محاكم التفتيش من جديد




محاكم التفتيش من جديد
إكرام عبدي



كم هي متوهجة ومشعة روح المبدع، كم هي خفاقة محلقة متمردة مولعة بالسفر في عوالم الصفاء والإشراق والغواية والحرية، وكم تمقت التدثر بعباءة المؤسسة، وتحلم بالتحرر من كل الأنساق المألوفة والجاهزة، والاحتراق بصوفيتها ورهبنتها وتوحدها مع ذاتها ومع الكون، وكم ترفض أن تكون شاهدة صمت على كل زيف وتحجر وعقم يحاصرنا، لكن المبدع العربي للأسف لا يهنأ طويلا بخلوته الذهبية، فسرعان ما يجد من يقتحمها بجرأة ووقاحة، بتهمة "إخلاله بالآداب العامة"، و"المس بالذات الإلهية"، وتضمين إبداعه نصوصا قرآنية في سياق فاحش مبتذل...وغيرها من "الانحرافات الإبداعية" في نظرهم، التي تجعل المبدع يعيش حالة من الرهاب والرعب النفسيين، بعدما كان يعيش حالة من الإشراق والانتشاء الروحي والفكري .
صحيح أن هناك من سدت أمامه أبواب الشهرة، فالتجأ لذكر الذات الإلهية في سياق فارغ أجوف، وجعل نصوصه إباحية عارية فاحشة خالية من أي عمق فكري أو وجودي كي يطفو على سطح العالم، وهو الذي طالما أقام في مناطق ظليلة من النسيان، لكن هناك في المقابل من أبهرونا بعمقهم الإبداعي والفكري وخلخلتهم للجاهزية، وفاجئونا بتمثلهم الصادم للذات وللعالم من حولهم، وعوض الاحتفاء بفكرهم وإبداعهم، يتم الزج بهم في محكمة ظالمة، والمطلوب منهم ليس الدفاع عن أفكارهم ونصوصهم فقط بل الدفاع عن معتقداتهم وإثبات إيمانهم والرد على تكفير الآخرين لهم.
ومناسبة القول ما يحدث في مصر من تضييق على خناق المبدع، ومصادرة حقه في التعبير والبوح بعيدا عن أجهزة التصنت وعيون الرقابة و عن محاكم التفتيش، دون استثناء طبعا باقي الدول العربية وإن كان بمستوى أقل مما يحدث في مصر، فالحديث عن التكفير والمصادرة والمنع في مصر من طرف رجال الدين وعلماء الأزهر، هو الحديث عن تاريخ "مصادراتي"، فمند التسعينات إلى الآن، منع أكثر من 81 كتاب موزع بين الديني والثقافي والسياسي، ويؤكد الشاعر المصري حلمي سالم في كتابه "ثقافة كاتم الصوت"، أن النصف الأول من القرن العشرين كان أخف من النصف الثاني، حيث سجلت فيه ثلاث وقائع: واقعة مصادرة كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"، وكتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، وكتاب أنور كامل "الكتاب المنبوذ" عام1935، في حين سجل النصف الثاني من القرن العشرين أكبر نسبة. وربما يجدر بنا تأليف موسوعة للمصادرات والمنع، على غرار "موسوعة العذاب" التي ألفها الباحث العراقي الراحل "عبود الشالجي" للتأريخ لأنواع التعذيب المختلفة، وهاته الموسوعة يجب أن تبدأ من "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، مرورا بقضية نصر حامد أبو زيد ونوال السعداوي واللائحة طويلة....وتنتهي بالشاعر المصري حلمي سالم
و ديوان "الوصايا في عشق النساء" للشاعر المصري أحمد الشهاوي، الذي أدانته "مجمع البحوث الإسلامية" وطلبت بسحب ديوانه من الأسواق بل تمادت في تكفير الشاعر وإهدار دمه، بتهمة تضمين نصوصه مصطلحات جنسية، ونصوص قرآنية في سياق فاحش ولا يليق بالمقام الديني. أنا شخصيا قرأت هذا الديوان، وأعود إليه كلما أحسست برغبة في مشاطرة الشاعر الاحتفاء بالمرأة وبأنوثتها وجمالها و الصعود إلى مقامات العشق وأحواله، ولا أجد فيه أي نوع من الإباحية أو مس بالدين الإسلامي بل فقط تناصا مع نصوص قرآنية وأحاديث نبوية استنادا لمرجعية الشاعر الدينية الصوفية، وكذا إصغاء لنصوص من التراث الثقافي الإسلامي.
