Error message

  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_display has a deprecated constructor in require_once() (line 3157 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/includes/bootstrap.inc).
  • Deprecated function: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; views_many_to_one_helper has a deprecated constructor in require_once() (line 127 of /var/www/vhosts/alwarsha.com/httpdocs/sites/all/modules/ctools/ctools.module).

فصل من رواية الحرير المخملى

4- سلطان الهوى
رغم مظاهر الجفاوة والخصام الخفى الذى يغلف علاقة عمتى مهرة وعمى رؤوف و محاولاته الحثيثة فى التقرب اليها والاتكاء عليها كأخت كبيرة ناضجة , الا ان عمتى مهرة تشعر فى قرارة نفسها بالغبن وان حقها فى الحب والرعاية قد هضم بسبب لون بشرتها الشديدة السمار وملامحها الافريقية التى تجعل الرجال يزهدون فيها كأنثى ويتجاوزونها , كأنها غير موجودة اصلا , بالاضافة لتمتعها بذكاء متوسط جعلها تتمم بالعافية الاعدادية وتلزم الدار بسبب كرهها الشديد للكتب والقراءة , فعقلها فى يدها , تطرز وتحيك الملابس وتنكفىء على ماكينة التريكو الخاصة بها وتستمتع وهى ترى رسوماتها العفوية الفطرية على ستائر البيت الكبير ومفارش مائدة الطعام والطنافس المزركشة المتناثرة فى اركان البيت ولم تبخل على غرف البيت بمفارش السرير المبهجة , كان رؤوف يراها فنانة بالفطرة , ويحاول تشجيعها لكنها كانت تعتبر اطراؤه ضحك على الذقون واسلوب مبتكر للسخرية من جهلها وسذاجتها حتى اتى ذلك اليوم الذى غير نظرة مهرة الى رؤوف تماما واصبحت من اشد الموالين له اخلاصا ولم يهمها غضب الجدة التى لا تفكر فى مصلحتها يوما مثلما فكر وفعل رؤوف , انه الوحيد الذى شعر بها واحس بحاجتها وتشوقها لان تكون زوجة وام , انه يحبها حقا , ربما ثقب جدارغرفتها ذات ليلة وطالعها وهى تبكى وتغرق فى دموعها ةتنتحب ليلا عندما تفاجئها الام الدورة الشهرية وتخشى ان ان تتجاوز مرحلة اليأس وتصبح عقيما قبل الزواج , وتتقافز الاسئلة الموجعة والرغبات الحميمة ويختلط الحزن بعجينة الرغبة والشهوة ويسكتها صوت ضميرها الذى يجأر ويستجدى فى فلوات الصبر , يمضى النهار ويزحف الليل عليها وهى كما هى لا يتبدل حالها البنات فى القرية تكبر اثداؤهن وتشيل بطونهن ويلدن ويكبرن ويتسلل الصغار الى المدارس وساحات اللعب وهى كما هى ترمقهن من خصاص شباكها العالى , لا احد من رجال القرية رغب فيها حتى الرجل الوحيد الذى تقدم للزواج منها كان يعمل كلافا للبهائم لديهم وكانت على استعداد للهرب معه والزواج بعيدا لو لم يطرده جدى وكاد ان يقتله بالبندقية الروسى التى ورثها عن ابيه ايام حرب 67 .
