Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

مجتزأ من رواية (أوطان بلون الفراولة)




مجتزأ من رواية (أوطان بلون الفراولة)
محمد سامي البوهي


-8-
(الجرعة الثالثة)
"ادخلوها آمنين"
جئت ارتمي بأحضانك علني أجد تحت جناحيك الرحمة، فتقبليني شريكة في ثراك، أشم منه ثرى بغداد، وأتنفس وجودي فأمتلئ بملامحك لأعرف من أنا، ومن أكون، أريدك أن ترسمي عيني، وأنفي، وشفتي، وتغزلي شعري على راحتيك، فيراني الناس كما أراهم، ويشعرون بي كما أشعر بهم، ولا أعيش كشبح هلامي يظهر في الظلام، ويذوب في وضح النهار دون أن يرى نفسه أو يراه أحد آخر، انتفضت على صفعة الضابط لجواز سفري بختم الدخول، فابتسم مرحباً وهو يشير من الكشك الزجاجي  نحو الداخل، فعقدت العزم على البحث عن وطن حتى لو كان بين ركام من قش، فإلى المزيد من الشوارع والطرقات والناس، أغوص بأقدامي بينهم لأترك ذكرى تعيدني إليها، أضرب فوقها خيمتي، وأقيم حفلات الرقص الصاخب حول حلقات النار، فيعلم الحاضر الغائب أنني قد عدت إلى هنا لأغرس رايتي  برأس مدينتهم، فكل أوطان العرب هي وطني، شاءوا ذلك أم ...؟؟؟
كنت أنساب من بين المنتظرين نحو ساحة السيارات بالخارج وأنا أزيد من إصراري على المواصلة، لأعوض نفسي الضائعة بهذا اللقاء الجديد، وقفت حائرة أتأمل المارة، فمازلت لا أعلم إلى أين سأذهب؟ أو ما الذي أتى بي إلى هنا؟ لكنه بأي حال لم يكن هروباً، فإلى أين سنهرب من أوطاننا إلا بالعودة إليها، اقترب مني شاب في مقتبل العمر:
-       تاكسي يا مدام؟
نظرت إليه واجمة، ثم وضعت يدي على بطني البارزة، وشردت بعيداً، لكنه عاد يلح بالسؤال:
-       تاكسي يا مدام تاكسي؟
حركت رأسي بالموافقة، فحمل حقيبتي ووضعها في صندوق السيارة:
-       إلي أين نتجه؟
-       إلى أي فندق مناسب.
-       لكن الفنادق هنا أجورها مرتفعة جداً يا مدام.
-       أين سأقيم إذن؟
-       هل ستطول مدة إقامتك؟
-       حتى الآن لا أعلم.
-       ما رأيك في شقة مفروشة؟
-       هل ستكون أفضل من الفندق؟
-       بالطبع أفضل بكثير.
وصلنا مدينة 6 أكتوبر، فأخذ يجوب بي الشوارع، ومكاتب (السماسرة)، إلى أن حصلنا على شقة خالية بسعر مناسب، بعد أن عاينتها، وتفحصت الأثاث وسط ثناء السمسار المتواصل، لكل صغيرة وكبيرة بالمكان (شقة بحرية، الهواء فيها يرد الروح، العفش  بشوكه، وأمين البواب الذي سيقضى كل احتياجاتي دون كلل أو ملل وووو...)، وقعت عقد الإيجار مع المالك لمدة سنة كاملة في حضور الشاب سائق التاكسي الذي ترك لي رقم هاتفه (المحمول) للاتصال به إذا لزم الأمر، ثم غادر معهم طارحاً باب الشقة من خلفه، فأخذت أجوب أركانها، وأنا أصرخ فرحاً-أخيراً صار لي بيت عربي-، تحسست قطع الأثاث وأنا أسرع الخطى نحو النافذة الزجاجية المطلة على الشارع، فضحكت بصوت عال عندما رأيت سائق التاكسي يقبض من السمسار عمولته، بعد مشادة كلامية طويلة....
