مقدمة من اجل شهوة النهايات




مقدمة من اجل شهوة النهايات
صباح الأنباري


مسرحية قد يمثلها شخص واحد أو عدد من الشخوص بطريقتي التمثيل الصائت والصامت
صباح الانباري

المشهد الأول
{ تضاء الخشبة بإضاءة زرقاء باهتة تسمح ببقاء الظلام منتشرا في أرجاء المسرح الذي احتل نصفه الأيمن مقهى شعبي بينما احتل نصفه الأيسر متجر لبيع المواد التموينية .. عدد من الرجال يقفون مصطفين في طابور طويل لاستلام موادهم التموينية المقررة رسميا من صاحب المتجر .. وهو رجل في الأربعين من العمر .. غزا الشيب رأسه باكرا .. يتحرك الجميع على ايقاع ضربات الدومينو في المقهى ، وعلى شاشة معلقة في فضاء المسرح تظهر قطعة الدومينو التي أصدرت الصوت .. نسمع ، من بعيد ، صوت عجلات مدولبة وأخرى مسرفة آخذة بالاقتراب شيئا فشيئا .. يتعالى ايقاع الدومينو بترتيب يفضى الى قفل طرفيها لحظة وصول العجلات الى المكان ومداهمة جنود المارينز ، بقفزة واحدة ، خشبة المسرح .. تتوقف الحركة فترة قصيرة على الخشبة ، توقفا متزامنا مع آخر ضربة قوية من قطع الدومينو ( القفل ) .. موسيقى مارش طبول صغيرة .. يدخل من منطقة أسفل اليمين رجل يضع على وجهه لثاما أسود .. يشير ، بيده ، نحو المتجر فينقض رجال المارينز على صاحب المتجر .. يقيدون يديه بينما ينقض بعضهم الآخر على رواد المقهى ويقيدون أيديهم .. وكذلك يفعلون مع الرجال في الطابور .. يفتشون المتجر .. يحمل أحدهم كيسا كبيرا من الخيش .. يفتحه .. يرى ما بداخله يبتسم ظافرا ويفرغ محتوياته في وسط المسرح فتتدحرج منه رمانات يدوية ومسدسات واعتدة خفيفة .. ضربة طبل كبير تتوقف الحركة لحظة واحدة ثم يضع أحدهم فوهة بندقيته على ظهر صاحب المتجر ويدفعه باتجاه الرجل صاحب اللثام الذي ما يزال يشير بيده الى المتجر .. يرمقه صاحب المتجر بنظرة شزراء ثم يبتسم له بسخرية .. يأخذ صاحب اللثام كيسا أسود يلبسه في رأس صاحب المتجر.. يدفعه الجندي الى الخارج .. يخرج الجنود أكياسا سودا يلبسونها في رؤوس الرجال الآخرين ثم يدفعونهم الى خارج الخشبة فتأخذ الاضاءة الزرقاء بالخفوت تدريجيا .}
*
المشهد الثاني
{ تفتح الأضواء الزرق تدريجيا فنرى شواخص على هيئة المارينز ودمى بشرية عارية الجسد موزعة على خشبة المسرح .. بقعة ضوء ساطع تسقط على وسط الخشبة فيظهر صلاح ، وهو صاحب المتجر ، في المشهد السابق ، محاطا بالشواخص والدمى .. يداه ما زالتا مقيدتين .. يتنقل بين الشواخص .. يوجه كلامه الى الجميع .}

صلاح :
أنا صاحب المتجر .. اسمي صلاح ، لكن الجميع هنا ينادونني بالعراقي أو صلاح العراقي .. حضرت هذه الليلة بناء على طلب مخرج المسرحية الأستاذ ( يذكر اسم مخرج المسرحية ) لأ مثل بين أيديكم .. أو .. لأدلي بشهادتي أمامكم .. أو لأنقل لكم ما حدث بالضبط ليلة أدخلوني سجن ( أبو غريب ) .. زاعما أن شهادتي ستكون برولوجا معاصرا .. أو مقدمة لمسرحيته التسجيلية ( شهوايات ) وتعنى ، كما قال لي ( شهوة النهايات ) .. أوصاني كاتب النص أن لا أستنهض حماستكم لأنه لم يرد أن أكون واحدا من الساسة أو غيرهم .. أنا واحد منكم ورجائي أن لا تظنوا أنني تاجر أسلحة بغيض يعرف كيف يستغل ظرف الانفلات الشامل فيكسب من تجارته التي لم يصرف عليها ، من جيبه ، فلسا واحدا .. وأجهل ، في الوقت نفسه ، من اين أتى بكل تلك الاعتدة ذلك الصديق الخؤون ، ليودعها عندي قبل أن يداهمني المارينز بثلاثة أيام حسب .. ولا أعرف من هو ذلك الملثم الذي وشي بي وقاد المارينز الى متجري .. ولا أعرف ، أيضا ، لماذا يحتجزون كل هذا العدد من الأبرياء ولا لأي غرض يمنعونهم من العودة الى بيوتهم مع أنني قلت لهم مرارا وتكرارا أن لا علاقة لهم بأمر الأعتدة التي ضبطوها داخل متجري .. انهم لا يثقون بأحد منا .. قلت لهم بعد احتجازي أنكم لا تثقون حتى بأنفسكم .. لماذا جئتم الى بلادي اذن ؟!
اعتقدوا ، ولا أعرف لماذا ، أنني أتعاطى العمل السياسي وأنني استخدم الذخيرة للإيقاع بخصومي ولم اكن أعرف أنهم نصبوا من أنفسهم خصوما لي ، و انهم مستهدفون من قبلي وأنهم محتلون لـ ...... ( يتوقف قليلا .. يتذكر.. ثم يوجه كلامه الى المشاهدين ) عفوا .. أوصاني المخرج أن أتوقف قليلا لأجرّ انتباهكم الى هذه الشاشة ( يشير الى الشاشة ، فتظهر عليها صورة قاعة الأمم المتحدة من الداخل وتحتها ترجمة تقول :
يتواجد الأمريكان في العراق بصفتهم محتلين لا محررين

.. وأوصاني أيضا أن أتدرب على هذه المقدمة بالذات وأن أحكي لكم عما حدث لي بالضبط في تلك الليلة المشؤومة ..
قلت له معترضا :
( يوجه كلامه الى المخرج الذي يراه في يقينه )