كان إسماعيل جعفر صديقا حميما لعمى , اقترب من الخمسين إلا قليلا , ملامحه رومية اكثرمنها عربية , ورث البشرة الوردية والعينان الزرقاوتين عن أمه الانجليزيةالتى وقعت فى غرام ابيه سليل اسرة الميرغنية المعروفة بولاية كسلا بالسودان والتى عرف عنها نشر الاسلام ودراسة العلوم الاسلامية , حدث هذا عندما كان يدرس اباه فى جامعة كمبردج , تجاوره ليزا فى نفس المقعد , اكسبته بشرته السمراء تميزا وانجذابا علاوة على تفوقه ونبوغه فى قرض الشعر وكان شعره متأثرا الى حد كبير ب توماس ستيرن اليوت , تزوجا وامتزج الدم الحار بالدم البارد كما يقولون وزالت العدواة التاريخية – على الاقل بين ليزا وجعفر – وذابت معظم الفروقات لانجذاب ليزا الى جعفر وهيامها به حتى انها عندما مات لم تحاول قط ان تخضع لسلطان الجسد والرغبة وتتزوج مرة اخرى خاصة ان جعفر مات عنها وهى مازالت امرأة صغيرة فائرة الجسد , ورغم ان اسماعيل تزوج ثلاث مرات الا انه لم ينجب وتفشل كل امرأة يرتبط بها فى الغوص فى خباياه وتفهم روحه كفنان يعشق الرسم على الزجاج , ينشد اشعاره فى حروف مدلاة من مغرفة الالوان الشفيفة المعجونة بالحنطة وحبوب البركة السوداء وطين الارض اللزج الذى مازال متعرجا وموجودا فى ربوع بلاده , كان قد عقد العزم على الاستقرار فى مصر فهو يشعر انها امتداد طبيعى للسودان وانه لم يبعد كثيرا عنه , وعمى رؤوف كان يرى اشعاره كنزا من السماء , يجلس مع نفر من مجانين الشعر والرسم كما كان عمى يقول ويقررانه لولا مسة الجنون تلك ما كان هناك شاعرا او تجرؤ شخص على امساك الفرشاة وتلوين الصفحات الشاهقة البياض بالهلاوس والخيالات الفنية !
كانت وجهة نظره تلك مناوشة لصديقه اسماعيل جعفر الذى يحكى له عن كل شىء يصادفه فى الحياة ولقاؤه الدامى بعائلته التى لم ترحب بوجوده معهم فى حين المبتدى .
كل هذا رائع ويبشر بأن عمى رؤف سوف يساعد عمتى مهرة على تجاوز باب العنوسة , لكن هذا لم يدر بخاطره ابدا , فمن خلال حكاياه عن عائلته وكيف ان ابيه فارس العشق والهوى قد ذاق عسيلة امرأة نوبية لم تعمر فى الحياة كثيرا وترك مهرة التى تشبه امها كثيرا , الى هنا وتوقف شريط السرد عند مهرة ..انها نوبية اى سودانية تقريبا مثله وتعيش بملامح امها ومازالت بكرا لم يمسسها بشر وايضا تطرز وترسم بالابرة ذات الرأس الاحدب والخرم الكبير , انها فنانة من نوع نادر , كيف لم يلتفتوا اليها الى الان .
ضحك عمى رؤوف من خبالات صديقه جعفر وحذره من الشرك الذى يسعى اليه , وقال له :
- قد تعتقد انى اكره مهرة لانها قابلتنى بوجه بارد شتوى متجهم لكننى اقول لك بصراحة انها ليست المرأة التى تجعل طائر الشعر يحط على كتفك كل ليلة , انها بالكاد تصلح لامور البيت و ..
قاطعه اسماعيل فى غضب :
- ما يضيرك لو جعلتنى اقابلها , رتب الامور على انها دعوة عادية على العشاء .
- يمكننى ان اجلب لك صورتها قبل ان تراها وجها لوجه .
- اتعمل خاطبة الان؟!
- ارجوك لااريد ان اخسرك كصديق يا اسماعيل .
- انا مصمم على رأيى وارجوك لا تخبرها بشىء , اريد ان اراها على الطبيعة .
- لا تلمنى يا صديقى , فلقد حذرتك .

