ليتَ فمي يعثر على هذا الصمت البدائي - أوسيب ماندلشتام




ليتَ فمي يعثر على هذا الصمت البدائي
أوسيب ماندلشتام
ترجمة: برهان شاوي
dodo_nomercy



مُنحتُ جسداً، ماذا سأفعل به؟
هذا المتوحد، هذا الذي هو مُلكي

من أجل المسرّاتِ الهادئة أتنفّسُ وأعيشُ
فلمن، يا تُرى، أقدّمُ اِمتناني؟

أنا الحدائقيّ.. وأنا الوردة..
وفي عتمةِ العالمِ لستُ وحيداً.

على زجاج الأبدية رقَدتْ
شهقاتي.. ودفئي..
فانطبعتْ نقوشاً وزخارفَ
لم يتعرّف عليها أحد..

فمهما سالتْ الأدرانُ، عن اللحظات
فإن نقوشي الحبيبة لن تُمحى..!

إنها لم تولد بعدُ..
هي الموسيقى، وهي الكلمة
ولأنها مع جميع الكائنات
متّحدةٌ بشدّة.

بهدوءٍ تتنفسّ صدور البحار..
لكن، مثل أحمقَ، أقبلَ النهارُ..
ومن الوعاءِ العكرِ الزرقةِ..
طفَا زبدٌ ليلكيّ شاحب..

ليتَ فمي يعثر على
هذا الصمت البدائي
الذي مثل صوتِ بلّوري..
وُلِدَ نقيّا..

اِبقَيْ زبداً.. يا افروديت..
ويا أيتها الكلمةُ عودي للموسيقى..
أنتَ يا ذا القلب، اِخجلْ من قلبك
هذا المندمج مع أصلِ الحياة.

الهواءٌ ثقيلٌ، رطبٌ وعاصف..
وجميلٌ هو المشي في الغابة وآمن..
التنزّه وحيدا، صليبٌ خفيفٌ
طائعا أحملُه مرةً أخرى.

ومرةً أخرى، صراخُ البط البري، المليء عتابا
مناديا الوطن اللامبالي.
أنا هنا حاضرٌ في غبش الحياة
غير أني لستُ مذنبا، كوني وحيدا..

أزّتْ طلقةٌ، وعلى البحيرة الحالمة
تثاقلتْ أجنحةُ البط..
هناك حيث تقفُ جذوعُ الصنوبرِ مفتونةً..
بثنائيّة انعكاسِ الوجود.

السماءُ الباهتةُ تعكس بغرابةٍ
ألماً كونيّا وضبابيّا..
( و ) دعيني أكنْ أيضاً: ضبابيا
واسمحي لي أن لا أحبكِ.

لربما أنتِ لستِ بحاجتي..
في الليل.. ففي لجة العالم
مثل صَدَفة بلا لؤلؤة..
أُلقِيتُ على ساحلكِ.

بلا مبالاة تثيرين رغوةَ الموج..
وتغنين بمشاكسة..
لكنك ستحبين.. وستقدرين..
هذه الصَدَفة.. المهملة.

سترقدين على الرمل جنبَها..
وستغطينها بثوب قدّاسك..
سترتبطين بها، بلا مفكّة..
وستعزفين على جرسٍ هائلٍ من الأمواج الناعمة..

عند ذاكَ، جدارُ الصدفة الهش..
البيت الذي كقلبٍ مهجور..
ستملأينه برغوةِ الهمس..
وبالضبابِ، بالريح.. وبالأمطار.

المصدر: من كتاب مختارات شعرية ونثرية . أوسيب ماندلشتام ، منشورات الجمل 1993 ـ ألمانيا