ـ يا أستاذ لا يجوز لك أن تحولني الى حكواتي أو قصخون .. عليّ أن أوصل الفكرة للناس حسب .. أنا رجل من هذا الزمان ولا يليق بي أن البس ملابس الحكواتي ، ولا أن أتلاعب بمشاعر جمهور النظارة أو أندب حظ الناس كما تفعل العدادات ..
قال المخرج بثقة عالية :

ـ اسمع يا ( يذكر اسم الممثل الذي يقوم بلعب الدور ) عندما يتعلق الموضوع بقصة مثل قصتك هذه لا بد من طرحها بهذه الطريقة كي تكون مقنعة بما فيه الكفاية .. لقد نسيت أنك قصصت للكاتب تفاصيل ليلتك المشؤومة فكتبها بالطريقة التي رآها مناسبة .. ومن حقي أن أقدمها لجمهور النظارة بطريقة مناسبة أيضا ..
قلت له :
ـ ولكني أريد أن أقدمها بطريقة تلائمني أيضا فأنا من مرت به الأحداث فعلا ..
( الى الجمهور )

غادرني المخرج غير مطمئن فبقيت واقفا أنظر الى غيابه في عتمة الليل بوجوم .. انشقت بقعة من الأرض أمامي .. تدفق منها عمود باهر من ضياء مشع كأنه عمود نفط تدفق من بئره توا .. ومن ذلك العمود المشع خرجت ، بهدوء ملائكي ، امرأة جنية ..ابتسمت وهي تقول لي بصوت هادئ تقدم .. فتقدمت.. تقدم .. فتقدمت.. تقدم ..فتقدمت حتى كاد جسدي يمس جسدها النوراني المشع .. كان جسدها مضمخا بالنفط وعابقا بشذى جذور النخيل ومن ثناياه شممت غرين دجلة وطين الفرات .. وضعت يمينها على كتفي وقالت بصوت عميق :
لك أن تتمنى الآن شيئا أيها العراقي
وذكرتني أن حضورها لن يتكرر قبل مرور سبع وسبعين عاما .
( صمت )
لم أصدق ما رأيت .. ظننت أول الأمر أنني أراها في خيالي حسب ولكني على الرغم من ذلك قلت لها بشيء من التردد : أريد ان أكون خفيا .. سألتني مستغربة أتريد ان تكون خفيا في عصر بات كل شئ فيه يرى بوضوح .. ما حاجتك إلى الاختفاء .. قلت أريد ان أرى ولا أرى .. أريد ان أرى الحقائق بعيني كي اعقلها . بعد ان رأيتها بعقلي فأدركتها .. اضطربت الجنية من أمنيتي الغريبة هذه قليلا وقالت بصوت حزين :
لك هذا أيها العراقي .. اذهب .. لن يقدر أحد أن يراك بعد الآن

وإذ هممت أن أكمل أمنيتي أشارت علي أن أسكت .. وأن أفعل ما تأمرني به حسب .. انتظرت أمرها طائعا فأشارت لي بسبابتها هامسة :
اذهب الى المكتبة الوطنية وافعل ما ينبغي لك قبل فوات الأوان
وقبل أن تتوارى داخل ذلك العمود من النور ، رأيت دمعة تسيل على خدها وتأخذ طريقها الى الأسفل .. وعندما لامست الدمعة وجه البلاط اختفت الجنية ولم أعد أراها.

غادرت مدينتي الصغيرة وحططت الرحال في المكتبة الوطنية وجلست بين رفوفها لا أعرف ما ينبغي عليّ فعله قبل فوات الأوان .. مرت ساعة وساعتان .. يوم ويومان .. ستة أيام مرت وأنا أتجول بين رفوف الكتب والمخطوطات الفريدة والعجيبة .. تناولت كتابا وآخر .. مخطوطة وأخرى .. وكنت كلما اطلعت على كتاب أو مخطوطة ازدادت دهشتي مما تحتويه تلك الكتب من علوم ومعارف حتى غاب عني ما جئت لأجله .. انبهرت بعدد من المخطوطات المكتوبة بماء الذهب وذهلت من المنمنمات وكتب السحر والعلوم الكونية .. عثرت وأنا أتتنقل من رف الى رف على كتاب أخي الذي انتهى من مخطوطته قبل ثلاثة أعوام .. أعدت قراءة الكتاب مستعيدا نبوءات أخي بحرائق تلتهم الحضارات واعدته الى موضعه بأناة .. في اليوم السابع دخل رجل من اهل بغداد .. وبسرعة وحرص حمل وأصدقاؤه عددا من الكتب والمخطوطات النادرة .. وضعوها برفق في سيارة حمل وغادروا مسرعين و اذ ذاك فقط ادركت ما ينبغي عليّ فعله .. لم تكد دقيقة واحدة تمر على انطلاق السيارة بحملها الثمين حتى سمعت أصواتا ولغطا ممتزجا بصرخات مختلفة أعقبتها أصوات اطلاقات نارية فشعرت بالخوف .. اقتحم مسلحون مبنى المكتبة .. توزعوا على ممراتها وأعطوا الإشارة لفريق آخر يتبعهم فدخل رجال ملثمون لثامهم يشبه لثام الرجل الذي وشي بي من قبل .. سكبوا النفط على الكتب .. لم يتركوا كتابا إلا وأغرقوه بالنفط .. خرجوا على عجل واختفوا في زحام الشوارع .. ظننت انهم تركوا المبنى تماما وانهم لن يكملوا ما بدأوا به قبل لحظات وقد خاب ظني حين رأيت أحدهم وهو يضع نظرات قاتمة اللون تغطي نصف وجهه وهو يخرج من جيب معطفه الرمادي علبة كبريت .. أشعل عودا ورماه على الأرض المنفطة .. ركضت نحوه بسرعة .. أردت ان أوقفه .. أن أخمد النار .. أن افعل أي شئ ولكنني وجدت نفسي محاطا بألسنة النيران .. أسرعت الى الهاتف فوجدت الخط عاطلا .. ركضت بين الغرف علي استنجد بواحد من حراس المبنى لكني وجدت الغرف فارغة .. أردت أن أخرج الى الشارع ، واطلب من الناس أن ينقذوا ما يمكن إنقاذه لكن النار لفحتني .. كنت أرى الحروف وهي تسيل من بين الأغلفة المذهبة حرفا حرفا .. تقع على الأرض مضرجة بدم الحبر وتتلوى .. تعتصر روحها وتتلوى ثم تخمد على البلاط .. آه .. كم تمنيت ، في تلك اللحظة ، ان يحوّل دجلة مجراه وان يمر من هنا كي يطفئ لظى الحروف ويمنحها برده وسلامه الآمنين ( ينتبه لنفسه .. ثم ) آآآآآه يا لغبائي .. كيف لم أدرك تحذيرها قبل فوات الأوان .. كيف ؟
( يتوقف قليلا .. وبحزن يتابع روايته )
جلست وسط السنة اللهيب أرقب امتداد الكارثة الى كل أركان المكتبة الوطنية .. رأيت النار تزحف بشكل مهول .. تتسلق الرفوف والخزانات وتصل الى كتاب أخي الذي انتهى من مخطوطته قبل ثلاثة أعوام .. بكيت وبكيت وبكيت .. تمنيت أن أبكي بعيون الناس جميعا كي أطفئ بالدمع هذا السعير التتري .. لم أنتبه لنفسي ولم اشعر بالنيران وهي تلتهمني .. احترقت مع الكتب .. كتب العراق في مكتبته الوطنية .. لم أمت ..تفحم جلدي حسب ، ولشدة تفحمه صرت مرئيا مرة أخرى .. تذكرت أن الجنية قالت لي وهي تطوف علي في الرؤيا .. احفظ دموعي فأنها طريق نجاتك أيها العراقي .. احتفظت بدموعها داخل دورق زجاجي صغير .. أخرجت الدورق .. فتحت غطاءه ورششت ما فيه على جسدي فاستعادت بشرتي المتفحمة طراوتها .