حاول عمى إن يجعل عمتي مهرة تبدو على أفضل هيئة ونبهها إلى ضرورة الاعتناء بنفسها وملابسها, لكن عمتي لم تفهم المراد, ووقع في ورطة حيث إن عمتي زينة في مهمة عمل بالخارج ولن تعود قبل أسبوع وإسماعيل يتعجل رؤية عمتي مهرة التى لا تعرف كيف تقف إمام المرآة تسوى حاجبيها, على رأسها غطاء اسود فشل في لملمة شعرها الأسود المنكوش, أما جسمها فما زال شامخا سامقا فتيا كأنها فرس سمراء عربية أصيلة حرونة ونبيلة في ذات الوقت.
الجدة شعرت بشىء غريب بالبيت , ابى استقبل ضيف عمى بفتور , مازال يعانى ازمته مع الشعر الحديث , عندما قدمنى عمى لضيفه ربت على كتفى فى ود وقال :
- فتاة رائعة , لا ينقصها غير ان تتعلم كثيرا , لماحة وذكية
اطراء عمى دغدغ حواس العظمة والكبرياء لدى , شعرت بالسمو للحظات حتى افقت على صوت امى وهى تنادى كى اساعدها فى تحضير العشاء , جدتى تلزم غرفتها والطريف انها امرت ابى باحضار تليفزيون ملون 29 بوصة , تقضى وقتها امامه وقد استغنت به عن الاخرين فيما عدا امى التى مازالت المقربة والمخلصة والحبيبة .
اعدت امى طبقا شهيا من الديك الرومى المشوى بالبهارات وماء البصل , وطبخت طاجن من الارز المعمر بالفرن , وطاجن بامية لذيذ جعل ابى يتعجب من تلك الحفاوة المبالغ فيها لضيف عمى , كأنه احد اقاربنا .
امى حاولت بقدر جهدها ان تظهرنا كأننا عائلة مترابطة الوشائج , لا يعكر صفوها شيئا لكن ابى بتجهمه وتقطيب جبينه جعل صديق عمى لا يتناول الا بضع لقيمات وحمد ربه وقال لعمى , يحاول كظم غيظه :
- لم اّتى هنا لأملأ بطنى بطعامكم الشهى ولا لأمتع ناظرى بالعلاقات الحميمة المفقودة بينكم , اين هى ؟
لم يحر عمى جوابا , وهمس فى أذنى قائلا :
- اين عمتك مهرة ؟
قلت :
- مازالت فى غرفتها .
ثم استطردت بعد ان فهمت قليلا المغزى من السؤال :
- وابى ذهب للمزرعة وامى مشغولة بغسل المواعين وجدتى تغرق فى تفاصيل المسلسل التليفزيونى وانا ...
ابتسم عمى وصديقه وقال :
- كفى ..الم اقل لك انها تشبهنى .
- ثم اردف وقد تلفت يمينا ويسارا وبصوت منخفض :
- نادى على عمتك مهرة , على شرط الا تخبريها بشىء مما فى رأسك يا شقية .
- اومأت برأسى بالايجاب وقفزت السلالم ثلاثة ثلاثة ووقفت امام عمتى مهرة وهى تفرد مفرش السرير الذى انتهت من تطريزه للتو وقلت هامسة اتوخى الحذر :
- عمى رؤوف يريدك .
- وانا لا اريد رؤية احد .
- معه لفة من قماش الايتامين الذى ظللت نهارا كاملا تبحثين عنه فى الزقازيق .
كان اغراءا حقيقيا , كنت اتلمس مواضع الضعف فيها , وشعرت لحظتها انى كاذبة اثمة , لأنى لا اقول لها الحقيقة , وحينما هبت بالخروج من الغرفة نبهتها الى مظهرها وهندامها الغير متناسق , وواصلت الكذب فى براءة :
- ربما يأتى رجلا فجأة فى البهو اسفل .
تنهدت وقامت بارتداء فستان طويل بأكمام طويلة واحكمت وضع الايشارب على رأسها وقلت :
- ما رأيك فى قليل من عطر عمتى زينة ؟
بدأ الشك والقلق يتضح فى عينيها لكنها اخفته سريعا قائلة فى دهشة :
- ماذا هناك ؟
- لا شىء , فقط اتمنى ان تهتمى بجمالك مثل عمتى زينة .
