هل تغرق سفينة حماس ببحر غزة؟!




هل تغرق سفينة حماس ببحر غزة؟!
سامي الأخرس




تعتبر حركة حماس من أكثر الحركات والأحزاب الفلسطينية التي استطاعت تحقيق إنجازات جماهيرية خلال فترة وجيزة من عمرها النضالي والكفاحي الذي أنطلق عملياً مع الانتفاضة الأولي أي بداية عام 1990م ، حيث استطاعت حماس بفضل التنظيم الجيد لجهازها العسكري والتمويل الغير محدود ، إضافة للقدرات التنظيمية العالية التي استطاعت من خلالها بناء قواعد تنظيمية وجماهيرية ذات أسس سليمة ومتينة من سحب البساط من تحت أقدام القوي والأحزاب والحركات الأخرى التي بدت تعاني من أعراض وأمراض الشيخوخة ، هذا إضافة لإدراك حركة حماس من أين تأكل الكتف فبجانب عملها العسكري سارت على نفس الوتيرة بالجانب الاجتماعي وتأسيس الجمعيات الخيرية التي اضطلعت بمهام جماهيرية تنظيمية من خلال تقديم المساعدات للمواطن الفلسطيني ، وكذلك العزف على وتر العاطفة الفلسطينية بنغمة المقاومة لإدراكها بأن نغمة المقاومة لها بريق خاص بنفس المواطن الفلسطيني ، فمن خلال العوامل العسكرية والتنظيمية والاجتماعية مع فهم حركة حماس ودراستها للتجربة الفلسطينية وتجربة الأحزاب الوطنية والعربية تمكنت من تجاوز السلبيات التي علقت بهذه الأحزاب وعلاج الأخطاء التي واكبت مسيرتها الكفاحية واستغلت ذلك في كشف هذه الأخطاء للجماهير والظهور بصورة الحزب الطاهر العفيف الذي يقف ضد أخطاء الأحزاب والثورة عامة ، وهو ما نجحت به لأبعد الاحتمالات وأفرغت معظم فصائل العمل الوطني من صورتها الكفاحية وزخمها الثوري وهو ما زاد من رصيد حماس الجماهيري ، بل وذهبت أبعد من ذلك حينما أصبحت تنكر دور الفصائل والقوي من إرثها الكفاحي وتزاود علي هذا الإرث وهذه المسيرة تحت شعارات تدغدغ مشاعر جماهير شعبنا ، وهذا من خلال جهاز إعلامي ذو كفاءة وقدرات عالية ومميز تفوق علي أجهزة إعلام العديد من الدول المجاورة على غرار إعلام قناة الجزيرة الفضائية والاحترافية الإعلامية ، وكذلك بناء تنظيمي وفق قواعد وأسس متينة يتم من خلالها تأطير وتعئبة عناصرها بثقافة خاصة لا تقبل الآخرين ولا تؤمن بهم ، إضافة للعامل والمكون الأساسي ألا وهو العامل الديني الذي تصطبغ به حركة حماس كعقيدة ومنهج وأيديولوجية وهو العامل الذي يشكل محور التفاف جماهيري .

استمرت حركة حماس في عملها وفق أسس محددة حتى أدركت أنها القوة الوحيدة التي تعمل وتدرك أين يسير مؤشر نهوضها وبنائها في ظل حالة الشيخوخة والغيبوبة التي تعيشها كافة القوي الأخرى بما فيها حركة فتح الحزب الأكبر الذي يمتلك المال والرجال والقاعدة الجماهيرية العريضة ورغم ذلك لم تتمكن من إعادة ترميم مؤسساتها وأطرها الحزبية بل تركتها فريسة لأصحاب الأطماع والمصالح فتحولت لشركة استثمار وأداة مرابحة شخصية تجسد بمسميات كتائبها وحالة التشرذم التي تعيشها ، وهو ما اسقط فتح في الاختبار الانتخابي الجماهيري ودلل علي تهالكها وتقادمها .