ولد اوسيب مندلشتام في 3 كانون الثاني من عام 1891 في مدينة وارسو.
والده إيميل فينيامينوفيتش سليل اليهود الأسبان تلقى تربيته في عائلة أبوية السلطة ، مما دفعه للهروب من البيت صبياً ، حيث تمكن بنفسه من التعرف على الثقافة الأوروبية غوته ، شيلر ، شكسبير .
وكان يتكلم الألمانية والروسية بشكل سيئ. و هو الانسان ذو الطبع الحاد ، لم يكن ناجحا في عمله التجاري بنفس الدرجة كما في المنزل كفيلسوف " ذاتي التعليم " . والدته فلورا اوسيبوفنا ،
وكنيتها قبل الزواج فيربلوفسكايا ، كانت من عائلة مثقفة كانت تجيد العزف على البيانو ، كما أكنت تحب بوشكين وليرمنتوف ، تورغينيف و دوستويفسكي ...
وهي من أقرباء المؤرخ المعروف للأدب الروسي فيلينغيروف .
لقد كان اوسيب الأكبر بين أخوته الثلاثة . قريبا بعد ولادة اوسيب انتقلت العائلة للعيش في بلدة بافلوفسك بالقرب من═بطرسبورغ .. و ثم منذ عام 1897 في بطرسبورغ نفسها .
في عام 1900 انتسب اوسيب مندلشتام الى مدرسة خاصة ، حيث كان لمدرس قواعد اللغة الروسية═ فلا . غيبيوس تأثير كبير على تبلور الشاعر ..
وخلال دراسته بدأ اوسيب ينظم الشعر .. وفي نفس الوقت ظهر اهتمامه بأفكار الحركة الشعبية الروسية"ESERI " . لذلك فورا بعد إنهائه للمدرسة قام الأهل ،
وقد أقلقهم النشاط السياسي لابنهم ، بإرساله للدراسة في جامعة السوروبون في باريس . وهنا في فرنسا اكتشف مندلشتام لنفسه أشعار فايون وأدب بودلير وفيرلين .. وغيرهم .
وهناك أيضا تعرف الى ن . غوميليوف . وراح يكتب الشعر ويحاول النثر أيضا . وفي عام 1909 √ 1910 تلقى مندلشتام دروساً في الفلسفة وعلوم النحو في جامعة هايدلبيرغ .
وكان في نفس الفترة يزور في بطرسبورغ اجتماعات اللجنة الدينية الفلسفية ، والتي كان من بين أعضائها مفكرون وأدباء بارزون جداً من أمثال ن . بيردياييف ، د . ميريجوفسكي ،
فتشيسلاف إيفانوف . وفي ذلك الوقت اقترب مندلشتام من الوسط الأدبي الروسي في بطرسبورغ .. حيث ظهر مندلشتام لأول مرة في " قلعة " ف . ايفانوف ،
حيث يلتقي مع آنا أخمادوفا . . وفي آب من عام 1910 تمت عمليا الانطلاقة الأدبية لمندلشتام : في العدد التاسع من مجلة " ابوللون  " تم نشر مقتطفات من خمسة قصائد للشاعر مندلشتام .
في عام 1911 تم تأسيس " ورشة الشعراء " وقد كان مندلشتام احد أعضائها .
وفي نفس العام اعتنق مندلشتام المسيحية مما سمح له الدخول الى القسم الألماني الروماني لكلية التاريخ والآداب في جامعة بطرسبورغ .. حيث تابع محاضرات و دروس لكبار العلماء في مجال النحو ،
وحيث تحت تأثير العالم الشاب ف. شيليكو بدأ اهتمام مندلشتام بالحضارة الآشورية وبحضارة مصر وبابل القديمتين . كما أصبح الشاعر في ذلك الحين واحداً من رواد مقهى "الكلب الشارد.
في عام 1913 تمت طباعة ونشر أول ديوان شعري لمندلشتام تحت عنوان " الصخرة " . في تلك الفترة كان الشاعر قد ابتعد عن الرمزية و اعتنق مذهب الكمالية . .
كما راحت تُطبع أشعره بكثرة في مجلة " ابوللون " . وحاز الشاعر على الشهرة .
غي عام 1914 ، بعد تطوع غوميليوف وذهابه الى جبهة القتال ، تم انتخاب مندلشتام رئيسا ل " ورشة الشعراء " .
في كانون الاول من عام 1915 قام منلشتام بنشر الطبعة الثانية من ديوانه " الصخرة " وقد كانت الطبعة الثانية اكبر بحوالي ثلاث مرات من الاولى .
في بداية عام 1916 جاءت مارينا تسفيتايفا الى بطرسبورغ .. التقت هناك في أمسية أدبية مجموعة من الشعراء .. ومنذ تلك الأمسية " الغير رسمية " بدأت صداقتها مع مندلشتام ،
