مدن هاشم حنون السبع




مدن هاشم حنون السبع
تدوين وقائع متحولات اللوحة
صدام الجميلي



في محاولة منه لإخراج تجربته من مأزق التكرار والمماطلة، لجأ هاشم حنون في تجربته مؤخرا إلى ترحيل جزء من بنية لوحته الأصل محولا ذلك الجزء الى موتيف ينشئ على اساسه محاولتة، مبتعدا عن لوحته قليلا والتي ظهرت متميزة بامتلاء السطح التصويري عبر البناء اللوني المتوهج، وهو يرصف أشكاله تحت سطوة غنائية متدفقة منحت اللوحة ذلك الاكتناز والتسطح المنسجم مع غايته لملء الفراغ بروح شرقية ، مدعماً شعريتها بمحمول تعبيري قريب من استدعاء الطفولة والاستئثار بعالمها الخفي الرقيق وقد اشرت في دراسة سابقة الى استعادة الفنان لعالم الطفولة عبر وجوه الأطفال وعفوية الأشكال وتلقائية الخط ورصفه للأشكال على وفق بنية زخرفية واللعب باللون ممارسة منه واستعادة لفعل اللهو والمغامرة والانبهار بالعالم البكر الأول يشكل رغبته في القبض على عالم عابث مسالم، حيث يمارس اللعب عبر حشو اللوحة بحلوى ملونة تثير شهية المتلقي جمالياً على وفق ما ينسجه من مساحات لونية رائقة تتقد بفعل ذلك التضاد والتجاور المدروس والذي يؤسس عالماً من الاستبدال الحسي للأشكال بفعل تراتبية الأشكال المرصوفة التي تغير أماكنها حدسياً مثيرة الشعور بالحركة داخل فضاء العمل الممتلئ وهو ينقفل على ذاته ويكتفي بها.
ان محاولة هاشم حنون الخروج من القالب التقليدي للوحته يمثل الخروج بالشكل واستدعائه بعيدا عن مكانه الأصل واستقطاعه من فضائه المشحون بالتعبير يعني بالضرورة اكتفاءه بالشكل دون ما يجاوره وهو أشبه بالخروج مع الشكل في نزهة لتغيير مناخه او محاولة لوضع الشكل في فضاء طلق، يمارس فيه الشكل حريته بعيدا عن محايثاته المفترضة لتكوين السطح التصويري.
في عمله (سبع مدن) (SEVEN SITIES) حاول الفنان الاكتفاء بالشكل المجتزأ على وفق آلية جديدة نفذت بتقنية الطباعة (الكرافيك) فيسرت له الإبقاء على الفضاء مبهماً بعيدا عن أي نقص بنائي جماليا وهو ما يسعى إليه الفنان ليمنح القارئ فرصة لاقتراح ما هو غائب. وتعد هذه التجربة في أصلها محاولة لتدوين متحول الشكل ونموه، فهو في عمله المتمثل بـ(سبع مدن)- طبعت بـ(تقنية الكرافيك)- أنجز الفنان من خلالها عمله المتمثل بسبع لوحات مرصوفة بشكل تدويني قابل للتصفح ليحاكي بروح عمله كتب التدوين المختلفة التي تسرد متحولات الحدث وتوثق مسيرته بطريقة تمثل إنشاء الموتيف والاكتفاء به بعيدا عن النص المحايث.
في لوحته الاولى قام الفنان بتأسيس شكل مثلث قائم الأضلاع تقريباً يرسخ في وسط اللوحة مبقياً على الفضاء بلونه الأبيض المفتوح ، حيث تبقى الأشكال المؤلفة للشكل الرئيسي (المثلث) بنفس تقنيته المعهودة من حيث بنية اللون وعفوية الشكل وغنائيته مثريا بؤرة العمل بإيقاع لوني مستمد من تجربته ذاتها ليؤسس بشكل متواتر انتماء تجربته الى الاصل والاشتغال على التفصيل والاهتمام بجزء منها ليكون بمثابة بذرة الثمرة التي تنمو لتشكل في النهاية عملا مغايرا تحت روح التجربة ذاتها.