فأنا هنا لا أنصب هنا نفسي محامية للشاعر، فهو أقدر من أي شخص آخر، للدفاع عن نفسه وقناعاته انطلاقا من اعتداده بإنسانيته وبفكره وذاته وشاعريته، بل أدافع وبقوة عن حرية النص الإبداعي في الترميز والتماهي والمجاز والتخييل والإقتباس والكناية والتناص والانزياح.. ومختلف التقنيات التي تجعل من النص منفتحا على إمكانيات عدة في التأويل، عوض أن يقبع مغلقا ممتقعا وحيدا في كهف مظلم أحادي التأويل. لكن للأسف أمام جرأة المبدع ومجاهدته ومخاضه لخلق نص إبداعي أو فكري مغاير ومجدد في أفكاره وطروحاته وجماليته، يصطدم بامتعاض ورفض من نوع آخر، رفض القارئ، فهذا الأخير هو أيضا نتيجة حتمية لتربية سطحية ساذجة يغلب عليها التدجين وغياب النقد وعدم إعمال العقل والفكر، فيجد المبدع نفسه أمام محاكمات متعددة الأوجه، محاكمة المجتمع من جهة والدين والدولة من جهة أخرى، فينشغل بالدفاع عن معتقداته عوض الانشغال بالإبداع وتحرير العقل والفكر الإنساني، وربما هاته الضجة كانت لصالحه، وخلقت له أكبر عدد من القراء، بعدما كثرت الشكوى والتذمر من عزوف المواطن العربي عن القراءة، فكل ممنوع مرغوب، ولكم تداولنا ونحن طلبة خلسة كتبا ممنوعة سحبت من السوق، وأحسسنا بلذة أكبر ونحن نسبر أغوارها ونستنطق مكنوناتها بعيدا عن الأنظار.
وأنا أتحدث عن هذا المنع أو اللعنة التي تطال المبدع العربي سواء في مصر أو باقي البلدان العربية، لعنة صادرت حقه في الاختلاف والتعدد وللانتماء لواقع مظلم رتيب ومميت، أحس وكأنني أعود إلى الوراء، وإلى عصور الانحطاط في الدولة العثمانية وإلى القرون الوسطى ومحاكمة كاليليو وحرق كتب لوثر وديكارت..،نتيجة لهيمنة الكنيسة الكاثوليكية عند الأوروبيين، الذين تداركوا الوضع وأشرقت حضارتهم وانتصرت قوى التنوير وخصوصا حين نهلوا من فكر ابن رشد وغيرهم من العلماء العرب، أحس وكأنني أعود إلى عهد الغزالي وابن رشد وحرق كتبهم والعداء للفلسفة، ومقولة "من تمنطق تزندق"، وربما بجدر بنا أن نقول الآن "من أبدع أهدر دمه".
شيء مخجل أن يصادر الإبداع والجمال وتنصب له محرقة علنية باسم الدين، والله خير من أبدع هذا الكون، ونحن الآن أكثر من أي وقت مضى، في حاجة إلى أفكار راقية متنورة مجددة تصون نقاءنا وإنسانيتنا وجوهر وجودنا في ظل هذا التلوث الفكري والإعلامي والديني الذي نعيشه، أفكار تلجم وحش الأفكار الظلامية المتطرفة المناغية للعصور الغابرة والتي أتت على الأخضر واليابس من فكرنا وديننا، بشكل يقض مضاجعنا يوما بعد يوم. شيء مخجل أن نصدر أحكاما ظالمة، دون حتى الرجوع إلى النص وقراءته والتأكد من صحة ما قيل، تحركنا "غيرتنا المزعومة" على ديننا وفروسيتنا البلهاء لقطع دابر كل من ذكر اسم الله أو الرب في سياق ما، وربما وجب الاحتراس من ذكر "رب الأسرة"، فربما يلتقطها "فاعل خير" ويكفرك بتهمة إنزال كلمة الرب منزلة الأسرة، كل شيء أصبح ممكنا في زمن الخراب المغولي الذي نعيشه، لكنني على يقين أن المبدع بروحه الصلدة التي يستعصى اقتلاعها من تربة الكتابة، سيقاوم مقاومة شرسة من أجل البقاء والنقاء، قد يتحمل المحاكمة و الغربة والمنفى، وقد نتحمل نحن الصقيع الذي يمكن أن يصيبنا إن هجرتنا كلمات طالما دثرتنا وأدفأتنا، لكنني على يقين أنه لن ينطفئ أبدا، سيشرق ولو من أقصى نقطة في هذا الكون، و أمام قوته وصموده لا يجب أن نستكين للصمت ونتكوم حول عجزنا بعد كل محاكمة ونقول ما باليد حيلة، بل لابد من الوقوف في وجه كل جبابرة الظلام ومتزعمي ضيق الأفق، وذلك بإسناد أمر إبداعنا لمؤسسة من ذوي الاختصاص تحمي إبداعنا وفكرنا من كل مقصلة، ومن كل أنواع القمع والاضطهاد، تضمن له الاستمرارية والتوهج والحياة، فكما أن هناك مؤسسات تحمي حقوق الطبع والتأليف والنشر فلابد من وجود مؤسسة تحمي حق المبدع في الاختلاف والمغايرة والخلق والإبهار.


