مونودراما رسائل الريح




رسائل الريح
مونودراما
جمال كامل فرحان



غرفة نوم صغيرة، إنارتها خفيفة بعض الشيء. يرى في المنتصف سرير غير مرتب الأغطية وعلى اليسار ثبتت مكتبة مكدسة بالكتب. فيما وضع في اليمين تلفاز على منضدة قصيرة القوائم، قريبة من خزانة ملابس عالية. نلاحظ أشياء عديدة مبعثرة فوق أرضية الغرفة، كتب، أوراق، مشط شعر نسائي، مزهرية مهشمة، ساعة منضدية مقلوبة الوجه إلا أنها تتكتك باستمرار. نسمع همس مبهم وحركات غريبة تصدر من الزوج الذي يلاصق زوجته فوق السرير
.


الزوج: (هامسا بكلمات مدللة) ليس لي من أمل؟ ها، ليس لي من أمل مطلقا. ( يضحك ضحكة باهتة قصيرة) لا أريد أن اصدق يا زوجتي الغالية لم اكسر قلبك الطيب ولم تسامحيني بعد. آوه، يا عزيزتي يكفي هذا الدلع وكلميني. مرت ساعات وأنا أرجو منكِ السماح على ما فعلت. لم اقصد أن أوذيكِ صدقيني.

(يبتسم ويهز كتفها مازحا).

حلقي قد جف من التوسل وأنتِ لا تبالين ولا تنظرين إليّ. هيا يكفي هذا الزعل، لا استطيع أن أتحمل واصبر أكثر من ذلك.(صمت قصير) إلى متى هذا الخصام؟ ماذا تريدين أن افعل من أجلكِ (يميل رأسه لها) وهذه قبلة أخرى( يمطر وجهها بالقبل) والله أنها ساعة غضب لعينة وذهبت إلى الجحيم. تعرفين جيدا أني احبكِ ولم أضربكِ طوال زواجنا، إلا تلك الساعة اللعينة (يمسد رأس زوجته ويلاعبه) وكانت بسببهم وليس بسببي، أنتِ تعرفين ذلك جيدا. هم من فعلوها وذهبوا إلى الجحيم.(بعصبية) لا يتركونا بحالنا حتى هنا، فعلوها وافسدوا علينا هذه الليلة الجميلة فكان هذا الخصام والزعل.

(يتلفت برأسه حائرا ثم يجد جهاز التحكم عن بعد فيشرق وجهه)

ماذا تريدين أن تشاهدي الآن في التلفزيون. هيا يا عزيزتي قولي شيئا. ( يمد لها الجهاز بيد مرتجفة) خذي أنتِ اليوم دفة القيادة. أني أتنازل عنها بطيب خاطر. شاهدي ما يسرك من برامج. لن افتح فمي اليوم بشيء، سأتنازل هذه الليلة وغدا وبعد أسبوع عن متابعة الأخبار.

(صمت قلق).

لا تنظري إليّ هكذا غير مصدقة .. نعم، لا متابعة بعد اليوم، لقد أدركت أخيرا أنها لا تأتي سوى بالمتاعب والخصام بيننا. سأبقى الليلة فقط، أتأمل عينيكِ الجميلتين وأنتِ تشاهدين فلم السهرة أو مسلسل أدمنتي على متابعته منذ شهر. لن أقول عنه انه سخيف ومملّ ويحمل أفكارا رجعية أو يُقدم واقعا آخر، واقعا مزيفا ليس له صلة بمشاكلنا. سأجلس ساكتا أنتظر منكِ الغفران يا قلبي.

( ينظر لها بوجه وديع لفترة).

لا، لا يا حبيبتي، لا تشيحي بوجهك الجميل عني .. أني لا أتحمل أكثر من هذا. آوه عزيزتي كفى، كفى دلعا عليّ .. لم أكن اعرف أن لكِ قلبا قاسيا بهذا الشكل. أني لا اقدر على خصامك ولو لثانية .. أين تعلمتِ كل هذا الجحود.

