قراءة في متوالية مرج الكحل لمنير عتيبة

يتكئ "منير عتيبة" في مجموعة نصوصه/ حكاياته، المتوالية/ المترابطة على عدة مستويات من التقارب والتباعد لما يمكن أن ننسبه إلى الأسطورة، مختلطا بالموروث الشعبي تارة، والعالم التحتاني الموازى لعالم الروح - في بعض اتجاهاته - تارة أخرى.
وتعتمد نصوصه/ حكاياته الأربعة عشر (بعددها المتماثل- في تصوري- مع رحلة الأيام الأربعة عشر لاكتمال وجه القمر , وربما كان للمد الأسطوري المتوارث عن اقتران اكتمال القمر ببعض الطقوس التي تلازم الموروث الشعبي أثر في هذا التقارب) أقول تعتمد علي تشكيلات داخلية تتماسك في بنيات تحتل مساحات غير متساوية, حتى اكتمال النسيج الحكائي بـ "رحلة السندباد الأخيرة "؛ لتضع حداً لهذه التراكمات الحكائية, والتي بدأت بحكايات الأجداد والجدات, فيما يمكن وضعه في إطار متوالية داخلية.
ثم تنتقل إلي مناطقه الأخرى, وإن اختلفت زواياها, وتعددت مسالكها إلا أنها تجري في روافد أخري متممة, ومكرسة لهذا الجو العام. فتنتقل الحكايات إلي درب الامتداد الحياتي المفقود, وحلم الاكتمال كما في (ابنهما- تسع خرزات زرقاء لأجل القادم), وتقفز للبحث عن التآلف مع الروح كما في (العاشق- سر الحمار- صاحبنا القديم- خالي السفلي- سوق الغجر) مع اختلاف المضامين وزوايا التناول؛ لتنتهي الرحلة مع "السندباد".
***