- جمالى ؟!
امعنت عمتى النظر فى المراّة تفتش عن مواطن الجمال المزعوم , لعله مخبوء فى مكان ما , مطت شفتيها فى لامبالاة واستراحت الى انى نصف مجنونة مثل ابى لكننى على الاقل احمل فى قلبى طيبة ووداعة امى .
بحث عمى رؤوف عن صورة لعمتى مهرة وحاولت مساعدته لكنه فشل , فلم يسمح جدى لها بالذهاب للمصوراتى بالمدينة , فلم تكن هناك ضرورة ملحة لذلك فهى لن تكمل تعليمها او تلتحق بوظيفة , على عكس عمتى زينة التى تمتلك عددا هائلا لها من الصور منذ ان شبت عن الطوق واستسلمت لخراط البنات , فهى لا تفوت مناسبة الا وسجلتها بعين الكاميرا , سواءا مع صديقاتها فى مدرسة الثانوية بنات بالزقازيق او بالجامعة , ناهيك عن الرحلات الجماعية التى كانت تنظمها الجامعة , لكن كان محرما عليها المبيت خارج البيت ولو لليلة واحدة .
اخيرا رأى اسماعيل جعفر عمتى مهرة التى لجمت المفاجأة لسانها , وحاولت ان تتحسس وجهها الخالى من الاصباغ والمساحيق وشعرت بزندها القوى وهى تزغدنى به بقوة وتهمس لى فى توعد :
- لماذا لم تنبيهينى لوجود ضيف مع عمك ايتها الماكرة ؟
كان اسماعيل مبهورا بها وبتلقائيتها التى لم يرها فى اى امرأة ,مرر ناظريه على الجسد الاسمر الذى انتفض من تلك النظرات الجريئة واسبلت جلبابها الطويل على قدميها تدارى تورم الاصبع الكبير ومحاولته الانفلات من الصندل الصيفى المخروم من الامام , تقدم اسماعيل يمد يده يسلم على عمتى التى ارتبكت واخفت يدها وراء ظهرها وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة , وللتخفيف من حدة الموقف قام عمى رؤوف بمهمة التعارف .
- الاستاذ اسماعيل جعفر صديقى , انه من السودان .
كادت عمتى ان تسب عمى وتنعته بأقبح الالفاظ لأنه يكذب عليها ويستخف بعقلها ويجعل منها اضحوكة امام صديقه المدعى , والذى لايمت بصلة الى االاصل السودانى والبشرة السوداء , وهمت بالوقوف ومغادرة المكان وقد زوت ما بين حاجبيها وبان الغضب والاستنكار على ملامحها لولا ان تدخل اسماعيل فى الوقت المناسب قائلا :
- ابى سودانى من كسلا وامى انجليزية من ريف ويلز , وكما ترين يا اّنسة مهرة ملامحى الغربية قد ورثتها عن امى , وانا لاذنب لى فى خلقتى .
هدأت عمتى قليلا , وقفز من عينيها تساؤل خفى عن سبب وجودها فى تلك اللحظة بالذات , وهى لم تألف من قبل االترحيب بالضيوف خاصة الغرباء .
حاول اسماعيل ان يقيم حوارا معها بطريقة لطيفة ودية وقد وقف عمى كالظل الباهت لا يريم من مكانه , بين الحين والاخر يقفز من كرسيه ليستطلع حضور ابى المباغت , او اى مفاجأة كارثية تنشق عنها الارض وتودى بأمنه وسلامه فى ذلك البيت الذى حارب كثيرا كى يجد لقدمه موضعا وتنازل وتنازل حتى ضمن بعضا من ثقة ابى .
