كانتسك.....أي كل شيء تغير




كانتسك...,أي كل شيء تغير
قصة الكاتب البولوني: مارك هواسكو
ترجمها عن البولونية: فهد حسين العبود




 
توقف القطار عند محطة صغيرة, ونزل منه رجل مضى بمحاذاة العربات حاملا بيده حقيبة جلدية.كان ذلك اليوم خريفيا غائما, جثم  فيه الضباب بثقل على الأشجار العارية. نظر ذلك الشخص إلى السماء فاقشعر بتقزز, إذ كانت تبدو مثل خرقة وسخة. مرّ على رصيف السكة ناظر محطة القطار وبيده شاخصة حمراء, كان يبدو مثل فيل بحر بشاربين. اعترض الرجل طريقه سائلا:
هل المسافة بعيدة إلى المدينة؟
هل تريد الذهاب إلى المدينة أيها السيد؟ قال وهو يضرب على يده بمقبض الشاخصة.
لذلك أسأل عن الطريق. لدي قطار آخر بعد بضع ساعات, وسوف أتابع السفر. مرّر يده على وجهه وتابع قائلا:أريد الذهاب إلى حيث أستطيع الحلاقة. لم أنم لليلتين متتاليتين,ووجهي يبدو مثل وجه مجرم.
سارا فوق حصى رصيف السكة الرطب. انطلق القطار وراح الدخان يسبح بتكاسل في الهواء العكر وأخذت السكة الحديدية  تلمع جراء الرطوبة.
"هل تسافر بعيدا يا سيدي؟"
"بعيدا بما يكفي."
"هل يعمل السيد في التموين ربما؟"
"كيف تبادرت هذه الفكرة إلى رأسك أيها السيد؟ أنا أعمل في الصحافة."
"ابني يعمل في التموين إنه موجود في وارسو. هل أنت من وارسو أيضا يا سيدي؟"
"نعم أيضا."
"كاجمييج مايفسكي, هل تعرفه يا سيدي؟"
"لا."
"إنهم يسافرون باستمرار."
"لا ضرورة لذلك . عليهم الجلوس في البيت."
"لماذا؟"
لأن المرء يمكن أن يسقط من القطار ,أو يمكنه أن يصاب فيه بالزكام, قال الصحفي بتهكم .
تعرفت في القطار مرة على إحداهن, قال ناظر المحطة
"وماذا؟"
"لا شيء, تابَعَت السفر."
إنها لمروءة من جانبها, قال الصحفي متثائبا,ثم سأل : لم تقل لي هل المساقة بعيدة إلى المدينة؟
على مرمى حجر, قال العجوز ذو الشاربين الرطبين, ثم رمش وسأل:
هل أنت متأكد من أنك تريد الذهاب إلى الحلاق يا سيدي؟
"وما دخلك في ذلك يا سيد؟"
"فكرت بأنك يمكن أن ترغب بكأس من الفودكا, لدي القليل منها في الكشك."
لا شيء يتبدل في هذه المدن الصغيرة القذرة , قال الصحفي بغضب, لقد ولدت أيضا في حفرة صغيرة كهذه, هل يوجد هنا أيضا بيت دعارة بالقرب من الكنيسة؟
"لا, بل  توجد صيدلية."
"سمعت أن هناك تغييرا حدث هنا, وأنهم بنوا بعض الأشياء, هل هذا صحيح؟"
"هذا صحيح, وسوف تقتنع بنفسك. أصبحت المدينة قريبة, خمس عشرة دقيقة. هل ستمر بمنزلي يا سيدي؟"
لا , وداعا , قال الصحفي.
وصل بالفعل بعد ربع ساعة إلى المدينة, حيث شاهد بضع عربات متوقفة في السوق ,وأحصنة تقيل حاشرة رؤوسها في أكياس العلف, والكثير من التبن يغطي الشوارع, فاستنتج أن سوقا شعبية كانت منعقدة في ذلك اليوم.
أين أجد حلاقا؟,سأل الصحفي شخصا ذا وجه غير محدد ومهنة غير محددة وعمر غير محدد.
