نصائح إيبوير




نصائح إيبوير
مصطفى محمود


نصائح إيبوير
قصة من الأدب المصري القديم ـ الكسندر نميروفسكي ـ ترجمة مصطفى محمود
هذه القصة مأخوذة من النصوص النبوئية المصرية القديمة، تعكس الصراع الاجتماعي العميق في المجتمع المصري حوالي سنة 2000 قبل الميلاد


يتحرك اللوح الحجري الذي يغطي الحفرة، ينزاح جانباً، تسقط أشعة الشمس على الجدران الحجرية الملساء. محفة من القش يرقد عليها الجسد الساكن. صوت يقول: "انهض يا إيبوير". ينهض الرجل مطيعاً. تبدو الرأس المشعثة من أعلى كقبعة من وبر الجمل.
"انظر إليّ".
رفع الرجل رأسه. وجه طويل نحيل، جبهة عريضة، عينان مفتوحتان واسعتان، يبدو أنهما لا تريان.
سأل الصوت: "من أنا؟"
"أنت؟ .. المطلع على كلمات الرب، أنت هو الذي يسبح باسم الإله، من يهب الصدقات للفقير، أنت من يُعلِّم العدل، دام بقاؤك".
هكذا أخذ السجين يتلو الكلمات المحفوظة ويرددها.
"هل تتذكر لماذا أنت هنا؟"
"لا"
"هل ذهبت من قبل إلى منزل الذاكرة؟"
"لا أعرف"
"هل زارتك من قبل (ماعت) ابنة رع؟ .. ألم تمسك بيدك؟"
صرخ الأسير: "لا أتذكر" .. وأخذ صدى صرخته يدوي بين حنايا الأعمدة ليخفت متسرباً إلى سراديب المعبد.
"إذن تعالى"
تلمس الرجل طريقه مترنحاً إلى السلم الذي أُنزِّل به إلى الحفرة. وأحس بالمتعة لملمس الخشب الدافئ تحت قدميه العاريتين، ذلك الملمس المختلف تماماً عن الحجر البارد أو القش المبلل. خشب؟ ـ ذلك كان جزءاً من العالم البعيد المهجور.
وسرعان ما تسلقت قدما الأسير درجات السلم الخشبي. وقف إلى جانب حافة مقبرته الحجرية واغتسل بضوء الشمس. مشى خطوات معدودات وتعثر في جدار تزينه نقوش بارزة. مد يده يتحسس الصورة الناتئة.
قال الصوت: "اذهب يا إيبوير، على ألا تعود إلى منزل الرب ثانية إلى الأبد لأنك دنسته".
واستدار الرجل وجرى، إن جاز أن نسمي ذلك جرياً. كان يرفع قدميه عالياً وينزلهما غير بعيد من مكانهما، فلم يكن يتقدم إلا بصعوبة بالغة. كان الأمر يبدو وكأن ساقاه مقيدتان بكرات من الصخر تجذبها إلى أسفل. ثم سقط على الأرض وراح في النوم. استيقظ على لمسة يد. لم تكن يداً على وجه التحديد، بل نباتاً يحركه النسيم. حاول إيبوير أن يتذكر اسم النبات وهو يتفحص ساقه الشائك، ولم يفلح، وهام على غير هدى.
"أنت! خذ يا أنت!"
صوت غريب ينادي. والتفت إيبوير ليجد رجلاً راقداً على بطنه على بعد عشر خطوات. كانت رجلاه مرفوعتين. ورأى إيبوير أن أسفل قدميه متورمان يكسوهما اللون الأسود والأزرق.
سأله إيبوير: "ما الذي حدث لقدميك؟"
"ها، ها ألا تعرف؟" كانت ضحكة الغريب تبقبق مثل الماء في غليانه. قال أيبوير مهموماً: "شيء ما قد حدث لرأسي. أنا لا أتذكر شيئاً". رد الرجل وهو يتحول نحوه متألماً: "لا تقل لي إنه لم يحدث مطلقاً أن اعتلى أحدهم ظهرك ورفع ساقيك وضربك على باطن قدميك بالعصا؟"
قال إيبوير: "لم أر شيئاً من هذا يحدث أبداً، لكن يبدو أنني أتذكر شيئاً ما، تقرير المراقب ومذكرة الإله العليم على البردية: ثلاثون جلدة…". دمدم الآخر: "تقول ثلاثين؟ لكن الجلاد أضاف خمسة من عنده. أنا لم أعد بشيء أبداً، أي شيء على الإطلاق. لقد تبع سنوسرت أوزيريس في السنة التاسعة عشر من حكمه ونحن الآن في السنة السادسة من عهد الإله أمنمحات". تمتم إيبوير: "ثمان سنوات! وكنت أظن أنه الأمس".
سأله الآخر: "هل ضربت على رأسك؟"
"ثمان سنوات ـ ثمان سنوات في زنزانة حجرية ذات جدران ملساء كالمقبرة. صمت مطبق. الصخر سحق ذاكرتي".
