مقاس الروح أو زفرات شاعر في خط الاستواء




مقاس الروح أو زفرات شاعر في خط الاستواء
عبد النور إدريس



إلى الصديق كمال العيادي

رقيق، يافع، دقيق الملامح كأنه قُدَّ من خيزران ، يحمل كلّ عضامه في اتجاه القميص الأزرق ذو الأشرطة البيضاء على الكُمّين والعنق ، والبريق يلمع في العينين لم يخف على البائع عندما سأله كمال في لهفة العُري
كم يساوي قميصي؟
لقد وجده أخيرا في مقاس 35، ولا دينار واحد بجيبه.
"أخيرا مقاس 35...ياه..أخيرا...إنه قميصي" ردد مبتهجا من كثرة الغبن..
ذلك الطفل الذي كان في ثوبه رقيقا ينشر الشعر في ذاكرتي ذات بيضاء.. كانت عيناه تتغزلان في قميص أزرق ذو الدوائر البيضاء... كانت زفراته المرتعشة تدفعني للحلم بقطرات المطر في خط الاستواء...قطرات ليس لها سوى مقاس واحد...مقاس 35......
يأتي المقاس خجلا من جيبه الفارغ ..وقد لا يأتي المقاس إلا مرة واحدة...فرصة لن تتكرر جعلته يستجيب للنحيب الداخلي القديم وهو يستلف لهفته دنانير أرجعته يسابق الطيران للبائع والنشوة تلتقط ابتهالات جسد يقاوم العراء الباطني..يتوجه في اللون الأزرق إلى ضجة الجسد والروح...


البيضاء: من ذاكرة معرض الكتاب 2006
صورة عبد النور ادريس