"ماذا؟"
"حلاق."
"أي حلاق؟"
"هل يوجد حلاق؟"
"أين؟"
"هنا."
"هنا؟"
"نعم هنا."
"وماذا في ذلك؟"
"قذارة. هل تفهم الآن يا سيد؟"
لا,أجاب الشخص صاحب الوجه غير المحدد, وقد ظهرت عليه معالم من يحاول التفكير.
"الحلاق موجود هناك, بعد تلك/ القرنة/ "
"ليس قرنة بل زاوية"
"أما هذه فلا أعرفها"
ولكن أنا أعرفها, قال الصحفي ثم ابتعد.
على باب الحلاق, رأى صحنا نحاسيا معلقا, وفي واجهة العرض شاهد دمية بشعر مستعار ممشط , تنظر بعينين غير مباليتين إلى فراغ الشارع.
صباح الخير, قال بعد أن دخل.
"صباح الخير, فلتجلس يا سيدي."
جلس الصحفي ومد رجليه المنهكتين. فقد سافر لمدة ثلاث ليال متتالية رأى فيها الكثير من الوجوه, تعرف إلى الكثير من الحقائق, حاولوا استغفاله أكثر من مرة, وهو يحلم بالعودة أخيرا إلى وارسو كي يتمدد في سريره. لديه صديقة صغيرة الحجم, سمراء, بوجه يشبه وجه ميكي ماوس, وكان طوال الوقت يغلي غضبا من فكرة أن أحدهم يمكن أن يكون الآن مضطجعا في سريره المريح مع فتاته الصغيرة.
ربط الحلاق المنديل حول عنقه وقال:
هل انتزعت المنفاخ يا سيدي؟
"أي منفاخ؟"
"ألست تركب دراجة هوائية؟"
لا, قال الصحفي, وماذا هل يمكن أن ُيسرق؟
"أن ُيسرق فلا, ولكن رئيس الجمعية التعاونية فقد منفاخ دراجته, وصمامُ الدولاب فيها يسرب الهواء, ولذلك من الأفضل أن يحمل المرء منفاخه بيده. هكذا تجري الأمور.  هل تفهم ما أعني يا سيدي؟"
أفهم, قال الصحفي ونظر إلى الحلاق.
كان الحلاق عجوزا أصلعا, يتناثر على رأسه شعر مضحك يشبه وبر البط, أذناه ضيقتان منتصبتان, وعيناه سوداوان لهما نظرة ذكية.
غسيل شعر؟, سأل الحلاق
"لا, بدون غسيل"
حسنا, بدون غسيل, ردد الحلاق ثم أغرق أصابعه في شعر الصحفي وقال:أخفض رأسك.
"لم تقل لي, شعر أم ذقن؟"
"شعر وذقن"
" هل سيكون هناك غسيل شعر؟"
"لا, لن يكون"
آها, قال وارتسمت على وجهه سمة التركيز العالي.
صمت للحظة, ملقيا إلى الصحفي نظرة طبيب جراح ثم قال:
هل أحلق لك يا سيدي حلاقة (كانتسك)؟
"أعوذ بالله, أريد حلاقة عادية"
"مفهوم مفهوم,حلاقة عادية"
"أوه يا سيدي, لا أحد يريد أن يحلق (كانتسك) في هذه الأيام. قديما كانوا يحلقون بهذه الطريقة, وخصوصا /الزعران/. كان يسكن هنا على مسافة بضعة منازل واحد من هؤلاء. كان يدعى ليونيك ماتشيفشتشاك, وكان يأتي إلي دائما في أيام السبت ويقول: نعم يا سيد سوبيشاك, ستحلق لي الآن بشكل مدوزن, على طريقة(كانتسك), بحيث أن يكون شعري رائعا وإلا فأنت تعرفني. أجل, كان يقول ذلك. لقد كان الشقي الأكبر في كل المدينة. أؤكد لك أيها السيد بأنك ما كنت لترغب بتلقي ضربة منه على وجهك."
أصدقك بدون تحفظ, قال الصحفي ذلك ثم أصلح جلسته في الكرسي.