قال الآخر: "الآن عرفت، أنت خاطف الكنوز. إنه من جراء فعلتك أن أخذ الناس يغنون: (جوة الهرم كان ياما كان ـ دلوقت فضي وماعدش كان).
تساءل إيبوير متعجباً: "من الذي قال هذا؟" كان الألم يعتصر صوته "من أين جئت بهذه الكلمات؟"
قال الآخر "تقول من أين؟ إن كل شخص يغنيها. أولهم الخزاف صانع القدور. فهو يدير عجلته ويغني طوال اليوم. لكن من أين جئت أنت بهذا الخبل؟ حقيقة، لابد وأنك ضربت فوق رأسك".
ولم يعد إيبوير يسمع المزيد. كان يجري بأقصى استطاعته. الأرض التي اضطجع عليها أعادت إليه قوته.
***
عجلة الخزاف مستمرة في الدوران، ومن الكتلة الطينية الرمادية التي لا شكل لها بدأ الوعاء الفخاري يتشكل وتتحدد معالمه على الإيقاع الرتيب لصوت دورانها. من على السرج ترجل الرجل مترنحاً، وتشبث بعنق الفرس. إلا أن الفرس كان جريحاً بالتأكيد، لأنه صهل وانهار في مكانه كأنه يغوص في الأرض.
الخزاف يغني أغنيته المفضلة:
"بص على اللي عمره ما شاف مروحة، دلوقت هو صاحبها،
مع إن اللي مالكني بيتهوى بالنسيم
وبص على اللي كانت بتشوف وشها في المية
دلوقت عندها مراية
وبص على اللي كان بينام على الطين
دلوقت عنده سرير وملاية".
يطبق على المكان صوت أنفاس ثقيلة لشخص ما تعلو فوق خشخشة عجلة الخزاف الذي يبطئ من غنائه. الخزاف يوقف العجلة ويدير رأسه. يرى عجوزاً متهالكاً رثاً له عينان خاويتان كعيون الجثث.
ناشده العجوز أن يستمر "غني، غني، غني من فضلك".
سأل الخزاف: "من أنت؟ وماذا تريد؟"
رد الغريب: "أنا إيبوير الذي فقد ذاكرته. كنت مسجوناً في مقبرة حجرية لثماني سنوات حتى أخبرني ذلك الذي يعلم كلمة الرب أن باستطاعتي أن أذهب. لكن ما قيمة الإنسان بدون ذاكرة؟ إنه مثل الفراشة التي تعيش ليلة واحدة. وهناك عند أعالي النهر، دلني ذلك الشخص الذي ضُرِّب بالعصا. أعطاني الخيط الذي قادني إليك أنت الذي تعرف الأغنية. من أين أتيت بها؟"
يمد الخزاف ذراعيه. "الأغنية؟ يمكنك أن تسألني أين حفرة الطين أو من أين آتي بالماء، فأجيبك. هاهي يداي، أشكل بهما الجرات والأباريق. حينما أغني فإن هذا يخفف عناء عملي. لكني لا أستطيع أن أشير على أي فرد وأقول هاهو الرجل الذي صنع الأغنية".
ودفع الخزاف عجلته في غضب، فأخذ الإبريق يلف مثل فتاة حبشية ترقص في عيد أوزوريس. شرع الخزاف في الغناء وهو يلمس برفق الإبريق بيديه:
"حقيقة: نبيل في حزنه وشعبي في فرحه. حقيقة: الأرض تلف مثل عجلة الخزاف.."
فجأة صاح إيبوير في ابتهاج، كما لو أنه لقي صديقاً فقده منذ أمد بعيد: "وجدتها، لقد رجعت!!"
تفتحت ذاكرته مثل زهرة اللوتس أمام أشعة الشمس عند الصباح. تذكر كيف حدث كل ذلك. في "منزل الذاكرة" كان يتصفح ويقلب أوراق مراقبي الحقول وحراس المخازن الملكية والمشرفين على الكتبة وناقشي الأحجار. قبل حلول الليل كان يتعين عليه أن يقدم تقريراً عما ينبغي فعله لمضاعفة ممتلكات إله الخير. أخذت تتوالد من رأسه أسماء الفلاحين الذين استولوا لأنفسهم على بضعة حفن من الغلال، هؤلاء الذين لم يسددوا أجر استخدام الملابس، الغسالون الذين مزقوا الكتان الملكي، قاطعوا الأحجار الذين لم يتموا التكليف اليومي، النساجون الذين لطخوا الأكفان المخصصة لجثث القطط المقدسة.
وبدا له أنه سمع أصوات كل هؤلاء بوجوههم التي شوهها الخوف.عشرون جلدة، ثلاثون، مائة! فجأة بدأ هو أيضاً يرتجف. وتخيل كل هؤلاء الناس متلاصقي الأكتاف يتراصون في مجموعات ويهتفون بشيء ما دونما وجل، وقد استبد بهم الغضب.
وانسل خلف ظهره خلسة أحد الظلال. ورأى ريشة النعامة البيضاء على رأسها، وتعرف عليها، إنها ماعت، ابنة رع، إلاهة الحقيقة والعدل والقانون. ورمقته بنظرة، نفذت إليه، مست النخاع. وشعر بيدها ترتفع وتدفعه صوب منضدة مفرود عليها لفافة من ورق البردي.