كان اسماعيل جعفر كالسهم المباغت لقلب عمتى الذى لم يختلج بمعانى الحب والاشتهاء الحقيقى وجعلها تشعر للحظات قصيرة انها ثمرة مرغوب فيها وقد حان قطافها , وانها ربما تكون امرأة حقيقية جاذبة لكل ما تحتويه كلمة العشق والهوى , قال اسماعيل فى اتزان وهدوء :
- اتمنى الا اكون ضيفا ثقيلا يا انسة مهرة .
لم تستطع عمتى ان ترفع ناظريها من على الارض , كان حسنه باهرا , نوره فج , عيناه بحيرتان زرقاوتين لم تقدرعلى النظر اليه مباشرة واستأذنت فى الانصراف وتنفس عمى الصعداء وكاد ان يدفع بصديقه للخارج , حتى اوشك ان ينكفىء على وجهه , وفى الطريق ويبنما اسماعيل يشعر بنشوة لا مثيل لها ولذة لم يكن ليحس بها وهو فى لقائه الحميم مع زوجاته الثلاثة , انها على الفطرة , تنتمى الى عالمه الذى يبحث عنه , سترده الى عتبات الطفولة ويمرحان فى غابة الجسد الواحد ويستنشقان عبير الزهور الوردية , وتسيل بينهما انهار العسل المصفى وسوف يرى نسله منها يتكاثر حواليه وبين يديه , سوف تعطيه ما حرم منه , سيبارك الله ايامهما معا لأنه سوف يطلبها للزواج الآن من صديقه وصفيه رؤوف .
لم يصدق عمى ان اسماعيل يريد الزواج بعمتى مهرة وقال له :
- بالتأكيد سمعت ورأيت بعينى انه من الممكن لرجل اسود – معذرة لوصفى هذا وارجوك لا تعتبره نوعا من العنصرية _ ان يعشق ويتزوج امرأة بيضاء لكن فى مثل حالتك لم أسمع بذلك ولم ينمو الى علمى المتواضع من قبل .
ابتسم اسماعيل وهو يعض على شفته السفلى فى مرارة :
- الم تقرأ عن بوريس بيكر لاعب التنس الالمانى الذى تزوج من فتاته الافريقية والتى تحمل نفس ملامح اختك مهرة .
قاطعه عمى وهو يحاول ان ينبهه الى المخاطرة التى يوقع نفسه فيها :
- او نسيت كم عانى بوريس بيكر و لم يهنأ بالعيش فى بلده واضطر للعيش فى بلد اخر وفى نهاية الامر انفصلا تاركا فى رقبتها لقب مطلقة ووزر الاولاد الذين يتخبطون بين اصل ابيهم ولون امهم .
قال اسماعيل فى واقعية مثالية :
- اصولى مثل اصول مهرة , لماذا لا يحاول عقلك الصغير ان يقر بتلك الحقيقة الثابتة .
لم يألف عمى رؤوف مثل ذلك الكلام المتجاوز من قبل اسماعيل لكنه طمأنه وجعله مستريح الضمير , لقد فعل ما فى وسعه لكى يبصر اسماعيل بما هو مقدم عليه , فليتزوج مهرة ويحدث ما يحدث .
اقترح عمى ان يقوم اسماعيل بمقابلة ابى ويطلبها رسميا منه حتى تكون الامور فى نصابها الصحيح , وسوف يسانده ويشد من أزره ولن يبخل عليه بالمشورة او النصيحة لكن قبل تلك الخطوة يجب ان يسأل عمتى مهرة عن رأيها اولا , فتلك هى الاصول ويجب مراعاتها ولو ان عمى رؤوف كان يدرك جيدا ان عمتى مهرة سيقضى على قلبها الرقيق ذلك الخبر المدهش وربما اصابه جلطة من شدة السعادة الغير متوقعة .