ikramabdi@maktoob.com
*كاتبة وشاعرة من المغرب

صورة إكرام عبدي
آخر المشاركات: 

التعليقات (6)

إكرام عبدي
ذاك ليس من المشرق العربي فحسب ولكنها مشكلة أصبحتْ ...
بمجرَّد أن تقول( الدين ) فانتَ كافر !
لغتكِ جميلة بل دعيني أقول : لغتكِ حريصة نازفة , وليس أمام المبدع إلاّ القول : دعني اتنفس الهواء الأخير ! ولكني أحس بنوع من الثقة ذلك أنّ المرأة العربية تستطيع في النهاية  أن تقول : انا هنا  , تماماً كما البعض من الطيبين المتنورين العرب من الرجال , لنصك أسئلة 
مع خالص الود والتقدير
صورة سامي العامري
مشكورة اختى الغالية على هذاالموضوع الجيد

صورة رياض باحاج
كنت اتمنى ان تكون كلماتي رقيقة و مجاملة
و نظام شيلني و اشيلك
المعمول به في كل انحاء العالم
(الثالث)
لكنني لا استطيع ان افعل
كيف تخلطين الدولة العثمانية و احترام الذات الالهية
بسيطرة الكنيسة على اوروبا
و عصورها المظلمة؟؟؟؟؟؟؟
و كيف تدافعين عمن يسب الله؟؟؟؟؟
و من أنتم جميعا
لتطالبوا المجتمع بالانصياع ناحية فكركم
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
و لتملوا اتجاهاتكم عليه؟؟؟؟
 ومن لا يفعل يصبح ظلاميا و متخلفا!!!!!!!
فكري قليلا ربما تكونين على خطأ
و الآخرين الذي تنتقدينهم على صواب
يا سيدتي الناس تذبح في العراق و فلسطين و افغانستان و بورما و كشمير و الشيشان
و المنظمات التي لا تنتمي الى هذه الأمة تجاهد لتوصيل رغيف الخبز الى هؤلاء المحاصرين من بني جلدتنا
و تاتين انت بكل بساطة
تريدين منا ان نناصب الله (فرصتنا الوحيدة) في النجاة العداء
افيقوا لأي شيء تعيشون؟؟؟؟؟؟
الى اين تتجهون؟؟؟؟؟؟؟
لا تخلطي الوراق بعضها ببعض
و اقرئي تاريخ امتك قبل ان تعاديها
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد
صورة محمد الناصح-2
اليوم فقط قرأت تعليقك أخي محمد الناصح، وأحب أن أقول لك ان نصي هذا الذي كتبته، كتبته فقط لمن سيفهمون مثل فهمك هذا، ولمن يمتلكون ضيق أفق ولا يبصرون أبعد من عتبة بابهم الضيقة ولا أبعد من أرنبة أنفهم للأسف
وأشكرك على تعليقك هذا
  إكرام عبدي
صورة إكرام عبدي
الأخت إكرام أولا ً سعيد أنني أتعرف على صوتك الواضح هنا في الورشة    قرأت مداخلتك القيمة وكم كنا بحاجة لها قبل فترة وجيزة  لذات المشكلة مع نفس الشخص وغيره    وأنا شخصياً كنت أحد الضحايا   ولا أعرف كيف نجوت  ولكن نالني ما نالني    لك كل التقدير  وأشد على يديك   خطابك رصين  وموضوعي ويضع يده على الجرح الذي تعاني منه مجتماعتنا البطركية التي ترزح تحت سطوة الكف والمنع والبتر والمصادرة  لك مرة ثانية كل الإحترام للجرأة والإختلاف 

وفائي ليلا        

صورة وفائي ليلا
اكرام عبدى
شكرا لجهدك الطيب
ياعزيزتى كل شىء يعود من جديد
تقديرى
محمود مغربى
صورة محمود مغربي