قراءة نقدية في قصتين قصيرتين : سراب الحب يوازي سراب الحلم

قراءة نقدية في قصتين قصيرتين :
سراب الحب يوازي سراب الحلم
                                                                    
    هذه قراءة نقدية لقصتين قصيرتين ، ربما يبدو من ظاهرهما أن لا علاقة بينهما، ولكن المتأمل فيهما يجد أن الزمن فارق بينهما ، فالقصة الأولى لقاء المرايا ، تعبر عن لحظة زمنية وجيزة ، تعيد العمر للوراء ، فيظن أن الشباب بات قريبا منه ، وسرعان ما يكتشف سراب المرايا ، نفس السراب الذي يجده بطل قصة حظر التجول ، حينما يسير في أزقة المدينة حاملا حلمه ، ولكن الحلم سراب ، يموت في الصدر بفعل القتل .
ولنلج القصتين ، ولتكن القراءتين مزيدا من الأسئلة المثارة حولهما ، طمعا لمزيد من الحوار .
                   *           *              *  
القراءة الأولى :  في قصة : لقاء المرايا للقاص " عمرو عبد الرؤوف :
النص القصصي :    " لقاء المرايا  " :
لم يكن على عِلمٍ بأنها مدعوة هى الأخرى لتلك الحفلة المُبهرة بذلك الفندق الضخم الذى تملأ أركانه كل تلك المرايا التى يهوى النظر إلى مَن حوله مِن خلالها ، وسط زحام المرايا عثر على حبيبته التى لم يرها منذ زمنٍ طويل بطول شعرها الذى لازال نائماً بهدوءٍ على كتفها الايمن ، أخذ يلتفت شرقاً غرباً شمالاً وجنوباً و أخذ يستعيد بذاكرته كل نظرايات الهندسة الضوئية التى يدرسها منذ سنينٍ علها تحدد له موقعها عبر ذلك الكم الهائل من الانعكاسات.... لكنها فشلت،أستسلم لسخرية القدر واخد يلوح إلى المرايا
ويلوح إلى المرايا ،ويلوح إلى المرايا......
القراءة النقدية :
إنها قصة تعبر عن لحظة زمنية نادرة الحدوث ، لحظة رؤية حبيبة سابقة ، رآها في مرايا فندق ، والمرايا متعددة ، غرق في شجن الحب ، وغرق في المرايا المتعددة ، التي يرى المحبوبة فيها ، ولكنه لا يتقليها وجها لوجه ، ويظل يبحث عنها رياضيا وحسابيا ، وصورتها تذوي أمامه ، ومن ثم يتباعدان ، عبر المرايا إن المرايا معادل موضوعي ، يقترب من الرمزية للعمر الإنساني ، فكم من الحبيبات ، نسترجعهن عاطفيا ، ولكن الظرف الاجتماعي والعمر يأبى ذلك ، فلابد من التباعد ، لأن الزمن لا يعود للوراء .
                           *              *            *             *
القراءة الثانية في قصة " حظر التجول " للقاص  خالد الساحلي :
النص القصصي :
استيقظ الشاب باكرا كعادته، نزل يتجول في أزقة المدينة البلهاء الخالية من سكانها، يمشي في وسط طرقاتها الفارغة الخاوية من صخب الأقدام والعجلات؛ رأى الحمام يلتقط الفتات من الأرض، دنى منه و قال :" لو كان يعلم الحمام ما بداخلي من حلم ما كان ليطير خوفا مني؟، دنى منه أكثر، طار الحمام وارتفع في الجو كأنه يجيبه:" لا علم لي بما في داخلك يا ابن آدم و لو كنت أعلم لاخترت لكني لن أقدم على المغامرة فتاريخك حافل بالدم. أكمل الشاب سيره بعد مسافة أمتار في اللحظة التي سمع فيها طلقة بندقية كلاشنكوف خرّ جثة هامدة من التسديدة مجهولة الهوية. طار الحمام كله وارتفع في السماء ثم حط في جهة المطار ، كان وقت حظر التجول قد انتهى من ساعة وأطل وجه النهار .
القراءة النقدية :
 هذه القصة شديدة القصر ، تقف بين الرمز والواقع ، إنها تعبر عن خواء المكان / المدينة ، وهي ترمز إلى الوطن العربي الكبير ، حيث المكان متسع ، والأبنية قائمة ، ولكن البشر مغيبون بفعل الخوف ، وفقدان الأمل، وضياع الحلم ، وهذا ما عناه البطل ، حينما كان يسير في الشوارع حاملا الحلم ، يناجي الحمام ، ويتساءل : لماذا يخاف منه ، ويطير عنه ؟
  إن الحمام رمز السلام في التراث الإنساني ، وقد بات هنا رمزا للفرار والرعب ، ويظل البطل هائما في الشوارع وفجأة تأتيه رصاصة مجهولة المصدر ، تقتله ، والحمام يطير . الرموز في القصة متعددة ، فعنوانها "حظر التجول " يشير إلى حظر الحلم والأمل ، واغتيالهما ، وأن هذا الحظر الذي هو من مظاهر الحرب ، يعيدنا إلى حالة اللاأمان التي تسود في المجتمع ، حينما يكون هناك اقتتال داخلي ، ويكون الجيش قابضا على السلطة فيحظر التجول ، مواجهة لوضع أمني مزرٍ ، وتكون جماعات التمرد متربصة بكل من يسير في الشارع ، بغض النظر عن مسالمته لها أو عداوته ، وهذا ما فعلته باغتيالها البطل ، الذي حمل في أعماقه أملا ، وتساؤلا ، ومات دون أن يعي سببا لموته .
 المطار في ختام القصة رمز للهروب من المكان ، وقد حط الحمام على المطارعندما رفع حظر التجول ، وهذا يعطي الحمام رمزية جديدة ، إنها رمزية البشر التائقين للهروب ، وهم يطوقون إلى الحرية متى أشرق النهار  ، وتظل دلالة النهار حيث يرفع الحظر مشيرة إلى الحرية ، ولكنه حرية مقيدة بعودة الليل / الحظر مرة ثانية ، لتعود الشوارع إلى خوائها والنفوس إلى كبتها أو قتلها .
 
 



هذه قراءة نقدية لقصتين قصيرتين ، ربما يبدو من ظاهرهما أن لا علاقة بينهما، ولكن المتأمل فيهما يجد أن الزمن فارق بينهما ، فالقصة الأولى لقاء المرايا ، تعبر عن لحظة زمنية وجيزة ، تعيد العمر للوراء ، فيظن أن الشباب بات قريبا منه ، وسرعان ما يكتشف سراب المرايا ، نفس السراب الذي يجده بطل قصة حظر التجول ، حينما يسير في أزقة المدينة حاملا حلمه ، ولكن الحلم سراب ، يموت في الصدر بفعل القتل
صورة د. مصطفى عطية جمعة