(يترك الفراش ويسير عدة خطوات).

لكِ كل الحق يا حبيبتي، أنا استحق أكثر من هذا. أنها المرة الأولى – كما تعرفين- التي اقرُ فيها بذنب أو خطئ اقترفته. لست من الأشخاص اللذين يتنازلون بسهوله عن مواقفهم مهما كانت الأسباب. صغيرة كانت هذه الأسباب أم كبيرة. كثيرون لا تجدي فيهم هذه الخصلة، حتى اقرب الأصدقاء تخلوا وتنازلوا عن موقفهم من اجل مصلحة أو منصب. فيما بقيت وحدي لا أتزحزح كالصخر، رافضا وممانعا كل التسويات معهم. الموقف هو ما حملته أنا رغم كل الظروف ..( في ذروة حماسه ينتبه لنفسه فجأة) لا عليك من كل هذه التفاهات يا عزيزتي ونظري إلى فلم الليلة، سمعت من الأصدقاء انه مسلي ومضحك كثيرا.

(يقترب من التلفزيون وينظر بوجه باسم ثم يقهقه بصوت عال).

شاهدي يا قلبي ماذا يفعل هذا الأحمق بحق الشيطان. آه، يا له من ممثل .. يكاد قلبي يقف من الضحك (يصفق بيديه وضحكاته تتعالى ثم يلتفت إلى زوجته) لِمَ لا تضحكين يا قلبي، ألا يعجبك الفلم. هل أُدير القناة ( يحاول الاقتراب من السرير إلا انه يتراجع) نعم، سأغير هذا الفلم.

(يدنو من التلفزيون، يضغط أزرارا وهو ينظر لزوجته).

ها، ما رأيكِ، أتصور أنها أجمل وأفضل من الفلم.

( لا شيء يحدث، صمت ثقيل يخيم على وجه الزوج).

عزيزتي فيما أنتِ تسلين نفسك بمتابعة المسلسل سأقرأ أنا قليلا.

(يتوجه إلى المكتبة، يقف حائرا لبعض الوقت. تمتد يده وتلاعب الرفوف والكتب بعصبية واضحة. يفتش بسرعة، يبعثر عدة كتب، يزيحها، يحملها ثم يسقطها بعنف على الأرض. يلتفت إلى زوجته). عذرا يا صغيرتي على هذه الفوضى. لم أجد الكتاب اللعين بعد، أمس وضعته هنا، على الرف الثالثة، والآن لا أدري أين اختفى. ( كما لو كان يفكر) اعتقد أني وضعته في مكان آخر. آه، لهذه الذاكرة السخيفة. تابعي أنتِ ولا تهتمي، سأجده أين يذهب .. هل يطير؟

( يبتسم ويعود إلى البحث لكن في فوضى اشد من السابق. ينتبه لكتاب، يمسكه، يتأمله، يقلب صفحاته ثم يلتقط صورة).

آه، ما أجملكِ يا روحي. كما لو كنا التقطناها أمس. أتصدقين لم يغير فيك الزمن شيء. بل أعطاك سحرا فوق جمالك.(يخطو عدة خطوات من السرير) انظري يا زوجتي إلى هذه الصورة كم من السنوات مرت عليها.

(يحاول الاقتراب، يتردد لفترة ثم يجلس على احد الكراسي).

أنا وأنتِ في المتنزه، هل تذكرين؟ خرجنا بعد أن بذلت جهدا كبيرا لإقناع والديك بنزهة لا تتجاوز مدتها ساعة واحدة. (بنبرة استخفاف) كنا مخطوبين ومع ذلك كانا يخافان من كلام الناس. لا تتأخرا في المجيء .. اشتروا ما تحتاجونه من السوق سريعا .. لا تضحكوا أو تقفوا في الشارع طويلا فتكونون نهبا لعيون المارة التي لا ترحم.(يهز رأسه ويطلق زفره) يا لها من سخرية تدعو إلى الضحك، حتى في بيوتهم يخشون الناس ويحسبون لكلامهم ألف حساب. كما لو كنا يا عزيزتي نعيش حياتنا وفق أمزجة ورغبات هؤلاء الأغبياء. لم يكذب من قال: الناس هم الجحيم بعينه.