*
المشهد الثالث
{ من الممكن أداء هذا المشهد والمشاهد الصامتة الأخرى بصيغة ( أنا ضمير المتكلم ) اذا ارتأى المخرج أن يظل الممثل الواحد منفردا بأداء هذه المسرحية . }
ضربة طبل كبير تتزامن مع إشارة الشواخص الى صلاح .. تنطلق من مكبرات الصوت موسيقى رقصة ( الاشرار يعيثون في الارض فسادا ) ترقص الشواخص .. تدور حول صلاح وهو ما يزال مقيدا.. تقترب منه .. تبتعد عنه .. تطرحه أرضا .. تقفز من فوقه بزهو ومرونة ولياقة بدنية عالية .. تنحني عليه .. ترفعه بحركة واحدة وتجره الى أعلى وسط الخشبة .. تنقسم الشواخص على قسمين أحدهما يقف الى جانب صلاح الأيمن والآخر الى جانبه الأيسر.. يرفعون أيديهم الى الاعلى بحركة موحدة ويتوقفون عن الحركة تماما .. يدخل المحتجزون الى الخشبة .. تقودهم واحدة من المجندات وهم يسيرون كما لوكانت أيديهم و أرجلهم مقيدة بسلاسل من حديد .. ينقسمون ، بأمر المجندة ، على قسمين الأول يقف على يمين المسرح والآخر على يساره .. تقف المجندة أمام المحتجزين الذين على يمين المسرح وتتوقف عن الحركة وفي الوقت نفسه تخرج مجندة أخرى لتكمل دور المجندة السابقة .. تدفع أحد المحتجزين الى وسط المسرح .. ترفسه على منتصفه .. تدور حوله بحركات قتالية متقنة .. ترفسه ثانية وثالثة حتى تجبره على الوقوف في منتصف المسرح بلا حراك .. تشير باحدى يديها فتنطلق من مكبرات الصوت موسيقى رقصة الـ ( ستربتيز ) .. ترقص وتدور حوله بمرونة ورشاقة ، وكلما أكملت جزءا من الرقصة تنضو عنه قطعة من ملابسه حتى تعريه تماما ، واذ تنتهي من القطعة الأخيرة تصفق الشواخص لها تصفيقا ايقاعيا يشبه الى حد ما ايقاع (الفلامينكو) ترفسه فيتدحرج الى اسفل يمين الخشبة وتقف أمام صف المحتجزين يسار المسرح .
تخرج مجندة أخرى من السكون الى الحركة .. ترفس واحدا آخر من المحتجزين وتسقطه أرضا تضع حلقة من الجلد في رقبته وتمتطيه مثلما يمتطى الثور في حلبة المصارعة .. تجبره على الحركة بوساطة العس الكهربائي مثلما يتحرك الثور الهائج لإسقاط من يمتطيه .. تتكرر هذه الحركة عدة مرات قبل ان يخور المحتجز خوار الثور فتقوده الى اسفل اليسار وتتركه جاثيا هناك منهكا ، خائر القوى ، وتعود للانضمام الى مجموعة الشواخص .
ضربة طبل كبير .. تتحرك الشواخص دفعة واحدة طارحة الدمى العارية أرضا بنسق واحد .. وبحركة موحدة أخرى يطرحون المحتجزين فوق الدمى .. ينزع كل منهم من نطاقه عصى كهربية يضع إبرتها على مؤخرة المحتجز الذي يقف إزاءه .. يبدأون بالعس الكهربائي فتهتز أجساد المحتجزين كما لو أنهم يضاجعون الدمى فعلا وإذ ينتهون يسوطونهم بقسوة فيتلوى الجميع على إيقاع السياط .. وبين صراخ الجلاد وآلام الضحية تطفأ الأضواء ويستمر الصراخ لفترة قبل أن يعم المسرح صمت مطبق .
*
المشهد الرابع
تفتح الأضواء .. يظهر صلاح جالسا أمام خيمة نصبت في باحة السجن وهو محاط ببعض النزلاء .. يوجه حديثه الى جمهور النظارة .
صلاح :
لا غرابة فيما فعلوه بنا في قاعة التعذيب , ولكن الغريب الغريب هو أنهم فضحوا الأمر بأنفسهم وكشفوا السر مستنكرين تلك الفعلة النكراء ومطالبين بفتح التحقيق وتجريم الجناة .
( يتوقف عن الكلام . ينظر الى الأمام . يرد على إشارة أحد الفنيين . يوجه كلامه الى صاحب الإشارة )
حسنا سأفعل ( يعود الى الجمهور) أشاروا الي كي أجر انتباهكم الى هذه الشاشة ( يشير اليها ) تظهر عليها صورة الرئيس الامريكي جورج بوش وهو يقول :
ان الولايات المتحدة الأمريكية تشعر بالعار لما حدث في سجن ( أبو غريب )

