .. كالحقيبة ، متّجهاً ، بإتجاه يمين المسرح ببطءٍ شديد) وبانتظار أنفاسك لأشعلَ شموعَ فرحي بك ..
الصوت: إحذر الثغرة ، كَدامك حقل ألغام .. هذا مو تدريب..
الشاب: لا يهم .. إشعلي شمعةَ عمري فرحاً بحبيبك الجالس هناك .. هيَّا (يحملها كحقيبة)..
الصوت: إحذر .. هذا .. الـ ..
الشاب: (متجاهلاً الصوت) أيَّتُها الرغبةُ الأخيرة إهدئي .. كوني .. سلاماً ينام فيه رأسي المتعب .. تسللّي عبر الثغرة ناراً تحت الرماد .. واتقدي ... (يغيب في يمين المسرح)..
الصوت: هيه .. إلى الوراء دُرْ .. دُرْ .. دُرْ ..
الشاب: (في الكواليس) .. هجومٌ جديدٌ .. تماسكي .. سنصولُ .. (صوت إنفجار لغم ، تتحرك الخوذ الساكنة بصورة مرعبة وتسقط الدمية – الشاب أمام المصطبة ..)
(إظـــــلام)
صورة رعد مطشر