لبنان على مفترق الطرق




لبنان على مفترق الطرق
بريهان قمق


تأتي ذكرى تحرير الجنوب اللبناني في عام 2000 في ظل أجواء مكفهرة ممتلئة بمر السؤال وقد خرج الشبح الخفي من تحت العباءة لينشر الرعب والموت والخراب في ربوع لبنان وسط أجواء سياسية اتسمت بالاضطراب والتشنج والتصلب بين الأطراف والأطياف السياسية والحزبية اللبنانية منذ اغتيال الحريري ، إلى أن ضربت المنظمة المسلحة التي تطلق على نفسها فتح الإسلام ضربتها على حين غرة مستهدفةً العمود الفقري للكيان السياسي القائم وهو الجيش.
وبدلاً من أن يلتقط الفريق الحكومي الفرصة المستجدة ، ويسارع إلى التحاور والتشاور مع المعارضة اللبنانية في شأن مواجهة جميع التحديات الماثلة ، تمَسّك أركانه بالسياسة المتصلبة والإلتحاقية ذاتها وأخذوا يحرضون الجيش على مواجهة المعتدين عليه حتى لو استلزم الأمر اقتحام مخيم نهر البارد لاستئصالهم.
وطلبت الحكومة اللبنانية رسمياً من البيت الأبيض تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات والعتاد لمساعدته على الحسم، فكان ان استجابت وبشكل عاجل مثير للدهشة وبما يغاير واقع الحال أثناء الحرب الشرسة صيف العام الماضي والجيش يرقب لبنان التي دكتها آلة الحرب الإسرائيلية الجهنمية دون أن تتمكن من صد أي عدون أو حتى الرد ، مما يرسم علامات الاستفهام وبمزيد من التأزيم الداخلي لحقيقة هذه الجسور الوقتية كي تساعد على الاستيعاب التدريجي للعواصف الآتية من خلال تقاطع أو ترابط مصالح القوى الداخلية المتعددة المتقاطعة مع المصالح الإقليمية والدولية.؟؟
النهج العسكري المتسارع انكشف على نحوٍ بالغ الخطورة ، إذ تعرّض سكان مخيم نهر البارد من لاجئين فلسطينيين ومواطنين فقراء لبنانيين إلى نيران كثيفة في غمرة التراشق بين قوات الجيش ومقاتلي فتح الإسلام خلّفت أضراراً بشرية ومادية موجعة. ذلك كله تسبّب في ردة فعل صاخبة لدى سكان المخيمات الذين تظاهروا ورفعوا شعارات بالغة السلبية ضد رئيس الحكومة وأركان قوى 14 آذار ..وبالتأكيد لا نعتب عليهم وقد بات بحكم المؤكد عدم فلسطينية الشبح الذي انطلق من مخيم نهر البارد محولا المنطقة إلى بركان سيتفجر بشكل عنيف في أي لحظة.هذا الشبح ورغم كل ما قيل من تحليلات فانه مجهول الهوية والعنوان والجذور، لا ينتمي للمخيم ولا لأي بقعة سواء في لبنان أو في فلسطين أو سوريا أو غيرها من البقاع العربية، إنه شبح المرتزقة الذي وصفه البعض مؤخرا بأنه أحدث الأسلحة في الحروب الحديثة..
أما الفضائح الأخرى التي عادت لتذكرنا بدعم الأنظمة العربية للمجاهدين في أفغانستان و بتواطؤ أمريكي ها هي تعود لتطل برأسها من جديد في إطار معارك تكسير الأيدي والرؤوس التي تمارسها بعض الفضائيات المتنافسة حد الشراسة وذلك خدمة لحكومات الممولة والداعمة في إطار عدم الود بين بعض الأنظمة ..
فماذا عن مستقبل لبنان وقد بدأ وبقوة مسلسل اللبننة بعشرات من القتلى وباستخدام مكثف لأسلحة ثقيلة وحديثة تعكس مدى الاستعداد المسبق من جهات كبيرة خارج الساحة اللبنانية والعربية لتنفيذ مخططات ثبت للأسف نجاحها في البلقان والعراق ..؟؟
المصادر التي أكدت أن عملية اقتحام تنظيم فتح الإسلام لبنك البحر المتوسط المملوك لآل الحريري، لم تكن عملية سرقة وسطو بل كانت عملية انتقامية، قام بها هذا التنظيم بسبب توقف البنك عن دفع المبالغ التي كان يزود هذا التنظيم..!! يستحضر حكاية بلاك ووتر أو جيش الماء الأسود، ويطرح الأسئلة وبقوة اليوم وبخاصة أن الجيوش المرتزقة لا تأتي بعيون زرقاء وشعور شقراء بل تحمل سماتنا ومن الممكن أن تكون منا..
فما تم فضحه في محكمة العدل الدولية التي برأت الصرب بعد أن ثبت لها بالأدلة الدامغة أن الذين نفذوا المذابح ضد المسلمين في البوسنة وكوسوفو هم المرتزقة الذين جلبهم الأميركيون والبريطانيون إلى البلقان، وبعد أن ثبت لهم أن قائد جيش تحرير كوسوفو الذي كان يحارب الصربيين هو ضابط صربي متقاعد اعترف بأنه مأجور وتم الاتفاق معه في لندن..
ومؤخرا انكشفت فضيحة شركة المرتزقة "بلاك ووتر" ولعبة المقاومة العراقية التي قتلت مئات الآلاف من العراقيين من السنة والشيعة بعد أن كشفت التقارير الأميركية دور جيوش المرتزقة الذين يزيد عددهم عن مئة وعشرين ألفا من مختلف الجنسيات والذين اتفق معهم البنتاغون الأميركي بمباركة بوش ونقلهم إلى العراق ليثيروا الرعب والقتل والدمار في كل المدن والربوع العراقية..