.. قالوا لي سنطلق سراحك من هذا المكان ففرحت داخل نفسي .. لا أخفي عليكم .. كانت فرحتي كبيرة جدا ، فبعد أشهر من الحجز والابتعاد عن عائلتي صرت أشتاق الى أبنائي الستة ، وأتوق الى محادثة زوجتي أو المشاجرة معها .. أخرجوني من قاعة التعذيب ووضعوني في هذه الخيمة مع نفر من رجال لا أعرفهم ثم عرفت أنهم وضعوني هنا لأن الزنزانات كانت مزدحمة وممتلئة حتى آخرها بالنزلاء .. نمت نومة مسهد لم يذق طعم النوم منذ ثلاثة أيام .. وبينما كنت مستغرقا في نومي اذا باصابع تمتد الى وجهي ، تلامس وجنتي ببطء وحنو.. إعتقدت أنني في بيتي وأن يد زوجتي الحنون هي التي تلمسني فشعرت بارتياح كبير واستسلمت لحنانها وعذوبة ملمس كفها على خدي الذي اخشوشن على إثر ما تلقاه من لكمات وصفعات ولكنني فوجئت عندما فتحت عيني لأرى وجهها ، الذي افتقدته منذ أشهر ، بوجود امراة أخرى غيرها.. دققت النظر في أرجاء الخيمة .. فرأيت النزلاء غارقين في نوم عميق .. إزددت حيرة وأردت أن أسالها من تكون ، ولماذا تجلس الى جانبي ، وعما إذا كانت مأمورة من قبلهم ، فرسمت بسبابتها علامة السكوت .. وضعت اصبعها على شفتي وأغلقت فمي ثم قالت بصوت يشبه صوت الجنية :
آن لك أن تنهض أيها العراقي وتفعل ما هو بانتظارك .
صوتها العميق الحنون أثر في نفسي فازددت اضطرابا.. قلت لها هامسا :
أفعل ماذا ؟ وأي شيء ينتظرني لأفعله ؟
ثم سلمتني الدورق الصغير الذي حفظت بداخله دموع الجنية .. كان الدورق فارغا تماما .. قلت لها إنه فارغ تماما فأشارت علي بالسكوت ثانية .. سكت.. دسست الدورق تحت وسادتي وأغمضت عيني دون إرادتي ورحت في إغفاءة عميقة ( تختفي الاضاءة تدريجيا و تعود الى وضعها الأول ) حين نهضت صباحا .. كان الدورق ما يزال تحت وسادتي .. تذكرت أن الجنية قالت لي وهي تطوف علي في تلك الرؤيا التي قصصتها على الكاتب :
حين تضيق بك الدنيا خذ الدورق وحطمه بين حصاتين كبيرتين فانه يفضي
بك الى ما تريد
أخذت الدورق ورحت أبحث حول الخيمة عن حصاتين .. وإذ وجدتهما أطبقت بهما على الدورق فوجدتني مطلق السراح .. لم اعرف أول الأمر ماذا ؟ أفعل أو ماذا ينتظرني ولكني بعد لحظة تفكير اهتديت الى الكاتب .. قال الكاتب :

أخبرتني الجنية أن أخبرك بضرورة الذهاب الى
هناك .. الى المتحف العراقي .. ثمة من يريد أن يراك
ثم سالت دمعة على خده .. خيل لي أنها سالت على خدي أنا فشعرت بالحزن أكثر من أي وقت مضى .. ودعت الكاتب وكأني أودع نفسي وتوجهت الى بغداد فاعترض طريقي مخرج المسرحية .. وقال لي بشئ من الحكمة :
ـ هل أدركت لماذا طلبت منك برولوجا على طريقتي أنا
ـ نعم ولكني مع ...........
ـ هل تعرف ماذا يفعل أصدقاؤنا في الغرب ؟
ـ أعرف .. الغرب يريد أن يسمع .. أما الشرق فيريد أن يرى .. إننا لا نحتاج يا سيدي المخرج الى من يحكي على الخشبة قدر حاجتنا الى من يفعل .. لقد فاتنا الكثير الذي فعله الغرب ولم نفعله نحن ..
تركت المخرج أسير دهشته واستغرابه لما بدر مني ، أنا الذي لم ترق ثقافتي الى مستوى ثقافته ، وذهبت الى المتحف .. فتشت قاعاته واحدة فواحدة ولم اعثر على أحد .. كان المتحف مغلقا وكان السكون مطبقا عليه .. فكرت بانتظار القادم ، الذي يريد رؤيتي ، هنا ، ما دمت لا أستطيع الخروج في مثل هذا الوقت .. وبعد تفشي الظلام في القاعات وانعدام رؤية التماثيل قررت النوم في المتحف .. غفوت وغفوت وصحوت على أصوات انفجارات عالية .. أردت الخروج من المتحف ولكن شدة الانفجارات منعتني .. قلت لأحتمي هنا خلف تمثال هرقل ، فعلى الرغم مما أصابه منهم ما يزال محتفظا بأجزائه سالمة .. جلست خلف التمثال وأنا أحدق في الفراغ وافكر بخيبة الشخص الذي أراد رؤيتي ، هنا ، ولم يتحقق له ذلك .. هدأت أصوات الانفجارات وساد السكون خارج المتحف ثم تعالت على نحو مفاجئ أصوات ضجيج حاد .. سمعت صوت عجلة مسرفة توقفت عند الباب الرئيسي .. صوبت انبوبتها الطويلة نحو واجهة المتحف .. أطلقت قذيفة مدوية .. تدافع على إثرها بعضهم ، بوحشية ، كي يسبق بعضهم الآخر .. اعتقدت أول الأمر أنهم سيسرقون التحف وينتزعون قلائد الذهب من أعناق أميرات سومر وأكد لكنهم لم يفعلوا .. كل ما فعلوه هو أنهم هجموا على التماثيل وأسقطوها أرضا وراحوا يسحقونها بأقدامهم سحقا .. حاولت منعهم لكن أحدهم ضربني بقطعة تمثال على رأسي فافقدني وعيي .
( ضربة طبل كبير .. يمسك رأسه .. يتلوى .. يدور ثم يسقط على الأرض مغما عليه ) .
عندما صحوت كان كل شيء ساكنا وهادئا .. تحسست موضع الضربة على رأسي .. كان ثمة انتفاخ واضح تحت الشعر .. ووجدتني خائرا لا أستطيع الوقوف على قدمي .. اعتمدت على ما ادخرته من قوتي ونهضت .. شعرت بالدوار ، أول الأمر ، ولكنه سرعان ما زال .. تجولت في قاعات المتحف .. بين أنقاض التماثيل وحطام التحف التي غطت أرضه مع قطع زجاج الفاترينات التي انتشرت بين الحطام والحطام .. تملكتني رغبة غريبة في رؤية مسلة حمورابي وما آل اليه حالها على أيدي هؤلاء الأوباش .. دخلت قاعتها على مهل وسرت نحو مكانها بأناة متحاشيا قطع الزجاج الجارحة .. وبسبب الضربة التي تلقيتهاعلى رأسي لم استطع الرؤية بوضوح .. توهمت أو اعتقدت أو رأيت شبحا أو شخصا .. أو لا أدري ماذا رأيت قرب ذلك الصرح القانوني العظيم .. وحين اقتربت أكثر وأكثر ، رأيت هيئة كهيئة صديقي الذي فارقته منذ القوا القبض عليه وهو في عقر داره وتذكرت كم كان دقيقا في حساب الزمن وضبط المواعيد وكم كان متشبثا بساعته اليدوية التي لا يريد أن تفارقه أبدا حتى عودها على النوم معه في فراش واحد .. وتساءلت ماذا يفعل هنا في هذه اللحظة العصيبة أمام مسلة القضاء العراقي .. اقتربت منه لكنه لم يشعر بوجودي .. وضعت يدي على كتفه بهدوء .. أحس برعشتها على كتفه فاستدار ببطء شديد .. وإذ رآني .. احتظنني بقوة وبكى على كتفي طويلا ثم قال بصوت واهن حزين :
هل رأيت يا صديقي ما فعلوه بحضارتنا