ولم يعد يتذكر كيف أمسكت أصابعه بالقصبة، وكيف اكتسبت القوة. كانت القصبة بمثابة المجداف له، عندما يدفع بها تخشخش الأوراق وتتشكل عليها الحروف، مثلما يشكل المجداف سطح البحيرة. إلا أن تلك الحروف لم تكن تختفي مثلما تتلاشى الحروف المكتوبة على صفحة الماء، لقد انتظمت هذه الحروف وتراصت بإتقان، حرفاً هيروغليفياً بعد حرف، سطراً بعد سطر، ليملئوا لفافة البردي بأصوات الرجال الذين فازوا لأول مرة بالحرية وذاقوا طعمها.
واقترب أحد الكهنة الصغار، وانحنى فوق اللفافة. لا لم يتذكر إيبوير وجهه، بيد أن الكلمات التي نطق بها مازالت تتردد في أذنيه:
"إيبوير، إن لك رأساً جميلاً"
وكانت تلك الكلمات هي آخر شيء سمعه هذا اليوم، لأنه بعد أن وضع كل شيء أملته عليه ماعت على ورق البردي، راح في ثبات عميق هو الأقرب إلى الموت.
وعاد وعيه حينما سمع صوته، ذلك الذي عرف كلمة الرب ـ صباح اليوم التالي أو اليوم الذي يليه، إذا كان قد نام أكثر من ليلة ونهار.
قال ذلك الذي عرف كلمة الرب: "لقد قرأت ما كتبته. إنني ارتقيت بك وأعليت من شأنك أيها الدودة الحقيرة، وهديتك إلى منزل الذاكرة، وعهدت إليك باللفائف المخفية التي لم يطلع عليها أحد. وطلبت منك أن تجد السبل لزيادة الممتلكات الملكية، لا أن تحض على التمرد. من علمك هذه الحروف الفاسدة، تلك الكلمات الكاذبة؟"
رد إيبوير، وهو يثبت نظره على الكاهن الأعظم: "ماعت، هي التي حلت البردية، وهي التي وجهت يدي، فأنا لم أعرف تلك الكلمات من قبل".
صرخ الكاهن الأعظم غاضباً: "أنت كاذب يا إيبوير، لم تكن هي ماعت التي تسهر على السلام والنظام، إن روح الثورة مع ريح الشر تهب من الصحراء. الريح هي التي وضعت تلك الكلمات في رأسك، (الأرض تلف كعجلة الخزاف) لن يحدث ذلك أبداً، أبداً. سوف يحتفظ الأغنياء بالسلطة والثروة، وسوف يظل الفقير يخدمهم ويعاني من أجلهم. سوف تتمزق اللفافة إلى شذرات تحترق وتذروها رياح الصحراء. أما أنت، فسوف أخفيك عن الأنظار حتى تتطهر ذاكرتك من الشر".
لقد وضعوا إيبوير في زنزانة حصينة، مكث بها ثماني سنوات، فمن الذي ترك كلماته تهيم على وجه الأرض؟ هل هو الكاهن الصغير، الذي قال: "إيبوير، إن لك رأساً جميلاً"؟ أم كان هو الشخص الذي أمر أن تؤخذ اللفافة إلى الصحراء؟ لقد أحرقت اللفافة وليست الكلمات التي نطقت بها ماعت. فالريح لم تبددها ولم تذروها بعيداً، لم تحملها إلى البدو والأعراب. لقد كانت تعيش هنا على أرض النيل العظيم، وكانت تتناقلها الأفواه. والآن تذكر إيبوير كل كلمة كتبها حينئذ، وتذكر حياته كلها، من اليوم الذي أخذه أبوه إلى منزل الرب حيث لُقِّن بكل الحكم المحظورة على الدخلاء. كم كان فخوراً حينما حلق رأسه وارتدى الملابس الكتانية الفاخرة.
وتحسس إيبوير شعر رأسه بأصابعه، وشعر بالراحة، كما لو كان قد نجا من الحفرة ذات الجدران الحجرية الملساء التي لا قرار لها. ووجد نفسه في حديقة وارفة ذات جذور متشابكة، وعشب مشوش، وطيور صداحة، وحياة مائجة.
أوقف الخزاف العجلة مرة أخرى ونظر على الغريب متفحصاً. كان واقفاً منتصب القامة، تلاشت من جبهته التجاعيد، وأشرق محياه، وبدا كما لو كانت شرارة الأغنية تبرق في عينيه.
قال الغريب وهو يطبق قبضته: "اسمعني أيها الخزاف العجوز، إنني أعرف كيف يُقتطع جزء من الكبد، كيف يُخلط بالدم، وكيف تُصاغ منه الأغنية، وكيف تُخبز على نار الخلود. وتذكر ما أقوله لك ـ وصايا إيبوير الذي استعاد ذاكرته".                                              
    
صورة مصطفى محمود