(فترة صمت قصيرة).

ما أحلا ذلك اليوم. هل تذكرين.( يشرق وجهه بابتسامة) نعم، اعرف انكِ تذكرينه جيدا. كنت تجلسين قربي، خجلة وصامته .. لا تتكلمين وان تكلمتِ فكنت لا اسمع من همسك العذب شيئا. كفى خجلا يا حبيبتي وانظري إلى وجهي قليلا .. أريد أن أرى عينيك الجميلتين مع هذا المساء البهي. ها، شاهدي .. ما أجملة من طائر حط على تلك الشجرة. فرفعتي راسكِ والتفتي نحو الشجرة، فما كان مني إلا أن سرقت من خدك قبلة سريعة، ارتبكت على أثرها وحمر وجهك من الخجل. (يضحك) يا له من يوم، ويا لها من قبلة لذيذة.

( يقف ويتمعن بزوجته).

والآن .. ألا من بسمة صغيرة لي، ولا حتى إيماءه رضا. تعرفين جيدا لن أنام ليلتي إلا بعد أن أراكِ تضحكين. كيف اهنأ بنوم وأنت غاضبة ومستاءة بهذا الشكل. (يمشي بتكاسل وهو يتأمل الغرفة) كم أنتِ طيبة القلب ومخلصة يا زوجتي. تحملتِ كثيرا، وصبرتِ عليّ طويلا. لا اذكر أني أفرحتك يوما، ولا اذكر انكِ طلبتي مني ثوبا جديدا أو زجاجة عطر رخيص. دائما تسأليني عن صحتي وتخافين عليّ من كتب ستعمي عيني من كثرة ما أطالع واقرأ.

( يقف وينظر لها بوجه مضطرب يعلوه الحزن).

حتى .. حتى الأطفال حرمتك منهم .. اجل، اجل حين قررت التأني وعدم التسرع في مسائل خطيرة كهذه ... يجب تامين المستقبل أولا، وثانيا لِمَ الاستعجال في مثل هذه الأمور الخطيرة، ثم أليست حياتنا هادئة ومنتظمة على هذا الشكل. لا استطيع أن أتخيل مشاكل الأطفال ومشاكساتهم .. اسكت أنت .. لا تضرب أخوك .. آوه، وأنت ما بك لماذا تبكي .. ابتعد يا شقي عن المكتبة. (يتأملها بود) فقلتِ ليّ بصوت خفيض: كما تشاء، المهم صحتك يا زوجي. ولم تفتحي الموضوع ثانيتا معي. (ينتفض ويتصنع الفرح) وها أنا أقولها: لا شيء بعد اليوم يمنعني من تربية الأطفال، سنأتي بواحد بل بثلاثة أطفال أو كما تشائين أنتِ يا حبيبتي.( يشوح بيديه هازئا) كفانا التفكير والتمحيص بكل شيء. المستقبل والمسؤولية واتخاذ القرارات، لنتعامل ولو لمرة مع الحياة ببراءة وفطرة. كفانا تعقيدا للحياة بسخافات مضحكة وحجج واهية. (يصمت لفترة). ما بكِ أراكِ غير مصدقة .. سترين بعينيكِ ماذا سأصنع إن أتوا.

( بابتهاج مرح يهرول ويتنقل في أرجاء الغرفة).

هيه، هيه أين اختبأتم يا أطفال، سأجدكم وأكلكم، أنا الذئب أين تهربون مني

( يبحث في ركن المكتبة، أسفل السرير، يشرع خزانة الملابس العالية، يزيح بعض الحاجيات ثم يخفتُ صوته إلى أن يذوب مع اصفرار وجهه حين تلتقط يده رسالة).