وكطفل فقد أبويه بكيت وبكيت وبكيت فمد يده الي برفق .. مسح دمعة ظلت متشبثة بخدي الأيسر .. شد على يدي بقوة وقادني الى خارج المتحف .
سرنا صوب دجلة .. خيل لي أنني رأيت دجلة نمرا جريحا غرسوا السكين في قلبه فراح يقطر دما غريبا .. دم بلون الحبر الذي رأيته يسيل من كتب ومخطوطات العراق .. شرعنا بعبور جسر الأحرار.. كان دوي الانفجارات مازال يسمع في كل جهة من جهات بغداد .. والرصاص يلعلع بهمجية في كل مكان .. اجتازتنا مسرفات كثيرة .. من على متنها أشار لنا رجال المارينز إشارات مختلفة ولكننا لم نأبه لأي إشارة منهم .. صرخت بصديقي :
هنا ماتت ( بهيجة ) هل سنموت على الجسر أيضا

قال لي بصوت واثق :

لم يحن الوقت بعد .. الصدمة جعلتهم ينامون .. وعندما يستيقظون ستقوم قيامة الموت والدمار والخراب .. سيشعلون النيران في كل مكان .. وسيقيمون مجالس العزاء في أرحام أمهاتنا .. سيزرعون عبواتهم الناسفة وسياراتهم المفخخة على جسور بغداد وازقتها القديمة .. يتحالفون مع الشياطين ويستقبلون القتلة من كل حدب وصوب .. باختصار شديد يا صديقي سيشنون علينا حربا ضروسا لا هوادة فيها .
قلت منفعلا :
ما هذا الهراء يا صديقي .. من هؤلاء و من أنبأك بهذه النبوءة المشؤومة ..
فتوقف عن الكلام .. نظر اليّ نظرة منكسرة حزينة وقال بصوت واثق :
لم ينبئني بها أحد .. إنها معرفتي بهم حسب .
سرنا غير مبالين بالرصاص .. تجولنا في أماكن مختلفة من بغداد .. رأينا حرائق الكرخ والرصافة وتوقفنا أمام مبنى الفنون .. أشار عليّ صديقي ان ادخل فدخلت لكن الشعور بالوحدة سرعان ما انتابني فعدت اليه كي أحثه على اللحاق بي فوجدته قد اختفى .. ورأيت في محل اختفائه شيئا ما يشبه ساعته اليدوية.. سخرت من فكرتي وهمست لنفسي .. كلا .. لا يمكن .. لكنني وجدت ساعته اليدوية فعلا فحملتها ودخلت متفقدا لوحات روادنا الأوائل فرأيت ما رأيت .. ويا لسوء ما رأيت .
تطفأ الأضواء .
*
المشهد الخامس
تفتح الأضواء .. عدد من لوحات الرواد معلقة في فضاء المسرح وقد انتزع من بعضها الكونفاس ولم يبق منها غير الاطار الخارجي .. بعضها ممزق .. وبعضها الآخر أصابته ثقوب اطلاقات نارية .. صلاح يتفقد اللوحات وكلما وقف أمام لوحة رأينا تلك اللوحة بكاملها على الشاشة المعلقة في فضاء المسرح .. يقف متأملا لوحات عبد القادر الرسام و جواد سليم و فائق حسن و كاظم حيدر وآخرين .. واذ يتعثر برأس جواد سليم ويكاد يسقط أرضا يتنبه للرأس فيحمله برفق .. يحتضنه .. يضمه اليه لحظة سماعه أصوات ضاجة خارج الكاليري وكانه يريد أن يحميه منهم .. يبحث عن مكان للاختباء .. يهرع الى زاوية من زوايا الكاليري وهو ما يزال متشبثا برأس جواد سليم .. يدخل الى الكاليري عدد من الملثمين .. ينتشرون بين اللوحات بسرعة .. يوجهون فوهات بنادقهم اليها ومثل فريق اعدام عسكري ينهالون عليها بوابل من الرصاص .. يتحركون مزهوين بروح الانتقام وشهوة الخراب .. يتجمعون في وسط الكاليري بتشكيلة مناسبة لوضعهم كمنتقمين .. يرفعون بنادقهم الى الأعلى .. يستديرون الى جمهور النظارة في وضع مواجهة وتحد ويصرخون صرخة مباهاة واحدة ثم ينسحبون لأداء فريضة أخرى تشبع في نفوسهم شهوة نهاية أخرى.
يخرج صلاح من مخبئه .. يتأمل حجم المصاب الذي ألحق باللوحات .. ينظر الى الرأس .. يبكي .. يركع .. ينحني على التمثال ويبكي .. يقف غاضبا منتفضا على نفسه محاولا فعل شيء أي شيء .. يتردد وهو يهم بالخروج .. يغادر لكنه يتوقف في منتصف الطريق .. يلتفت الى رأس جواد سليم .. يقفل راجعا اليه .. ينحني عليه .. يلمسه براحة يده .. يخلع قميصه ويغطي به رأس جواد سليم يحمله ويغادر المكان بحزن وانكسار .. يظهر ظله على السايك وهو يغذ السير منهكا في شوارع بغداد .. تظهر صورته الفيديوية على الشاشة وهو يمر بحارات بغداد و ازقتها التي أصابها الخراب.. تلوح ، على الشاشة من بعيد ، ساحة التحرير ونفقها المستدير و نصب الحرية .. وفي لقطة ( ترافيلنج ) يقترب النصب تدريجيا حتى يمتلأ الكادر به تماما ..يتوقف صلاح تحت النصب يتأمل أجزاءه جزءا جزءا ثم يعود مركزا على حركة تحطيم الأغلال .. وعلى الشاشة لقطة ( كلوز اب ) يظهر فيها المقاتل العراقي وهو يحطم قضبان السجن لينطلق نحو الحرية .. تثبت صورة المقاتل على الشاشة ويظلم المسرح .