و قد كشف خوسيه برادو رئيس مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة لشؤون المرتزقة في التقرير الذي أعده في فبراير الماضي بأن هناك 160 شركة على الأقل تعمل في العراق من المرتزقة الذين يشكلون اليوم القوة العسكرية الثانية بعد الجنود الأميركيين.
وكان الصحافي الأمريكي البارز "جيرمي سكاهيل" كتب في الآونة الأخيرة في صحيفة "لوس أنجلس تايمز" تحت عنوان "مرتزقتنا في العراق" أنهم يشكلون اليوم ثاني أكبر قوة في العراق، مضيفا "هناك نحو مائة ألف في العراق، منهم 48 ألفاً يعملون كجنود خاصين، تبعاً لتقرير صادر عن مكتب المحاسبة الأمريكي".
ورغم أن الشركة تدعي ان دورها يقتصر على تقديم خدمات أمنية، إنما يؤكد الصحفي جيرمي سكاهيل إنه قد قتل حوالي 770 من المتعاقدين وجرح أكثر من 7 آلاف شخص، وتم توفير غطاء سياسي للبيت الأبيض من خلال السماح له بمضاعفة القوات في العراق عن طريق القطاع الخاص والتعتيم على الحجم الحقيقي للخسائر البشرية في العراق، ولا توجد أي إحصائية رسمية أو إعلامية لعدد القتلى من المرتزقة، إذ لا يوجد نظام يحاسبهم أو يخضعهم ولا قانون عسكري أو مدني يمكن تطبيقيه فيما يتعلق بنشاطهم.
ومنذ عام 2001 ازدادت مكاسب شركة بلاك ووتر بنسبة 300%. حيث حصلت هذه الشركة في أكتوبر 2003 على عقد قيمته 35.7 مليار دولار. وقد أبرمت الشركة أولى عقودها في العراق تحت مظلة توفير الحماية للدبلوماسيين الأمريكيين والمرافق التابعة لهم في العراق ، وباجرة يومية للمرتزق الواحد تبلغ 1500 دولار مع خضوعه للحصانة من أي ملاحقات.
وقد اعترف غاري جاكسون رئيس الشركة -الضابط السابق في البحرية الأمريكية - في حديثه النادر للموقع المتخصص بالشؤون الأمنية (the spy who billed me) حيث قال : مهمتنا الأولى دعم الأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة ولا يمكن أن نقدم خدمة لأي جهة إذا كانت تعارض هذا المبدأ..وإن الشركة توقع عقودا مع حكومات أجنبية منها حكومات دول إسلامية لتقديم خدمات أمنية شريطة موافقة حكومة الولايات المتحدة، وإنها جاهزة لإرسال قوات من موظفيها المرتزقة لاستعادة الأمن والسلام في دارفور بغطاء من الناتو والأمم المتحدة..! كما أنها جاهزة لتقديم الدعم اللوجستي لإعادة السلام في أي منطقة صراع في العالم بما في ذلك بين العرب والإسرائيليين ..
وربما مثل هذا التصريح وغيره من المؤشرات يفسر أبعاد والأيدي الخفية وراء الاقتتال داخل البيت الفلسطيني داخل السلطة وتغلغل شركات الاستثمار في المجالات الأمنية التي فرخت عن الشركات الأم التابعة للبنتاغون أو تعمل وفق مبادئها .
وعودة إلى الوضع المتأزم في لبنان لا شك أن معارك مخيم نهر البارد تشكل أزمة لبنانية عامة، بعيداً عن الوضع الإنساني للاجئين الفلسطينيين داخل المخيم، ولا سيما أن مسارات هذه الحرب، إذا صحّت التسمية، ترسم سيناريوهات خطيرة داخل الساحة اللبنانية، المفتوحة على أكثر من تدخل خارجي، في مفارقة عجيبة تتكرر في جميع الفتن التي نهشت هذا البلد طوال تاريخه ، وقد كانت تنتهي على الدوام على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، وكأن قدر اللبنانيين أن يبقوا وقوداً لأزمات وفتن أخرى قادمة كل عقد ونيف من الزمن ..
واليوم يبقى السؤال داميا في ظل ما يقال عن اللبننة في إطار تجربتي البلقنة والعرقنة وبخاصة أن المحكمة الخاصة في لبنان باتت في أحضان مجلس الأمن وقلب الفصل السابع وبات لبنان مقبلا على أمر جلل بهذه النقلة النوعية التي ستوسع الشرخ بين اللبنانيين وستكون على حساب الحقيقة أولا وعليهم ثانيا، سيما وان ثمة الكثير من الأسباب الظاهرة والمستترة تنبئ باستثمارات سياسية واسعة في الداخل اللبناني كما خارجه..
وبمرارة نتساءل ما هي المسافة التي اخترقها المرتزقة بعد دخولهم من الأبواب الخلفية و قرروا الانطلاق من المخيمات الفلسطينية البائسة حتى يضربوا عشرات العصافير بحجر واحد ..!!
ومن المؤسف قوله أنه مع تصاعد الأحداث وكل هذه الملاحقات الإعلامية سرعان ما ستدير الساحة العربية ظهرها للبنان تدريجيا وتتركه كي يلقى مصيره المشؤوم مثلما فعلت مع فلسطين والعراق لتنشغل بممارسة الديمقراطية عبر الاس ام اس لدعم مطربينا النجوم وطرد الجان والعفاريت ، والدخول بمنتهى الحرية في جدل فتاوي التيك أواي ....


صورة بريهان قمق