ها هي، انظري يا زوجتي.( مرتبكا بعض الشيء) هي رأس المشكلة .. هي من شرخت حياتنا ودبت فيها الخصام والزعل. بل وصل بي الأمر لضربكِ واصرخ في وجهكِ يا عزيزتي.(منفعلا) اللعنة، اللعنة لِمَ بقاؤها هنا؟ ومن وضعها داخل الخزانة؟ الم أمزقها وارميها في سلة المهملات بعد أن رموها قرب باب المنزل.

(يدور ويتلفت حوله متفوها بكلام خفيض متشنج).

سحقا، سحقا ماذا يريدون منا؟ لا شيء يرضيهم سوى الصمت والسكوت! ولسان لا ينطق إلا بنعم! (صمت متوتر ثم ينتفض بحماس) أتعرفين يا قلبي لم اخف منهم، ولم أخشى تلك الرصاصة التي دسوها ليّ. ضحكت في البداية لغبائهم، وأنا افتح الرسالة واجد بريق الرصاصة.

(يضحك بعد أن حمل الرصاصة).

كانوا يعلنون الموت بطريقة عصرية مهذبة. رسالة حضارية ذات دلالة مرعبة. العصري والجميل يستعملونه للخوف وللموت. آه، هي سخرية هذا الزمن اللعين يا حبيبتي! أم سخريتنا نحن من ما ينتجه العالم من حضارة!( يقلب الرسالة لأكثر من مرة) أي مهزلة التي نعيشها! وأي حياة يبغونها هؤلاء؟! يريدون أن يدجنوا كل شيء لقذاراتهم، لأفكارهم العمياء. نعم، انه آمر مخجل حين أفكر برسائل العشق، برسائل الحب، برسائلي إليكِ يا زوجتي. آه، فأي زمن هذا .. أي زمن!

(صمت قصير).

أتدرين يا زوجتي لم تكن هذه الرسالة الأولى التي تصلني. نعم سبقتها واحدة رايتها واضحة على وجوههم القبيحة وعيونهم التي راحت تطلق الشرر.( يفكر) أظنها كانت فكرة حمقاء مني أو قولي لم تعجبهم ولم تتماشى مع خططهم. بدأت المشكلة حين أعلنت أمام الأصدقاء رفضي لكل ما يحدث ويحصل حولنا. لماذا أصبحنا أكثر المخلوقات شرا وفتكا؟ نتأقلم مع الحرب، ونتألف مع القسوة وصور الموت؟ لِمَ أصبح التعصب هدفا بحد ذاته؟ اجل يا زوجتي حين وقفت بين الاصدقاء وأعلنت: الحياة لا تستحق كل هذا الكره. حين قررت أن الصق إعلاناتي وازرعها في شوارع ودروب المدينة.

(يهرول إلى الخزانة يبحث ويقلب الإغراض ثم يخرج ملصقات ورقية متوسطة الكبر).

انظري هذا وهذا وهذا. رتبتها ورحت أخطها طوال الليل، هل تذكرين. زينتها بكل الألوان ولم اتعب أو أملّ .. كنت متحمسا وأنا ارسم تلك الكلمات التي أخافتهم وارتعبوا منها حين شاهدوني أهم بلصقها. كلمات فقط يا زوجتي كلمات وليست رصاصا.

( يقرا).

الحياة لا تستحق قتل إنسان. التعصب فكر لا قلب له؟ المحبة، آه كم أنتِ بعيده عنا اليوم؟ (صمت) وما هي إلا ليلة حتى رموا هذه الرسالة الحقيرة وهربوا مثل الفئران.(يضحك باستهزاء) أني أتساءل هل استحق على فعلتي هذه الرسالة؟! أكنتُ مخطئا؟ غبيا، مغفلا .. أسبح عكس اتجاه الموج والريح.(صمت) إلا أني يا زوجتي لم أتردد أبدا، وطلبتِ مني عدم الخروج واتخاذي الحذر. توسلتِ بي وحاولتِ منعي بكل طريقة. لكني كنت عنيدا وضحكتُ من خوفكِ يا قلبي. احذر وممن! أناس لا يفهمون العالم كيف يسير، ولا يريدون تصديق أن زمنهم قد ولى.