*
المشهد السادس
إضاءة زرقاء خافتة تضئ خيمة السجن .. السجناء يغطون بنوم عميق .. يدخل صلاح حاملا رأس جواد سليم .. يضع الرأس على فراشه .. يجلس قبالته .. يرى ملامحه وقد دبت فيها الحياة .. يتغير شكل الرأس اذ تلفه سحابة من دخان كثيف تكبر شيئا فشيئا .. تخرج الجنية من وسط الدخان وتتقدم نحو صلاح .. تتوقف الصورة برهة وتتركز بقعة دائرية من الضوء على صلاح فقط .. يتحرك صلاح.. يتابعه الضوء المتحرك ( فلو ) يقف على يسار الخشبة .. يوجه حديثه الى جمهور النظارة .
صلاح :
رأيتم بأعينكم أن الجنية ظهرت ، مرة أخرى ، ولم يمض على اختفائها بعد سبع وسبعون عاما كما قالت لي .. أنا مندهش من ظهورها ، مثلكم ، ولهذا السبب سألتها بإصرار :
- لماذا حضرت ولم يمض عليك سبع.....
قاطعتني وهي تشير لي أن أخفض صوتي .. أن أهمس كلماتي همسا ( يهمس للجمهور ) لا أخفي عليكم أشعرني حالها بالخوف .. ظننت أن المارينز يتبعونها في محاولة منهم لالقاء القبض عليها .. همست في إذنها
( يذهب الى الجنية التي ما تزال على وقفتها )
- أيتها الجنية .. أيتها الجنية.. ما الذي جاء بك قبل الأوان؟
(نسمع صوتها لكنها لا تتحرك)
- الخوف أيها العراقي .. الخوف
- الخوف .. أيخاف الجن مثل البشر .. أي هراء هذا ؟ !
- أحيانا نخاف أكثر منكم
- وممن خائفة أنت أيتها الجنية؟
- ممن يريدون الظفر بي .. انهم يلاحقونني
- وهل يستطيعون رؤيتك وأنت خفية ؟
- ليس بالنسبة لهم أيها العراقي
- ماذا تعنين؟
- لقد جلبوا معهم كل ما يحتاجون للاستدلال على هيأتي
- أنت تزيدينني حيرة وإرباكا.. قبل لحظات خرجت من رأس جواد سليم ولم ينتبه اليك أحد .. وها انت الآن خائفة وملاحقة من قبلهم .. ماذا يعني هذا ؟
- أنظر الى رأس جواد سليم
- وكيف لي أن أراه وقد اختفى فيك لحظة ظهورك
- إذن .. أنظر اليّ واخبرني بما ترى
نظرت اليها بامعان فأصابني الذهول ولم أجد تفسيرا واحدا لما رأيت .. كنت وأنا أحدق فيها أرى روح جواد سليم هائمة ، مضطربة ، قلقة ، خائفة فاقتربت منها .. كدت المسها .. وإذ لمستها فعلا زال عنها الخوف .. مددت إصبعي بحذر نحو ثقب صغير فيها فاخترق اصبعي هيئتها الأثيرية .. اندلق نور أبيض من ذلك الثقب .. سحبت اصبعي منبهرا فاندلق النور من ثقوب أخرى قبل ان يمسسها اي اصبع من أصابعي الأخرى خلت أنني أقف برهبة أمام نصب الحرية وقد غلفته بشكل غريب روح جواد سليم .. تساءلت في سري .. ماذا يعني هذا.. ها ؟ أأنا في حضرة روح الجنية أم في حضرة روح جواد سليم ! وتساءلت أيضا أهي ملاكه الملهم ؟ وماذا تريد أن تقول لي من كل هذا ؟ ( يتوجه الى الجمهور ) لا أكتم عليكم سرا ان قلت لكم إنني كنت غبيا أكثر مما تتصورون حين سألتها :
- أي روح هي روحك أيتها الجنية؟
أغضبها سؤالي الساذج فانزوت في مكان داخل خيمتي وراحت تذرف الدموع بشكل رهيب .. جلست قبالتها وبكيت معها طويلا علي أغسل سذاجتي المفرطة بدموعي الغزيرة .. نظرت اليها مستعطفا نظرة منها .. واذ نظرت الي أحسست بميلي اليها وانجذابي لها فتفجرت عواطفي المبلدة كلها وانهلت عليها تقبيلا .. قلت لها هامسا :
- الآن عرفت.....
مدت يدها الي .. لمست خدي الأيسر بحنان .. طرحتني على فراشي ..ابتسمت لي .. انحنت علي مثلما كانت تفعل أمي على الدوام وتمنت لي أحلاما سعيدة ..
أغمضت عيني ونمت وفي أعماقي القصية كانت الجنية تغفو هناك بأمان
( يظلم المسرح تدريجيا وتدريجيا تفتح الأضواء . يجلس. ينظر الى مكان الرأس والجنية )
في الصباح لحظة نهضت من فراشي لم أجد الرأس ولم أجد الجنية .. داهم الخيمة رجال المارينز .. أخرجونا بقوة .. ضربونا بعنف وراحوا يفتشون خيمتنا شبرا شبرا، ويعيثون بها خرابا .. ولما لم يعثروا على شئ توجهوا الينا شاهرين أسلحتهم في وجوهنا .. قال أحدهم :