بناءً على ما سبق حصدت حركة حماس ما زرعته خلال المرحلة السابقة وخاصة مرحلة انتفاضة الأقصى التي استطاعت من خلالها بناء جيش مسلح بالعتاد والإمكانيات مستغلة مبدأ بندقية المقاومة وقدسيتها ، ومن خلال بناء مؤسسات تجاوزت مؤسسات حزب بل فاقت مؤسسات السلطة أي سلطة ظل بكل ما تحمله من معان ، وقفزت حركة حماس إلي سلم السلطة بطرق شرعية وديمقراطية وتحولت من حركة مقاومة إلي حركة سلطة وهنا بدأت مرحلة جديدة من عمر هذه الحركة ، ألا وهي مرحلة السلطة والثوب الجديد الذي لم ترتده حماس من قبل ، فأصبحت الحزب الحاكم الذي يلقي عليه مسؤوليات وطنية وشعارات سياسية تختلف عما سبقه وهي في صفوف المقاومة والمعارضة ، وهذا ما لم تتداركه حماس بل ما لم تعمله ، فأحزاب الحكم والسلطة سلبياتها وأخطائها تكون علي مرآي من الجماهير ومهما تم إخفاءها إلا إنها تفتضح ولا تخضع لمبدأ التبرير ، فالحكم ثوب أبيض يدنس بغبار السياسة والتصرفات ولا يمكن تبريره أو إخفائه ، كما كانت تطلق المبررات تحت شعار المقاومة ، والثوابت ، والوطن ...الخ والتي أتقنتها حماس جيدا ولعبت علي وترها باحترافية مشهودة، وبما إنها لم تكن مستعدة للسلطة والحكم ووجدت نفسها بين سنديان المسئوليات والحصار والسياسة ، ومطرقة شعارات المقاومة والثوابت التي لا تتوافق مع واقع أوسلو وتجلياته ، مما افقدها توازنها وقدرتها علي تبرير عيوبها وأخطائها ومفاتن السلطة وبريقها ، بدأت بالهروب إلي الخلف مما عبر عن اهتزازها وتخبطها بل ومكابرتها ، فهي بين نيران حب السلطة ونيران الجماهير ، وهذا ما أنتج عدم الاتزان السياسي والعسكري ودفعها لخلق معركة داخلية تحت شعارات الانقلاب على حكومتها والتحريض عليها ..الخ مما أقحمته من شعارات بعد استلامها للسلطة ، وعليه غادرت صفوف المقاومة الأولية لتزج بكتائبها وتشكيلاتها العسكرية والسياسية في معركة الفائز منها العدو الصهيوني الذي رأي أن حلمه وهدفه يتحقق ، فتحول المرابط القسامي من الحدود إلي الاقتحامات للمنازل والقتل وإطلاق النار علي المتظاهرين ، معارك شاهدها المواطن الفلسطيني والعربي شوهت الصورة الجميلة للفلسطيني المناضل المكافح، وتركت انطباع انه الفلسطيني المنصاع لسلطة كرتونية تدوسها أحذية العدو يوميا ، وهو ما ألحث اشد الضرر بالقضية الوطنية وبصورة المقاومة الوطنية ، واستمرت حماس بردات الفعل والهروب إلي الخلف حتى وصلت إلي الحالة التي نعيشها الآن من سيطرتها علي قطاع غزة سيطرة كليه ، من خلال الحسم العسكري الذي يدلل علي صبيانه التفكير السياسي لأصحاب القرار في هذا الحسم ، لقد وضعوا أنفسهم بمأزق خطير جدا ، وسقطوا في منحدر ضحل ، غزة التي أراد الصهيوني رابين أن يلقي بها بالبحر ليتخلص من عبئها وقساوتها ، هرول لها عسكر حماس وكأنهم فتحوا مكة وحرروا القدس ، فورثت شعب جائع فقير معدوم ، ومنطقة جغرافية لا تمتلك من مقومات الحياة شيئا .

يبدو
أن قادة حماس رغم إدراكهم لهذا المأزق إلا إنهم لازالوا يهربون إلي الخلف، ولا زالوا يتخبطون بحثا عن طوق النجاة الذي ينقذهم من الغرق في بحر غزة وأمواجه المتلاطمة ، فزاد تخبطهم واهتزازهم ، وهذا ما تمثله التصرفات اليومية والعنف الغير مبرر ضد أهلهم وجماهير شعبهم بدواعي الفلتان وهاجس الأمن الذي أصبح الغول المرعب والشبح المزعج الذي تحول لهاجس وإنعكس علي تصرفات حركة حماس في غزة ، مما يدلل علي إنعدام الأفق السياسي والقدرة القيادية التي تؤهلهم للخروج من حالة التوهان التي تعيش فيها حماس بعد الإنزلاق في مستنقع السلطة والحسم العسكري ، فتارة تتخبط يمينا وأخري يسارا وبمزاج تتحكم به العصبية وضيق الأفق وقصر النظر الذي نشاهده تارة بمهاجمة الرئيس محمود عباس واتهامه بالخيانة ، وتارة بالاعتراف بشرعيته ، وتارة تهاجم فتح وشبابها وعناصرها وتلاحقهم لمجرد مسيرة جماهيرية أو راية ترفع هنا وهناك أو أغنية في حفل زفاف ...الخ ، وتارة أخري تهاجم حركات الفعل الوطني كحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية ...الخ .