(لحظة صمت).

لم أبال وخرجت كعادتي إلى المقهى. اجل خرجت يا زوجتي لأنهم كانوا يريدون مني أن أبقى في البيت، أن اسكت وأطبق فمي. لكني خرجت وجلست مع الأصدقاء، وأمام عيونهم المختبئة هنا وهناك، وضعت الرسالة مع الرصاصة على سطح المنضدة، ورحت أتحدث بأعلى صوت. صحت وأنا أقهقه: الحمقى، شاهدوا ماذا يصنعون، يريدون تغيير العالم بطلقة! ها، الحياة تسير وتتغير رغم أنوفكم القذرة.

(يلتفت إلى زوجته وهو يشع حماسا).

أتصدقين صفق ليّ الأصدقاء لشجاعتي .. اجل، صفقوا وصفقوا واعتبروني مثلا يُحتذي به. (يصمت للحظات ثم يسير ويهمس كما لو كان يكلم نفسه) ها، أخاف؟ ولماذا عليّ أن أخشاهم؟ أين ولت أفكاري إن تنازلت ورضخت لهم. أنها لكارثة حقيقية! ما الذي سيفعلونه بي أكثر من الموت؟! هراء، هراء لن يغيروا شيئا من قيم أمنت بها. نعم يا زوجتي لن أتخلى عنها أبدا. ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟! ماذا ينفع .. (منفعلا) هكذا صرخت في المقهى في الشارع في السوق .. ثم، ثم ذهبتُ إليهم. دفعت الباب بقدمي ودخلت. تطلعت إلى عيونهم التي تجمدت من الرعب. صرخت بوجوههم، زعقت وأنا أدور حولهم، بصقت على أرضيتهم ثم مزقت الرسالة وقذفت الرصاصة وخرجت.

(يمشي بفخر).

حمقى، لا تنفع معهم إلى المجابهة. إن سكتُ مثل كثيرين يدوسوك ويركبوك مثل الحمير .. وأنا كنت لهم بالمرصاد، ليس كل طير يؤكل لحمه .. هذا ما فهموه من رسالتي إليهم حين بصقت وتركتهم يابسي الوجوه والألسن. (صمت) ما بكِ يا زوجتي الغالية تحدقين ليّ هكذا؟

( يقترب من السرير عدة خطوات).

أراكِ لا تصدقين ما قلت. ألا تعرفين زوجك إن صممه على أمر.

(يعتلي السرير ويلتصق بزوجته).

فعلتها من أجلكِ يا حبيبتي. لم أخشاهم ولم أفكر بنفسي .. لأني كنت أريد أن أحميك منهم ومن شرهم. لم اخف على حياتي، بل خفتُ عليكِ. اجل فعلتها رغما عني، إني احبك .. نعم أحبك.

(يحضنها بقوة وينشج).

أتوسل أليكِ أن تكلميني الآن. هيا قولي ليّ شيئا. لا أتحمل فراقكِ يا روحي. هيا، أبهجي قلبي بضحكتك الجميلة. انهضي ودعيني أتأمل عينيك الخجلتين.

(يهزها بعنف ثم يضمها إلى صدره بهستيرية).

هيا، هيا كلميني .. اصرخي بوجهي ، قولي ما تشائين بحقي .. لا تصمتِ، لا تصمتِ.( يصرخ) نعم، لم افعل أي شيء. هي أكاذيب أخرى، أكاذيب اسطرها من جديد. وقفت ارتعد حين رأيت الرسالة مرمية أمام الباب .. انقطعت أنفاسي حين حملتها وشاهدت بداخلها الرصاصة. شُلت قدماي واحترت ماذا افعل. أغلقت الباب ولم اخرج من يومها. هل تسمعين. نعم هذه هي الحقيقة. لم أبارح البيت منذ أن اقترب احدهم مني وأنا أحاول إلصاق تلك الإعلانات؟ اقترب مني ولم أرّ شكله بوضوح. طويلا كان أم قصيرا، لا اذكر.