أخذني التفكير إلى ناحية أخرى لم أحسب لها حساباً، ولم أتعود على دق خزائنها إلا  عندما توقفني أمامها عاجزة، فقد أوشك رصيدي البنكي على النفاد، وكان لابد وأن أجد  مصدراًً مادياً يدعمني لأظل على قيد الحياة، ففكرت باللجوء للسفارة الهولندية بالقاهرة، فربما يساعدني المسئولون على إيجاد فرصة عمل تعينني على العيش، أمسكت بسماعة الهاتف، واتصلت بسائق التاكسي ليقلني إلى هناك، فأخبرني بأنه سيكون عندي بعد ساعة، وكانت المدة كافية لأجهز نفسي للقاء قد يدفعني للعودة إلى هولندا، أو البقاء كما أنا مصلوبة فوق الاتجاهات العربية، أتاني بوق التاكسي من النافذة المطلة على الشارع، فاتجهت نحو المصعد وأنا أعد الخطوات، لكنها ورقة ولابد وأن ألقي بها على أرضية اللعب. لم أسلم من فضول السائق، الذي أخذ يسألني ويسألني عن أدق التفاصيل، ويحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة، وأنا أحاول التملص لكنه كان يحاصرني ببراعة كما القدر، إلى أن توقفنا أمام السفارة الهولندية بالزمالك، عبرت البوابة الخارجية بعد أن أبرزت لحارس الأمن جواز سفري وأخبرته برغبتي في مقابلة أحد المسئولين، فتحدث في جهازه اللاسلكي، ثم سمح لي بالدخول، تلقاني موظف الاستقبال بحفاوة بالغة، ثم سألني إن كان في استطاعته تقديم أية مساعدة، في تلك اللحظة خطر ببالي فكرة مقابلة السفير الهولندي(شورت لينيستر)، وتقديم الشكوى له بما حدث لي، لكن شيئاً ما منعني، لم يكن أبداً الخوف، بل كان قلبي الذي لم يطاوعني على كشف الغطاء عن سوءاتنا، فعدلت عن الفكرة سريعاً، ثم أخبرته برغبتي في الحصول على عمل يعينني على الإقامة هنا، لكنه أخذ يسألني ببروده الأوربي عن سبب نزوحي من هولندا إلى مصر، فتحججت بأسباب أشبه بالكذب ربما اقتنع بها، أو أنه تظاهر أمامي بذلك، فطلب مني تسجيل عنواني، ورقم هاتفي، ثم غادرت على وعد منه بالاتصال القريب بعد توفير فرصة عمل مناسبة...
سألني سائق التاكسي عن سبب زيارتي للسفارة الهولندية، رغم إجابتي على سؤاله سابقاً بأنني عراقية، فأجبته بغيظ :
-       جئت أبحث عن عمل.
-       تبحثين عن عمل وأنا موجود؟!
ابتسمت مستغربة، لكن بدا وجهه جاداً عندما أخبرني بأنه يعمل صباحاً مترجماً بمكتب لخدمات السياحة والسفر، وحالياً المكتب في حاجة لموظفة تجيد الإنجليزية بطلاقة، زاد استغرابي، بعد أن أوقعني في مربع الفضول، فأردت أن أسأله عن كيفية الجمع بين الترجمة ومهنته كسائق، لكنه لم يمنحني تلك الفرصة، وأجاب عن سؤال أردته ، بأنه حاصل على ليسانس في الآداب قسم لغات شرقية، ومهنة سائق  التاكسي ما هي إلا لزيادة دخله، فقد شارف على الثلاثين ولم يتزوج بعد، وهذا حال معظم شباب مصر؛بطالة،وفقر،وشعوربالضياع، ثم أخذ يثرثر عن أخيه الطبيب ومشاكله المادية، وأخته المقيمة معهم هي وأولادها بعد أن هجرها زوجها وسافر إلى الخليج ولم يعد، وعن أبيه وأمه المرضى، وجيرانه الكادحين، وأصدقائه وووووو؟؟؟ انتهى بنا الحديث أمام مكتب السياحة الذي أخبرني عنه، فصحبني إلى مكتب المدير الذي استقبلنا بترحاب شديد، فحدثه عن رغبتي في شغل الوظيفة الشاغرة، مؤكداً له إجادتي للغة الإنجليزية، وأن جميع الشروط المطلوبة تنطبق على، فنظر إلى المدير، و وقعت عينه على بطني، رفع رأسه ناحيتي، وهو يضرب رأس قلمه بسطح المكتب ضربات متتالية:
-       حضرتك حامل؟
-       ............
-       بكل أسف نحن نحتاج إلى موظفة استقبال.
-       فهمت.
لكن السائق التاكسي أخذ يلح عليه، وبأسلوبه الكثيف استطاع أن يجعله يوافق على عملي كمترجمة بالقطعة، على أن أمارس العمل وأنا بمنزلي، فوافقت على هذا الاقتراح المناسب  جداً لظروفي.