- ان لم تقولوا لنا من منكم جواد سليم فسنقضي عليكم جميعا
استغرب السجناء من هذا السؤال المحير ..وتساءلوا في دخائلهم عما اذا كانت لجواد سليم أية علاقة في وضعهم رهن الاعتقال .. كدت أقول لهم أنا جواد لو لا أنني أحسست بلا جدوى الاعتراف .. ومن بين كل السجناء وقع اختيارهم علي فقادوني دفعا بكعوب بنادقهم الى مكان أسميته المسلخ انضوا عني ثيابي وهددوني بـ ... بـ... عفوا.. لا اجرؤ على إخباركم .. قلت لهم :
- مهما فعلتم من أفعالكم المشينة لا أملك لكم سوى جواب واحد هو أنني لست جوادا .
قهقهوا طويلا وهم يسمعونني أقول أنا لست جوادا ..ربما كانو واثقين من انني هو فأمروني أن ارتدي ملابسي وأنطلق الى خارج السجن .. خارج السجن ( الى الجمهور مباشرة ) تصوروا .. من .. من هذا الذي أرادوا أن ..أن. أن يفعلوه بي الى اطلاق سراحي .. لقد أطلقوا سراحي دون أولئك الأبرياء الذين اعتقلوهم معي وبسببي .. الا يعني هذا شيئا ؟ ! ( يتوقف قليلا .. ثم ) حسنا لقد أطلقوا سراحي .. أنا .. مطلق السراح الآن .. سعيد جدا بعودتي الى اهلي وناسي وأصدقائي ومعارفي جميعا .
(صمت)

بعد خروجي من السجن ذهبت مباشرة الى بيت الكاتب لأخبره أنني مطلق السراح وان مقدمتي لمسرحيته أو حكايتي عن تلك الليلة المشؤومة قد انتهت عند هذه النقطة ، لكنني فوجئت بإلقائهم القبض عليه .. قلت لأذهب الى بيت المخرج علي أجده فأعرف منه أسباب اعتقال الكاتب فوجدته معتقلا هوالآخر .. وازددت دهشة عندما عرفت أن جهات أخرى غير المارينز هي التي اعتقلتهما منذ أكثر من ليلتين .. غذيت السير نحو محلتنا .. لفت انتباهي تجمع أناس كثيرين قرب إعلان الصق على جدار متجري الصغير .. اقتربت من الإعلان ودهشت لوجود اسمي مدرجا في صدارة قائمة أعدتها جهة لم أسمع بها من قبل ، لغرض تنفيذ الإعدام بنا ذبحا ان لم نكف عن مساعدة رجال المارينز .. قال أحد المتجمعين ان اسمي موجود في أكثر من قائمة وإنني مطلوب من قبل أصحاب هذه القوائم مرة لأنني ساهمت في تأسيس جمعية لحقوق الإنسان ، ومرة لأنني شجبت الإرهاب ، وأخرى لأنني ساهمت في إصدار صحيفة محلية جريئة مع أنني لم أقم بأي من هذه الأعمال .. وخطر لي انهم اخطأوا الاسم إذ وضعوا اسمي بدلا من اسم أخي .. لقد جعلني هذا الخاطر أسرع في الذهاب الى بيت أخي لأحذره منهم لكنني وجدته قد ترك البيت وغادر مع زوجته وابنائه الى جهة مجهولة .
(صمت)
بلهفة وشوق سرت الى بيتي .. كنت متلهفا لرؤية زوجتي وابنائي .. وجدت الباب مفتوحا فدخلت مباشرة وصحت بصوت مسموع :

- أنا هنا يا أبنائي .. لقد عدت اليكم
لم يجبني أحد منهم .. قلت في سري سوف يهجمون عليّ على نحو مفاجئ كما كانوا يفعلون كلما عدت لهم بعد ان يطول غيابي عنهم .. سينقضون علي تقبيلا وترحيبا .. وأردت مفاجأتهم فمشيت على رؤوس أصابعي نحو باب غرفتهم قفزت الى داخل الغرفة صارخا بهم :
- ها أنا ذا يا أولاد
أخذتني المفاجأة وصعقتني الدهشة وأنا أراهم مكممين ومقيدين وخائفين .. تلفت يمينا وشمالا في محاولة مني لمعرفة ما حدث .. عيون أبنائي كانت تشير الى غرفتي فأسرعت بالدخول اليها .. رأيت زوجتي شبه عارية وعلى جسمها آثار كدمات وضربات وقد ملأ الخوف حدقتيها فانفتحتا على اتساعهما .. هرعت اليها لكنهم هجموا علي .. طرحوني أرضا .. حشروني داخل كيس أسود .. حملوني الى خارج البيت .. وضعوني داخل عجلة مسرفة وساروا بلا توقف الى هناك .
( يتنبه لصوت صادر من بين الجمهور )
ها ؟ .. هناك ؟ .. مكان لا أعرف أين يقع ( يعود الى وضعه السابق ) أخرجت رأسي من الكيس فرأيت نفسي داخل مكان غريب ولشدة غرابته أسميته ( هناك ) ..
اظلام
*
المشهد السابع
تفتح الاضاءة .. يخرج صلاح من الكيس .. يلقي نظرة بانورامية على المكان.. ينهض .. يرى اشباح رجال معلقين من اقدامهم .. ؟ أو .. من رقابهم.. بعضهم بلا رؤوس .. وبعضهم الآخر مربوط اليدين والقدمين ومكمم الفم تركوا مقرفصين في زاوية من زوايا الـ ( هناك ) .. يقترب من بعضهم .. يتأمل مظهرهم المأساوي وآثار التعذيب على أجسامهم المهدمة .. يدخل الى ( هناك ) ثلاثة من رجال يحملون الهراوات .. وبحركات ايقاعية راقصة ينقضون على ضحية وهمية بالضرب المبرح ويخرجون .. يدخلون مرة ثانية.. ينهالون على الضحية نفسها باللكمات والرفسات ويخرجون.. يحاول صلاح النهوض .. يتحامل على نفسه لكنه يسقط أرضا.. يدخل الثلاثة .. يكممون فمه.. يربطونه على وتد أعد له على يسار الـ ( هناك ) .. واذ ينتهون يقفون في حالة استعداد .. يدخل رجل رابع .. يؤدون له التحية .. يقترب منهم .. تجمد حركتهم تماما .. يتوجه الى صلاح .. يرمقه بنظرة ازدراء ثم يعود الى وسط الـ ( هناك ) .. يشير الى جماعته فيناوله أحدهم جهازا صغيرا.. بينما يقوم الاثنان بدفع صلاح واسقاطه تحت أقدام الرجل الرابع .. يتسلمون اشارة أخرى فيزرقون صلاح بحقنة مخدرة ثم يشقون في ظهره جرحا صغيرا .. يحشر الرابع الجهاز الصغير في الجرح ويخرج .. يتبعه الآخرون .. يظل صلاح ملقى على وسط الـ ( هناك ) لفترة وجيزة ، واذ يصحو يرى المكان خال من الجميع فيهرع خارجا من الـ ( هناك ) ومنطلقا بسرعة وارتباك نحو جهة غير محددة بالضبط .
*
المشهد الأخير