فهذه الممارسات تؤكد أن حركة حماس افتقدت لتوازنها السياسي وأصبحت تعيش هاجس الهزيمة السياسي والسقوط ، فاحتكمت لردات الفعل السياسية ، وسخرت جل طاقاتها وقدراتها في صغار الأمور وهو ما يعكسه إعلامها الذي أصبح كل ما يشغله الدفاع عن نفسه وعن تصرفات الحركة في غزة وهو ما مثل إساءة لحركة حماس ، وتعرية لها أمام شعبها والشعوب العربية .

من يشاهد حالة قطاع غزة يتساءل هل يعلم قادة حماس ماذا يفعلون ؟ وهل يدركون لأين يسيرون ؟ أم أنهم اعتقدوا أن سيطرتهم علي غزة ستدوم إلي يوم الدين .

شيء غريب ما يحدث في غزة ، والشيء الأكثر استغراب واستهجان تصرفات عناصر حماس المسلحة وصمت المستوي السياسي عما يحدث ، فحركة حماس بنت جماهيريتها ونجاحاتها بدماء العشرات بل المئات من الشهداء ، وتضحيات جسام راح علي مذبحها الياسين ، والرنتيسي ، والمقادمة ، وصلاح شحادة ، وأبو شنب ، وعياش .....الخ من الشهداء فهل هانت عليهم هذه الدماء التي بنت مجد وتاريخ معمد بالدماء ؟ وهل افتقدت حماس للرزانه الوطنية وأصبحت لا تعير جماهيرها اهتماما ؟ وهل تلاشي القادة الأوفياء بهذه الحركة ليصرخوا بوجه مراهقي الفكر وضيق الأفق كفي ارحموا دماء
الشهداء ؟

كل المؤشرات تؤكد أن حماس لا زالت تعيش حالة اهتزاز شديدة وفقدان ثقة بقدرتها علي اتخاذ الموقف السليم ورسم السياسات التي تؤهلها لتكون حزب حاكم ، وأنهم يعيشوا بوهم الشعار وتحت سطوة الانخداع التي تزفها بعض الأقلام المهرجه الذين أصبح الاسترزاق مهنتهم وهدفهم من علي شاشات الفضائيات والخطابات .

نعم ربما نجحت حماس في سيطرتها العسكرية ، وربما نال منها الغرور ما نال بنصر واهم كاذب ، نصر الهزيمة أرحم منه ، نصر رسم علي جماجم وأجساد أهلهم وجماهيرهم وشبابهم ..... فهل سيغفر لهم شعبنا ما فعلوه بالمشروع الوطني ؟ وهل سيغفر لهم هذا الشعب كم الظلم الذي يعيشه الآن ؟

تدور عجلة التاريخ ، وتتواتر سرعتها حتى تدوس الجميع .... فهل يعقلون؟


سامي
الأخرس

1/9/2007


صورة سامي الأخرس

التعليقات (4)

الأخ سامي الأخرس
تذكرني مرارة مقالك بسخرية محمود درويش عندما قال: صلوا عليه وسلموه إلى العدو
 للأسف إننا ندفع ضريبة تخلقنا عن ركب التاريخ ولغة العصر.
صورة عبد الحميد شوقي
استاذ سامي

من يعرف بحر غزة وامواجه العاتية ،يعي تماما أن من ينجو لابد وأن يكون سبّااحا ماهرا يجيد تسير دفة السفينة
ولا أخالهم إلا غارقين
لا آسف سوى على الشعب المسكين
احترامي وتقديري
إيمان الوزير
صورة إيمان الوزير
الاخت ايمان فعلا من يدفع الثمن الشعب المغلوب علي أمره وقضية وطنيه راح ضحيتها تضحيات جسام في ظل عدم القدرة علي السباحه بامواج بحر غزة
دمت دوما
سامي الأخرس
صورة سامي الأخرس
اخي عبد الحميد فعلا صدقت وكانت كلمات وكأنها قراءة للماضي والحاضر والمستقبل
التحية والاحترام
سامي الأخرس
صورة سامي الأخرس