في طريق العودة اختلف أسلوب الحديث بيننا، فالآن هو صاحب الفضل، فبدأت أبتلع عيوبه وأجيب على أسئلته بارتياح، لكني كنت أهرب من بعضها، خصوصاً هذا السؤال الذي يتعلق بزوجي المفترض وجوده، فكلما اقترب من تلك المنطقة بادرته بسؤال عن حياته، فينسى كل شيء ويجيب عن سؤالي، لكني قاطعته عندما وقعت عيني على النيل بالخارج، فطلبت منه أن ينزوي إلى جانب الطريق، لأقف أمامه لأول مرة في حياتي، كان المشهد عامراً بالأضواء والناس، فأمسكت بالسياج الحديدي، و أسندت ظهري للهواء، ثم أغمضت عيني وأخذت أدور مع الأرض، وأنا أملأ شراييني بالنقاء، توقفت... ثم سألته وأنا أبعث برسائلي لدجلة والفرات والقمر:
-       حقاً من يشرب من ماء النيل يعود إليه؟
فأجاب واثقاً:
-       بل من يشرب من ماء النيل لا يخرج من مصر أبداً.
.
.
20مارس2003
استيقظت على صوت الوجع، آن للجنين أن ينطلق، وينطق بحقيقة البشر...
بغداد تقصف بصواريخ الذنوب، بغداد تقصف ولا قلوب للقلوب- آآآآه- أصرخ بالألم الرابض بأحشائي، أنزف ماء ودماء، دفعات، وركلات، وبغداد نار تحترق؛ أطفال، وبيوت ونساء-آآآآآآه- من دموعك يا وطن، أهلي أنت وناسي، شوارعي وطرقاتي، أحلامي وذكرياتي -أصرخ، أصرخ، أصرخ-، وحيدة بين جدراني، وما زلت أصرخ يا عرب ولا مجيب لصرخات النساء..
سمعت دوي جرس الباب، هبطت من السرير، وانحنيت على بطني، حاولت التقدم لكني لم أستطع إقامة جسدي، ارتميت على الأرض، أخذت أزحف وأزحف، صفعات تأتيني بظهري، ببطني، وداخل عظام الجمجمة، فسبحت وسط بركة من الماء والدماء والعرق، صرخت بشدة، وبابي يدق، ويدق، ويدق، ومن لأبواب بغداد من دقات القدر؟ الجرس ينخر رأسي، أشعره في جلدي كالمسمار (زززز... ززززززز)، انزلقت نحو الباب، مددت أصابعي حتى لامست القفل، سقطت يدي، ارتطمت رأسي بالأرض، أعدت المحاولة وسط صراخي، ومطارق ظهري، ودقات القلب، قبضت على القفل بأطراف أصابعي، ثم دفعته للخلف، انفتح الباب... آن لك أن تصمدي يا بغداد على أقفالك وأبوابك، وناسك، آن لك أن تصمدي... ارتطمت رأسي بالأرض، ولم أشعر بشيء بعدها...
فتحت عيني على مصباح متوهج بالسقف، نظرت عن يميني فرأيت وجهاً مألوفاً، أعرفه جيداً، لكنه كان يتموج مع الأضواء، فلم أستطع الإمساك بملامحه كاملة، حاولت أن أرفع رأسي لكن منعني الألم، فأسرعت نحوي، ورفعت الوسادة من خلفي، وأسندت ظهري عليها، أحكمت الغطاء حولي ثم ربتت على يدي مبتسمة:
-       حمداً لله على سلامتك.
-       ..............
-       أنا هدى جارتك.
صورة محمد سامي البوهي

التعليقات (4)

مقطع جميل يا محمد
كم اتمنى أن أقرأ الرواية كاملة
خالص حبي
صورة أحمد يحيى
شكرا جدا يا دكتور أحمد
وإن شاء الله قريبا جدا الرواية ستكون بين يديك
صورة محمد سامي البوهي
  الصديق العزيز "محمد" كلما قرأت مقطعا جديدا من  
الرواية  ازددت شوقا لمتابعة السرد المتقن
وملاحقة الأحداث كل التوفيق لك دائما
صورة جيهان احمد عبد العزيز
محمد سامي البوهي
قلم متميز
وإحساس متميز
سعيدة بأنك بيننا
صورة داليا فاروق