(يرتعد جسده ويتلفت حوله كما لو كان يراه إمامة).

لكن أنحفر صوته في ذاكرتي لأنه كان يسيل حقدا ووعيدا حين قال: لا تعلن رفضك فالموت سيطرق بابك. إذا لم تكن معنا فصمت. جئنا مصلحين، عليك أن تفهم .. ما من حقيقة إلا نحن، فلا جدال نحن الأصح.(يمسك رأسه بيديه) ارتعبت من كلماته، وراحت يدي ترتجف وهي تلصق إعلانا بالمقلوب والآخر كان ابيضا لأني أخفيت ما كتبت على الجدار.(يقهقه) هل تصدقين. من يومها لم أغادر البيت. كنت ادعي الخروج .. وكنت خجلا من نفسي ومن جبني وأنا ارتدي ملابسي وأتظاهر أمامكِ بالشجاعة ثم ادعي الخروج.

(يصيح بهستيرية).

نعم، لم اخرج ولم أرى أحدا. كنت في غفلة منكِ، حين تكونين في المطبخ أو تكنسين البيت، انسل مثل الفار وانسحب خلسة إلى السطح. هناك قضيت ثلاثة أيام بقيظها الشديد. ثلاثة أيام من الاختباء عن عيون الجيران ومن عينيكِ يا زوجتي. هل تصدقيني الآن. ( يشير بيده) هناك فوق السطح كان مكاني. في أول يوم كاد يقتلني العطش، نسيت أن اجلب معي القليل من الماء. شفتاي يبستا وتقشرتا، وجسدي نشف وتخشب من الحر .. وكاد يغمى عليّ.

(يقهقه بصوت عال).

أراك تشربين الماء وأتحسر، أشاهدكِ تغسلين الثياب وابلع خشونة ريقي، أبحلق عليكِ وأنت ترشين البيت بالماء فيغلي صدري وأتأسف على ذلك الماء الذي سكب. هل تسمعين هكذا كنت، نعم ، نعم ولا استحق الشفقة (يحدق إليها بود) في اليوم الثالث فوجئت حين رأيت السطح وقد رتب وكنس ورش بالماء، ووجدت في أحدى زواياه زجاجة ماء بارد وقطعة من الكعك. آه، كم أنت طيبة القلب يا زوجتي .. ولا استحق منك هذه الرحمة. لو تعلمين كم كرهتُ نفسي ساعتها، ولعنت حياتنا برسائلها التي لا تنتهي. ما أقسى تلك اللحظة وأنا أتخيلها .. بأنكِ كنت تعرفين أين أنا وأين اختبئ .. كنتُ اكذب بزهو وأنتِ تهزين راسك مصدقة بكل لطف ومحبة. وتحذريني بعدم التأخر واتخاذ الحذر. كنت تقولين : لا املك في هذه الدنيا اعز منك يا زوجي الحبيب .. فلا تغيب طويلا، وأوصيك الحذر.

( يسقط على الأرض وهو ينشج).

لا استحق هذا الحب وهذا العطف. أكاذيب في أكاذيب. هذا ما كنت أخبركِ به .. حتى الأطفال وتدابير المستقبل التي أتفوه بها باستمرار .. هي أكاذيب أخرى. قال الطبيب باني لا استطيع أن أنجب. لم اصدق ورحت اصرخ في وجهه .. فهل من المعقول أن مثلي لا ينجب. لكن أكد الثاني بالتحليل القاطع عدم قدرتي على الإنجاب. نعم، لم اقدر على أي شيء .. لم استطع أفراحكِ يوما .. كل شيء هو ادعاء في ادعاء .. مثلما تبخرت أفكاري حين دخلوا قبل ساعات. لم استطع أن أحميك. كنت أفكر بنفسي .. كنت أريد أن أبقى. فلم اقدر على عمل شيء.