مرة أخرى تركوني مطلق السراح فرحت أسير وأسير حتى وجدتني أنقل خطاي بين شوارع بغداد وأزقتها .. مررت من أمام مبنى الاذاعة والتلفزيون .. أحسست بأحد ما يتبعني فأسرعت الخطى .. في منتصف المسافة بين الاذاعة ومسرح الرشيد توقفت متعمدا فتوقف متابعي أيضا .. وعندما سرت ثانية سار خلفي .. التفت اليه علي أتعرف على ملامحه .. فوجئت به .. بل .. فوجئت بها .. كانت الجنية تتبعني من شارع الى شارع ومن منطقة الى أخرى .. سحبتها بسرعة وأوقفتها خلف جذع كالبتوس ضخم وقلت لها بسرعة :
- لماذا تتبعينني أيتها الجنية ؟
كانت مرتبكة وخائفة .. سحبتني من ذراعي وهي تقول لي بارتباك :

- لا تتوقف هكذا .. انهم يتبعوننا
- من هم الذين يتبعوننا
- المارينز
- المارينز.. المارينز أيتها الجنية .. ما شأننا بهم؟
- بل قل ما شأنهم بنا
التفت اليهم لأستوضح الأمر .. كان عددهم يزداد بشكل مهول.. مئات منهم كانوا يسيرون راجلين الى جوار عجلاتهم المسرفة الضخمة .. يتقدمون بحذر شديد.. قلت للجنية مازحا :
ـ أكل هذا العدد من اجلنا نحن ؟!
قالت:
- سترى أيها العراقي
ورأيتهم يتقدمون بأعداد غفيرة من جهة الجسر .. المنفذ الوحيد الذي يمكن أن ينقذنا من هذا الفخ الكبير .. انضمت اليهم وحدات ساندة جديدة وراحوا يضيقون قبضتهم علينا .. أردت أن أقول للجنية طيري بي في سماء ( الصالحية ) لكنني فوجئت بعشرات الطائرات المروحية التي توقفت في الجو وراحت تراقبنا خطوة بخطوة .. سألت نفسي وأنا الج مبنى مسرح الرشيد المحترق :
- أأنا أم الجنية على هذه الدرجة من الأهمية حتى يرسلوا كل هذه القطعات لمتابعتنا أو لالقاء القبض علينا ؟ ! ( مفكرا ) أنا ؟ لا ..لا أعتقد ذلك ..ربما هي ( متذكرا ) أو..أو ربما هو.. نعم هو من يريدون القاء القبض عليه .. ولكن ماذا يفعلون برجل رحل عنا منذ عام 1961 ها ؟ ألانه شيد للحرية نصبها العظيم ؟ أم .. أم ..
- المبنى محاصر
قالت الجنية وهي تحدق في عيني الحائرتين ثم أردفت قائلة :
- منذ مجيئهم وهم يحاولون القاء القبض علي بلا جدوى ..
- ولماذا أنت أيتها الجنية
- لأنني احتفظ في دخيلتي بروح جواد سليم .. روح الحرية
- يطاردونك لأنك تحتفظين بروح جواد سليم .. لماذا يطاردونني أنا اذن ؟
- لأن بعضا من روحه قد حلت في روحك
- أحقا ما تقولين
- نعم ..وهذا ما يرعبهم ( ثم ) لقد عرفوا بأمرك وها هم يصلون ، عن طريقك ، اليّ

- إذن .. لقد جعلوا مني طعما للظفر بك .. يا لهم من أوغاد.. ويا لغبائي المفرط

توقفت عن الكلام وأنا أنظر في عينيها بإمعان .. قلت لها واثقا :
- يمكنك الآن أن تدخلي في عمودك المشع فتتواري عن الأنظار
- وكيف لي ذلك أيها العراقي ولم يبقوا موطئ قدم إلا ودنسوه ، ولا منفذ نور إلا و أغلقوه
- إذن .. تعالي معي بسرعة
اخذ صلاح بيد جنيته .. وراح يركض معها نحو صالة المسرح .. اقتحم رجال المارينز الصالة من بوابتيها الخلفيتين وراحوا يفتشون عن صلاح والجنية خفتت الاضاءة شيئا فشيئا على خشبة المسرح حتى انتهت تماما إلا من أشعة أسلحة المارينز ذات الحزم الضيقة .. فتشوا في كل مكان يخطر أو لا يخطر على بال أحد .. صعد أحدهم الى خشبة المسرح مقتفيا آثار صلاح والجنية .. واذ تحرك أمامه شئ ما ارتعب كثيرا ولشدة رعبه أطلق النار فانهال الجميع عليه بالرصاص .
صعد رجال المارينز الى الخشبة أحاطوا بالقتيل واذ اكتشفو أنه واحد منهم توقفوا عن الحركة مندهشين .

توقفت الحركة على خشبة المسرح تماما .. وحده العراقي يعود من المكان الذي توارى فيه عن انظارهم .. يتابعه عمود ضوء صغير هو نفس عمود الضوء الذي خرجت منه الجنية في بداية المسرحية .
صلاح : ( بهيأته الطبيعية متوجها الى جمهور النظارة ) الى هنا انتهت مقدمتي
لمسرحية شهوايات ، ولكم أن تحضروا فيما بعد لتشاهدوا فصولها
اللاحقة .. شكرا لحضوركم أيها الـ .....
المخرج : ( مقاطعا ) انتظر يا عراقي لحظة لنلق التحية على جمهورنا الكريم .
يصعد المخرج الى خشبة المسرح .. يؤديان التحية التقليدية ويخرجان .
*
صورة صباح الأنباري