"كان له أصدقاء, وكانوا-طبعا-رجال عصابات مثله. كانوا في كل سبت يحضرون إلى أمام الكنيسة ويلعبون لعبة تعرف بـ(المغفل على الخط).فكانوا يرسمون خطا على الممر, وكل من يتخطاه تناله صفعة على جبينه."
"ولأي سبب؟"
"هكذا, لأجل اللهو. لم يعودوا الآن موجودين فلقد تغيرت الأمور."
"تغيرت الأمور؟"
أوه, نعم, أجاب الحلاق بحيوية. لم تتغير الأمور من ذاتها, إنما الناس هم من غيرها.
"حقاً, لقد تغير كل شيء. سيبنون لنا مصنعا, هل تعرف ذلك يا سيدي؟ سيصنعون هنا آلات موسيقية. أصبحوا يرسلون الأولاد هنا وهناك. قبل الحرب لم يكن يوجد سوى اختصاصي واحد لتصليح الآلات الموسيقية. كان السيد توركوفييتس هو من يقوم بإصلاح الأورغان. كانوا يطلقون عليه لقب الخبير. وكان هو نفسه يقول أنتم يا قاذورات, يجب عليكم مناداتي بالخبير. أنا رجل أقوم بعمل دقيق.فإذا ذهبت /في داهية/ ستموتون آثمين, لأن الكنيسة ستغلق أبوابها, وكنيسة بدون موسيقى ليس لها معنى عند الله, حتى ولو وضعتم في صحن التبرعات عشرة زووتيات*. وهكذا كانوا ينادونه مثلما أراد. كان يشرب لدرجة أن أحدا لم يشرب مثله من قبل, ولن يكون هناك من سوف يشرب مثله, أحيانا لثلاثة أيام متواصلة, وأحيانا لمدة خمسة أيام. كان يمضي في المدينة ويصيح: أرفع يدي إلى السماء وألعنكم! كان يحفظ كتاب الشعائر, ويجلس باستمرار في الكنائس, ويستطيع التعبير باللاتينية. كان يحلق عندي حلاقةالـ(كانتسك)أيضا. وأنت يا سيدي هل تريد أن تحلق على طريقة(كانتسك)؟"
حلاقة عادية, قال الصحفي متنهدا.
كانت المرآة التي يجلس خلفها ملطخة ببراز الذباب. تمعن للحظة طويلة في تلك النقاط السوداء ثم سأل:
وماذا عنه؟
"عنه..؟, آها.. لا شيء, مات وقبيل موته صرخ: أنتم يا قاذورات, إذا أردتم أن تستمعوا إلى الموسيقى, فلتوصلوا الكهرباء إلى بيوتكم, ولتشتروا راديوهات بدلا من الذهاب إلى الكنيسة!!. لقد ضيعته الفوتكا تماما. الآن لم يعد الناس يشربون بذلك القدر. لقد تغير كل شيء, لم يعد هنالك وقت/للزعرنات/. إن الكثير من الأمور يذهب إلى غير رجعة.لقد تغير الناس, أصبحوا يعملون, لديهم مهن الآن, أصبحوا يفكرون بطريقة مختلفة. أنا أيضا يا سيدي أصبحت شخصا آخر. ربما سألقي بحرفة الحلاقة إلى الجحيم.
هل تريد مرهما؟"
نعم, قال الصحفي , ثم نظر إلى الحلاق وأردف: لقد أصبحتَ عجوزا أيها السيد, هل تريد أن تغير مهنتك بعد هذا العمر؟ سيكون ذلك ثقيلا عليك.