(صمت طويل).

كنتِ يا عزيزتي مثل كل يوم تشاهدين التلفزيون، وأنا أحاول أن اخفي توتري بترتيب الكتب في المكتبة. انقل هذا الكتاب وأغير موقع الثاني والثالث ثم أبعثرها وعيدها من جديد. وأنتِ يا زوجتي تتظاهرين بان كل شيء على ما يرام مثل كل ليلة. لكني كنت أرى في عينيكِ حزنا وشفقة عليّ. وقبل أن ينتصف الليل، سمعت حركتهم، هرولتهم وهم يقتربون من البيت ثم يقتحمون الباب برفسات أحذيتهم ويدخلون الحوش.

(صمت).

كنت ارتعد حين سمعتهم قادمين، ضاق الهواء في صدري وضاقت الغرفة بي. فرحت أتخبط لا اعرف ماذا افعل. وأنتِ فزعتِ منهم يا حبيبتي وبدأتِ تنظرين إلي، تنشدين مني العون والخلاص .. فيما أنا مشدوه العقل وجبن العالم كله وقع عليّ. رايتكِ في البداية تتعثرين بالكرسي ولم أبال بك .. سقطتِ على وجهك فوق الأرض فلم اهتم أيضا أو التفت إليك. كنت حائرا بنفسي كنت أحاول الاختباء والتملص هنا أو هنا .. وأقول للأرض انشقي وأخفيني هذه الساعة. لكن حين حاولتِ أن تصيحي حين رايتكِ ترتعدين وستفضحيننا بصراخكِ. كتمت تلك الصرخة، تلك الصيحة. أطبقت على أنفاسك ورحت اضغط بشدة وأنا أسحبكِ قرب الباب ثم أنصت لهم .. اكتم الهواء في صدرك ويسيل جبيني عرقا وأنا اسمعهم من وراء الباب يبحثون، يدورون في كل الغرف في كل الزوايا .. أطبق على شفتيكِ بيدي هاتين ويتبخر كل شيء أمامي، عدى أن لا يسمعوا نفسي .. عدى أن لا يحسوا بي .. وأنتِ تنظرين إليّ غير مصدقة .. تتخبطين بجسدك .. تقاومين .. تبحثين عن نفس من الهواء .. فيما أصابعي تشد على فمك أكثر فأكثر .. وأتوسل من كل قلبي أن تهدئي وتكفي عن المقاومة، لأنهم قريبون مني وليس لي من أمل .. لأنهم يريدونني ولا أمل لي مطلقا. (يزعق وهو ينشج) وانتهى كل شيء. ذهبوا من دوني، تركوني ولا اعلم السبب. تركوني انظر أليك وأنت هادئة الجسد. وليس من أمل .. وليس ليّ من أمل.
صورة جمال كامل فرحان

التعليقات (2)

كن رائعا دائما كما عهدناك ايه القلم وكن مطمئنا لانك بين اصابع المبدعين الذين يرسمون بك سماوات زرقاء واراضي خضراء مليئة بالحب والابداع ...رائعة هيه الفكرة ورائعا هو التنسيق ورائعا هو الربط والتسلسل ولكن هو الاحلى من استطلع ان يمسك الاسد ويتجول في الغابة ...رائعا انت ياجمال فحافظ على مستواك وارتفع اعلى في الاتي تحية حب واحترام لك ياجميل 
علي خضير البدري  

صورة علي البدري
قرأت هذه المسرحية في منتدى مسرحيون،وكم كانت دهشتني من نفسي كبيرة لأنها مرت هنا دون أن أتابعها، حقيقة ..كم أدهشتني وتابعت تعليق الأستاذ صباح الأنباري عليها
أمتعتني وعشت معك جو الحدث تماما
قلم اصيل
مودتي الكبيرة

صورة منى الشيمى