يتحول الشكل المثلث لديه في الصفحة الأخرى الى شكل مستطيل محدب القمة فهو اقرب الاشكال التالية الى المثلث مما يمثل الانتقال بالشكل عبر النمو البنائي الواضح للمثلث ذلك ما يمثل انتماءه له وعلاقته المباشرة به والذي احاطه بنفس الفضاء السابق.
ثم محولا المستطيل في العمل الثالث الى دائرة تلتف على ذاتها ببناء رشيق وغنائي خالص ممثلة شكلا اشبه بالختم او الموتيف ، ثم تتحول الدائرة منشطرة الى ستة اشكال شبه دائرة في العمل الرابع متراتبة ضمن بناء منظم بصفين عموديين كل صف يحتوي على ثلاثة اشكال ومن ثم تلتحم في العمل الخامس كل كتلة مع ما يقابلها لتنج ثلاثة اشكال مستطيلة افقياً غير ان الاشكال في العمل السادس والسابع تنتشر منشطرة مكونة مجموعة من الكتل المتفرقة على سطح اللوحة تتخللها المساحات البيضاء او الفضاء الملازم للشكل في الصفحات السبع.
وان ابقاء الفنان على الفضاء الأبيض كان مهماً لغرض تأكيد اهمية الشكل وتهميش ما سواه.
فضلاً عن كون الفنان قد منح اللوحتين الاخيرتين روحاً من الأسى والانطفاء بسبب التقشف اللوني المتمثل بانتاج العملين بلونين لكل منهما (البني وتدرجاته والازرق) والمائلين الى الرمادية ان الفنان يشير بشكل او باخر الى سيرة المدينة او سيرة شكل فهو يقتطع شكلاً من خارطة اللوحة ويؤسس عليه تجربته التي انتجت سبعة موتيفات تصويرية دون نصوص كتابية ساردا حركة تحولات (الشكل/ المدينة) من التوحد الى الانشطار ومن البهجة الى الانطفاء والتشتت ، وهو بذلك يروي وقائع تحول الشكل من رسوخ (المثلث المتحد/ الطفولة) الى (الدائرة والكمال /النضج) وصولا الى الشتات والتهافت (الشيخوخة).
ما يسرده هاشم حنون في كتابه لا يعد بالضرورة سيرة لشيء ما وانما هو سيرة لكل ما هو حي ونابض ، وهي محاولة لتوثيق مسيرة الشكل وكيفيات تمرحله وتوالده ونموه، وهي بصورة اخرى دورة كاملة لنمو اللوحة التي تقتضي من المتلقي متابعة اكتمالها والانتباه الى ما تؤول اليه في الصفحة الناسخة ، انها محاولة جدية لاشراك المتلقي في متابعة خطوات اللوحة وبنائها بشكل او باخر وهي فرصة لادخال وتحويل المتلقي من قارئ الى قارئ ومنتج يقترح ما يغيب عن اللوحة ويستحضر مخيلته في ملء الفراغ الموتيف وما يليه من شكل اخر.
ان محاولة هاشم حنون لاخراج تجربته بصورة مغايرة يعد غاية في الاهمية تجاوزا للوقوع في اشكاليات الاسفاف والاجترار .وهي محاولة للبحث في التجربة عن وجه اخر يشكل تفصيلا مهما يثريها بروح من التجديد تحت ظل التجربة ذاتها .
والسعي للابتعاد بها عن سياقها الاصل ليغذي المشهد عموما بمغايرات لا تنفصل عن منبع العمل مرتبطة به ارتباطا مرنا يشكل في النهاية تجربة حية ذات بعد تحديثي ينسجم مع ما تتطلبه روح الفن في المغايرة والتنقل المدروس.
Aljumaily2002@yahoo.com


صورة صدام الجميلي