مرج الكحل, ومتوالية داخل متوالية
في "نداهة جدي" نجد الجد (في إحدى صوره) قد توفرت له أسباب أسطورته الشخصية, وسعي لتخطيها في محاولة لخرق "أسطورة جنية الماء", نحو بناء أسطورة مقابلة قوامها العزم والتحدي وكسر نمط الأسطورة, من خلال خرق هذه الثيمة الشعبية, كأحد عناصر الغيبيات أو الخرافة التي تشكل وهم الأسطورة, وينسج لها الموروث الاجتماعي حكاياتها المثيرة, والتي يلجأ إليها المجتمع لسد ثغرات جهله الموروث, و يتسامى هدف الجد للانسلاخ إلي روعة الإحساس بمعني الحياة.
وفي "مرج الكل" يتجلى الجد (عبد الحفيظ) في خوض آتون المصاعب والمهالك, واجتياز المحظور من المناطق التي يسطرها الموروث ضمن مدوناته الشفاهية؛ من أجل استجلاب (الكحل) من (مرجه) ؛ كي تبرأ به أبصار أهل (القرية). ويقوم بهذا العمل الجليل في صورته النهائية الحفيد؛ لبيان أن الأسطورة لا تنتهي بموت بطلها, لكنها تمتد إلي الأحفاد والفروع. وتنتهي الحكاية علي لسان الحفيد بقوله: (ص37- 38)
"لم أعد أري الجد (عبد الحفيظ). جلست في نفس الأماكن في الأوقات ذاتها, لكنه لم يظهر.. تأملت الزجاجة (زجاجة الكحل) كثيراً.. درست أحوال قريتي.. فكرت كثيراً.. وتأملت أكثر.. لكنني حائر.. كيف أبدأ.. وبمن أبدأ..؟؟ "
ولا يخفي في هذا المقام النزوع إلي استخدام الرمز, وإسقاطه علي واقع تختلط فيه الرؤية, وتغيم حتي مستوي عدم الإبصار.
ويتقابل الخيال مع الواقع في "قبلة العفريت" أو قبلة الروح, أو قبلة وعد الروح للروح... فبعد رحلتين للزواج الفاشل للجدة؛ بسبب هذه الحالة الفريدة التي تلبستها, وأهدتها طعم القبلة النادر الموعود- كمعادل للأسطورة الذاتية للجدة- وجعلت فشل زيجتيها المتعاقبتين طريقاً ممهداً لوفاء الروح بالعهد حتي تلتقي بالجد, ويستمد الواقع قوته من ظهر الغيب المخبوء في مضمار الخيال والروح, لتبدأ سيرة حياة مشتركة تدب علي أرض الواقع تمثل الأسطورة الذاتية خلفيتها العريضة.
ويبلغ التأثر بالموروث مداه, حيث يبرز هوس أسطورة الرجولة, ليفرز قسماً غاضباً أطلقه الجد, قوامه النزعة المحمومة إلى إثبات الذات, وإنكار المخلوقات من حولها، فيحاول الجد بتر "شجرة الجميز" التي تحولت إلى كائن مدرك لما يحدق به من خطر له الإبادة.
تعضدها كائنات لا مرئية تتصل -في عمق الأسطورة- بعالم الروح الغيبي المتمثل في القط الرمادي المختبئ في فروع الشجرة الكثيفة, فيجعلها تتباعد, وتتباعد كلما اقترب منها الخطر, حتي تحول الجد عن موقفه الصارم, وتعود الشجرة الي مكانها الطبيعي.
ثم تصب المتوالية في روح "النخلة" - المستمدة لقدر من القدسية الإيمانية, لما لها من ذكر في موروثنا الديني الحنيف, ومن أثر صوفي لا يخفي علي المريدين - والنخلة في حكايتنا توحدت من أصل نخلتين, غرسهما الجد يوم زفافه بالجدة, وعندما مات طارت روحه لتستقر في النخلة اليسري, كما حكت الجدة لحفيدها, ونبأته باستكمال الأسطورة باستقرار روحها هي بعد موتها في النخلة الأخرى.. يقول الراوي: (ص26)
"كرهت النخلة اليمني.. وتمنيت الخلاص منها.. أخذت فأساً صغيرة وحاولت قطعها.. علمت جدتي فأسرعت إلي.. أخذت مني الفأس وأنا أبكي.. قرأت آيات من القرآن الكريم وهي تملس بيدها علي شعري وصدري...
- إذا كنت تحبني فعليك أن تحب نخلتي
- ستأخذك هذه النخلة.. لن أدعها تأخذك
إذا قطعت النخلة فأين أستقر بعد رحيلي.. سأظل تائهة.. ولن يكون لي مكان بجوار جدك.."
ونهاية لهذا الحوار الشفيف المتماسك, وكنهاية حتمية, تموت الجدة, وتستقر روحها في النخلة استناداً إلى هذا الزخم الإيماني المتغلغل, وتكتمل أسطورتها -عقيدتها الإيمانية الصوفية- بتوحد النخلتين في "نخلة" يوم اكتمال القمر, بما يشى بتوحد الروحين معاً, وبما يفسح مجالاً للتغلغل الصوفي في الموروث المختلط بعبق الأساطير.
***
روافـــــد
ويبلغ مدي الحس بالموروث المختلط بالإيمان مبلغاً شديد الخصوصية في حكاية (تسع خرزات) التي حوت في دلالاتها, دلالة الرقم (تسعة) , وارتباطه بشهور الحمل التسعة من جهة, وارتباطه بعوامل- هي الأجدر علي المستويين الواقعي الروحاني, والخرافي المتوارث إن جاز التعبير, لإزاحة الحلم إلى الواقع في سلسلة تبدأ من خرزة العجوز النوبية (كرمز للفأل), خرزة السمكة الحمراء (كرمز لأسطورة الماء), خرزة المطر(الخير), خرزتي القطة السوداء (الروح), خرزة الجماع (الواقع والخصوبة), خرزة النخلتين المتعانقتين (التوحد والعطاء المتبادل) خرزة الزوج (القوة والفحولة), إلى خرزة الحماة (الجذور المتوارثة) كي لا يخطئ الهدف مداه, اعتماداً علي هذا الخليط المتوازن من كل هذه المعاني, فجاءت الحكاية من أعلي حكايات المتوالية تماسكاً وفنية, وإلماماً بكل طقوس الموروث والروحاني.
وتتعاظم سطوة الروح في نموذج (العاشق) الذي تلبست روحه جسد القط (مؤنس) وتسببت في أن تمضي حياة الجدة الحسناء دون زواج لارتباطها بمؤنس/ الروح/ الذي كان رفيق وحدتها ومؤنسها بعد مرضها وفشلها في الزواج - بعد (وقفه لحالها) بالمعني الدارج- حتي مات القط, وظلت أسيرة للروح بقية عمرها, مما يكرس لهذا المفهوم السائد والمتوارث لتحكم القوي الخفية في حياة البعض, ويزيح الستار عن غموض مسكوت عنه.
***
دلالات
في فضاء المتوالية, وخلفيتها. تجلت للأسماء دلالات, بدأت بدلالة "عبد الحفيظ" , "عبد الكافي" اللذين آلا علي نفسيهما, بالتعاقب والتوارث "حفظ حق البراء من العمي لأهل القرية, وتوريث هذا الحق. بداية من "عبد الكافي" الذي كفي ابنه "عبد الحفيظ" أهوال رحلته في "مرج الكحل".
ثم (شفيق) و(حنان) المفتقدان للولد في حكاية ابنهما, اللذين تنصب شفقتهما و حنانهما في حب ورعاية الكائن الهلامي بديلاً عن (الخلف).
(زينات), و(مؤنس) في "العاشق". زينات بحظها العاثر, الذي لا تعدم أسبابه, ومؤنس القط/ الروح الذي كان سبباً للمعاناة والمؤانسة معاً.
"محروس" الذي تحرسه الروح المتلبسة في الحمار في (سر الحمار).
"شفيق" مرة أخري, والتي تشمل شفقته الراوي في تحقيق أسطورته الشخصية في (خالي السفلي).
"مراد" الأخ في سوق (الغجر) هو معادل لمراد الراوي نفسه في اختراق هذا العالم الغرائبي العجيب.
مما يعطي لهذه الدلالات دوراً في تكوين نسيج هذه المتوالية, لا يمكن إغفاله.
***
خاتمة
تأتي رحلة السندباد الأخيرة؛ لتضع هذه النهاية- الموفقة- لتسلسل الحكايات, وكأنما يريد الكاتب / الراوي أن يخبر قارئه عن أدواته التي صاحبته في رحلة كتابه/ سرده في المتوالية "البوصلة والخرائط وماكينة الحلاقة وبعض الدولارات وضعتها في الجراب.. وحملته متسللاً" ص109 .
إذن فهي الرحلة إلى الماضي بأدوات الزمان والمكان الآنية, ببطولة هذا الزمان، أو أسطورته المفتقدة التي يبحث كل منا عنها في ذاته... وقد بدأها بـ (النداهة) التي نادته هو أيضاً- كما نادت جده- ليغوص في أعماق موروثه. ولعله يحكي أهواله إلى أن يعود مرة أخري إلى صميم زمانه بعد أن تعلق بشفرة في ذيل ( تنينه/أسطورته) قبل أن ينضم (الذيل/طرف الأسطورة) ويسحبه مرة أخري داخل سحابة موروثه التي أخذت طريقها مبتعدة عن (مركبه).. و(بحره) يعود حصيرة هادئة كما بدأ.