"أجل , أنا عجوز, حتى أنك لا تستطيع تخيل كم أنا عجوز يا سيدي. لدي من العمر ثمانون سنة. ابنتي تسكن في فنزويلا, لدي حفيد يا سيدي , هل ترغب في رؤية صورته؟"
"لأجل ماذا؟ وما الذي يعنيني من أمر حفيدك ؟"
نعم, معك حق, قال الحلاق مقطبا جبينه, ما الذي يعنيك يا سيدي من أمر حفيدي؟ أحيانا يرغب المرء بالثرثرة ولكن لا يجد أحدا. قديما, كان الناس يجلسون أمام البيوت للحديث والثرثرة. والآن لم يعد ذلك يحدث. لم يعد لديهم الوقت الكافي, ربما لأنهم يعملون لفترة طويلة, أو لأنهم يذهبون إلى السينما, ثم إنهم أصبحوا يملكون راديوهات في بيوتهم وهم يستمعون إليها, والصغار يفضلون الرياضة. أما أنا فإنني ملول بحيث أن أكثر ما أفضله هو الاجتماع بالناس. فالكلمة تبقى لها مكانتها. قديما, كان الناس يتحاورون أكثر من الآن, كانوا قادرين على الحديث. 
كان رئيس البلدية يحضر إلى هنا, وكان دائما يقول لي: حسنا يا سيد سوبيتشاك, هات ما عندك. لقد كان يحلق أيضا عندي.
على طريقة(كانتسك)؟ سأل الصحفي.
فكر الحلاق ثم قال بعد لحظة: لا, لقد كان أصلعا, ولكن زوجته كانت تملك عشيقا لديه شعر رائع, وكان يحلق حلاقة(كانتسك). لقد كانت فضيحة كبرى, أقول لك يا سيدي, كل الناس كانوا يعلمون بذلك باستثناء سيد المدينة المخدوع.
يا للشيطان, توقف يا سيد, قال الصحفي, ومن جديد راح يفكر بصديقته التي تشبه ميكي ماوس, فتخدر رأسه رعبا. لقد تم خداعه مرة منذ زمن بعيد, حين كان لا يزال مبتدأً في عمله والآن بعد أن ثبت نفسه, بشكل ما وبصعوبة لا توصف, على أول إنش من القمة, فإنه يعرف جيدا بأنه لا يستطيع أن يصدق ثانية امرأة أخرى تدعي بأنها تحبه مجانا, هكذا لأجله هو.
هل تظن يا سيدي بأنني أكذب؟ قال الحلاق.
لا أريد أن أسمع ذلك, قال الصحفي, في المدينة التي أسكن فيها, معظم النساء يعتقدن الآن بأن الاشتراكية تبدأ من المؤخرة وليس من الرأس. لقد سئمت ذلك كله.
"أنت لا زلت صغيرا أيها السيد, استمع لما يقوله لك رجل عجوز, في الماضي كان النسوة يملكن عشاقا وأحيانا كان أحد الأزواج يكتشف خيانة زوجته, عندها كانت كل المدينة تزحف كي تشاهد كيف يضربها بالكعب على خطمها. بارتسيكوفسكي, السرّاج الذي كان يسكن هنا, وجد مرة ضيفا عند زوجته, فما كان منه إلا أن ألقى به من على الدرج, وراح يسألها لمدة أسبوع كامل: قولي, هل الأخير هو ابني؟. وربما يجب أن تعرف يا سيدي أنهما كانا يملكان خمسة أطفال وهذا الأخير ولد قبل نصف عام وكان شعره أحمرا, بينما بارتسيكوفسكي كان صاحب شعر أسود كالأسلاك ولم يستطع أن يصدق أن هذا الأخير, ذا الشعر الأحمر هو ابنه أيضا, لذلك كان يضربها ويسألها: قولي هل هو لي أم لا؟ .
بعد أسبوع, قالت له وهي تحتضر الكلمات الأخيرة التالية: الخامس هو لك ولكن الأربعة الباقين ليسوا كذلك, ثم قضت بعد ذلك.
شرب بارتسيكوفسكي زجاجة, ثم أخذ فأسا ومرّ به على الخمسة.
أجل يا سيدي, فضائح مختلفة كانت تحدث في هذه البلدة, أما الآن فليست الأمور كذلك. كل شيء تغير, أصبحوا يبنون, يعملون ولم يعد هنالك وقت للحماقات, كل واحد الآن يا سيدي, يحمل فوق رأسه أمورا أهم.