والتي تم تتويجها بمجموعة من القصائد التي كتبها الشاعران الى بعضهما البعض .
بعد الثورة عمل مندلشتام موظفا عاديا في مختلف الدوائر الرسمية في بطرسبورغ . ومع بداية عام 1918 غاد الى موسكو . ليترك موسكو الجائعة في شباط من عام 1919
وليبدأ حياة التشرد في أنحاء روسيا : موسكو ، كييف ، فيوديسيا .
في أيار من عام 1919 وفي مقهى " خلام " في كييف تعرف مندلشتام الى ناديجدا اخازينا ذات العشرين عاما والتي ستصبح زوجته في عام 1922 ..
وبعد سلسلة من المغامرات بما في ذلك السجن لدى قوات فرانغل ، عاد منلشتام الى بطرسبورغ في خريف 1920 . . حيث تسلم غرفة في " بيت الفنون " الذي تم تحويله الى منزل للفنانين والأدباء .
صيف وخريف عام 1921 قضت عائلة مندلشتام في جورجيا .. حيث وصلهم نبأ وفاة الكسنادر بلوك .. ومن ثم نبأ إعدام غوميليوف .
خلال عامي 1922 √ 1923 نشر مندلشتام ثلاثة دواويين شعرية : " tristia تريستيا " 1922 ، " الكتاب الثاني " 1923 الطبعة الثالثة من " الصخرة " 1923 .
وقد طبعت أعماله في موسكو و بطرسبورغ وبرلين .. فقد كتب مندلشتام في تلك الفترة سلسلة مقالات حول قضايا ملحة في حقل الثقافة والتاريخ والانسنة : " الكلمة والثقافة " ، " حول طبيعة الكلمة " ،
وكذلك " قمح البشرية " ... وغيرها ..
في عام 1924 انتقل مندلشتام من موسكو الى لينيغراد . وفي عام 1925 نشر مندلشتام كتاب عن سيرته الذاتية
بعنوان " ضجيج الزمن ". وفي عام 1928 صدر آخر ديوان شعري لمندلشتام خلال حياته " أشعار " ، وبعده بقليل مجلد ضم مقالات " حول الشعر " و قصة طويلة بعنوان " علامة مصرية " ..
قضت عائلة مندلشتام الجزء الأكبر من عام 1930 في أرمينيا .. ونتيجة لتلك الرحلة كانت مقالة نثرية " رحلة في
أرمينيا ".. وسلسلة أشعار " أرمينيا ".. وفي نهاية عام 1930 عاد مندلشتام الى لينيغراد .
في كانون الثاني من عام 1931 و بسبب مشاكل السكن غادرت عائلة مندلشتام الى موسكو .. وهناك منح مندلشتام راتبا شهرياً 200 روبل مدى الحياة " لقاء خدماته تجاه الأدب الروسي " .
كتب مندلشتام في موسكو الكثير : بالإضافة للشعر عمل على انجاز دراسته " حديث عن دانتي " .. لكن أصبح من الصعب عليه طباعة أعماله ..
فبسبب نشر الجزء الأخير من " رحلة في أرمينيا " في جريدة " النجمة " اللينيغرادية كان قد اعفي من مهامه المحرر فولبيه .
في عام 1933 حضر مندلشتام الى لينيغراد حيث أقام أمسيتين شعريتين .. وفي نفس العام أقام أمسية شعرية في موسكو في المتحف التابع لمعهد العلوم التكنولوجية..
في أيار عام 1934 تم اعتقال مندلشتام .. وحكم عليه بالنفي ثلاث سنوات الى قرية تشيردين النائية .. لكن بعد توسط اخماتوفا وباسترناك تم استبدال تشيردين بمدينة فورونيج القربية نسبيا .
بعد النفي لم يعد يُسمح لعائلة مندلشتام بالعيش في موسكو أو لينيغراد .. مما اضطرهم للتسكع في ضواحي موسكو ..
اعتقل آخر مرة في 2 أيار من عام 1938 .. وحسب الإعلان الرسمي توفي في 27 كانون الاول من نفس العام 1938 وذلك في معسكر الاعتقال قرب فلاديفستوك .


صورة dodo_nomercy

التعليقات (2)

السماءُ الباهتةُ تعكس بغرابةٍ
ألماً كونيّا وضبابيّا..
( و ) دعيني أكنْ أيضاً: ضبابيا
واسمحي لي أن لا أحبكِ.

لربما أنتِ لستِ بحاجتي..
في الليل.. ففي لجة العالم
مثل صَدَفة بلا لؤلؤة..
أُلقِيتُ على ساحلكِ.
..........
رائعة جدا
اشكرك دعاء
تقبلى تحياتى ومحيتى
صورة أميمة عزالدين
نص رائع جدا ايها المضطهد الازلي المبدع برهان الشاوي
صورة علي ذيبان