صورة محمد عطية محمود

التعليقات (6)

المرة الاولى

انها المرة الاولى التى أقرأ لك فيها قراءة نقدية ارى ان لديك مخزون هائل وطاقة نقدية

كبيرة اتمنى ان لا يؤثر عليك اى شئ فى سبيل مشروع نقدى متكامل

صورة ميسرة صلاح الدين

أشكرك ميسرة
تمنياتي لك دوما بابداع متميز

صورة محمد عطية محمود

قراءة جيدة , وإن كنت أود ان تعود للقراءة المنشورة لي عن نفس العمل بمجلة أدب ونقد منذ عامين تقريبا , ربما ساعدت علي تكامل الرؤية , خالص تحياتي

صورة أشرف دسوقي

شكرا للصديق أشرف دسوقي على هذا الحضور و المرور البهي
موفق دائما

صورة محمد عطية محمود

التّشكيل الهندسي للفضاءوالدّوال في المقاربة النّقديّة عادة ما يتاخم الجمع المستحيل بين المتناقضات في اعتقادي وتذاكيت في الإشارةإلى جوانب جدّ بارزة في هذا المفوظ الدّلالي ذي التشكلات الموحية
أمتعنا النقش على بعض جوانب المتن في انتظار قراءته وتلمّس ابعاده دمت مبدعا

صورة خيرة خلف الله

الأستاذة / خيرة خلف الله
أسعدني حضورك هنا بكلماتك المؤثرة والنافذة في عمق ما كتبت
فلك التحية والشكر ، مع أمنياتي بدوام التواصل

صورة محمد عطية محمود