توقف الحلاق عن الحديث. ابتعد خطوة ونظر إلى الجالس على الكرسي بعيني شخص أنهى للتو أضخم عمل في حياته.
"ألن تغسل شعرك؟"
"لا لن أغسله"
ألا تفكر بالذهاب إلى وارسو؟ سأل الصحفي.
أصبحت عجوزا, قال الحلاق وهو يطقطق بالأدوات, هكذا رحلة ليست لمثلي يا سيدي.
"سترى الناس أيها السيد"
"الناس موجودون في كل مكان."
نعم, قال الصحفي, إنه لمن الجيد أنني حضرت إليك أيها العجوز. كنت في مزاج عكر وأنا في رحلة العودة, فالمسافر تراوده مخاوف مختلفة, أما الآن فستكون العودة أمتع بعض الشيء.
العودة دائما ممتعة, قال الحلاق, فالبيت يبقى دائما بيتا.
"ليس هذا هو المقصود, ولكن من الممتع أن ترى الإنسان في مدينة صغيرة قذرة,حيث يهطل المطر بلا انقطاع, والطين يغطي الشوارع باستمرار, حيث لا توجد كهرباء, وحيث تنقطع الحياة الليلية إذا شكت إحدى العاهرات من آلام السن, إنه من الممتع أن ترى الإنسان هنا وقد تغير تماما.
نعم, قال الحلاق, إن الزمن طويل والإنسان فيه يتغير. أنا يا سيدي تغيرت بشكل مطلق .
"قم بزيارة وارسو يوما ما أيها السيد."
"أظن بأنني سأموت قريبا."
"كما تريد"
خرج الصحفي, ومن جديد خاض في الطين وسط السوق. كانت الأحصنة غافية برؤوسها المتدلية مثلما شاهدها قبل ساعة, الفلاحون ينامون على الصناديق, المطر يهطل, والمدينة تشبه فطرا كريها قذرا مشبعا بالرطوبة.
راح الصحفي يصفر وهو يمشي.
ماذا؟ هل حلقت يا سيدي؟, سأله الناظر عندما وصل إلى المحطة.
نعم, قال الصحفي وأزاح القبعة.
"هل ستمر بي يا سيدي"
الآن أستطيع, قال الصحفي ودخل مع ناظر المحطة إلى كشكه.
صب الناظر الشراب.
في صحتك, قال الصحفي.
في صحتك, رد الناظر, ثم أردف: إن الحلاق الذي حلق لك شخص جيد. أنا نفسي كنت أحلق عنده, حين كنت لا أزال أملك شعرا.
أجل, حتى أنني أعرف بأية طريقة كنت تحلق, أجاب الصحفي.
"بأية طريقة"
على طريقة (كانتسك).
"وكيف عرفت يا سيدي".
الصحافة تعرف كل شيء, قال الصحفي. إنه شخص عجوز طيب. لديه دماغ نظيف, ويستطيع رؤية الكثير من الأمور. ربت على ركبة الناظر ثم سأل: كل شيء تغير أليس كذلك؟
أجل, رد الناظر.
أسكب مرة أخرى, قال الصحفي, ولنشرب نخب التغيير. أنا نفسي من مدينة صغيرة. عندما يولد الإنسان في مدينة صغيرة من هذا النوع, فإنه يظل يفكر طوال نصف عمره, بأن شيئا لا يتغير في هذا العالم. أمقت المدن الصغيرة! يسعدني أن كل شيء تغير, أن الناس تغيروا, وأن النساء تغيرن. في صحتك !
رفع كأسه إلى أعلى, وعندها رأى عينيه في المرآة. اقترب بشكل آلي من المرآة وحدق فيها فرأى أن رأسه كان محلوقا بشكل قذر, مقيت على طريقة (كانتسك). لم يشرب كأسه. طار إلى رصيف المحطة وغادر إلى وارسو.
مرت شهور كثيرة وهو يقول في نفسه: لقد هزأ بي ذلك المتخلف, أليس كذلك...
 
 
 * زووتي: العملة المتداولة في بولونيا
 
 
 
صورة فهد حسين العبود