اراد عمى ان يختلى بعمتى مهرة ويبث لها الخبر ويسألها عن رأيها فى صديقه اسماعيل فابتدرها قائلا :
- ما رأيك فى صديقى اسماعيل جعفر الذى زارنا ليلة امس ؟
هزت عمتى رأسها لالايجاب فعاود عمى كلامه قائلا :
- لم اسمع رأيك , فى الحقيقة ان رأيك يهمنى للغاية , اذن ما رأيك ؟ ارجوك اخبرينى ولا تخجلى ان تبديه .
قالت عمتى بصوت هامس مبحوح :
- انه طيب !
- طيب ؟! هل هذا رأيك يا مهرة ؟ كل الناس طيبون فى نظرك .
- انه طيب اكثر من الاخرين ولسانه حلو .
- على بركة الله , مهرة .. ان اسماعيل يرغب فى الزواج منك وانا ....
لم يكمل عمى جملته حتى سقطت عمتى مغشيا عليها وافاقت بصعوبة وشعر عمى بحرج بالغ وشفقة عظيمة على قلب اخته من ابيه ( اخذ يرددها بينه وبين نفسه ؛ اختى من ابى ) لكنه يحس نحوها الان بحب مشمول بعطف اخوى صميم وخوف على قلبها لو جاء يوم وتحطم ذلك الزواج المرتقب على صخرة ما , الويل لاسماعيل لو اصابها مكروه او حاول جرحها ذات يوم , لن تشفع صداقة السنين حينئذ , فهى اخته حتى لو كانت من ابيه .
افاقت عمتى وبعينيه احتضنها عمى وضمها لصدره قائلا :
- انك تستحقين اميرا ينسل اليك من كتاب الحكايات او عظيما يهبط على قلبك الرقيق من وديان الفرسان , انك تستحقين الافضل يا مهرة .
قالت عمتى و قد الغز عليها ما يقوله عمى وقالت , تتثبت من صحة عرض الزواج :
- هل صديقك يريد ان يتزوجنى حقا يا اخى ؟
- اجل , انه يريدك بشدة .
- هل اعجبته حقا ؟
لم يجب عن سؤالها واعتبره نوع من الاذلال لنفسها وهى الشريفة بنت الاصول ونهرها فى قسوة :
- أرجوك , اهتمي لما تقولينه , تتحدثين عن نفسك وكأنك لا شأن لك وتتصاغرين وتتقازمين هكذا : لماذا هذا الإحساس بالدونية ؟
قالت عمتي فى صدق وقد فتحت باب قلبها على مصراعيه أمام شفقة عمى:
- لا احد يهتم بي , لا احد لديه الوقت كي ينظر إلى أو يسأل عنى , بين جدران هذاالبيت انا منسية , الزمن يخط بصماته على كل قطعة فى جسدى واظل فى مكانى انتظر اللاشىء او الموت , الموت , اتمناه دوما فى اول الليل , فى حين تتأرجح الاحلام فى برزخ الحرمان والشجن – بين اليقظة والنوم – اتفكر فى حالى وانظر الى سريرى ونصفه فارغ , اظل اتقلب حتى يباغتنى النوم ويسلمنى الى هواجس الاحلام ودوامة الكوابيس الصاخبة وافيق على يوم جديد وهزيمة اخرى .
اقترب عمى من عمتى كثيرا وفى الحقيقة ان عمتى اندفعت فى مشاعرها الاخوية تجاه عمى وصارحته انها لما رأته فى بادىء الامر لم تتوقع يوما ما ا نها ستحبه , ولامت نفسها ووبختها لانها كرهته وكانت من اشد المحرضين على طرده وعدم الاعتراف به , وانها انساقت وراء جدتى حتى لاتغضبها .
لم تؤثر تلك الصراحة على عمى , على العكس من ذلك اعتبر هذا الاعتراف نوعا من الاعتراف الجميل الصادق ووعدها ان يهتم بها وسترى اى نوع من الاخوة هو .
حضر اسماعيل جعفر بصحبة عمى الى البيت الكبير دون سابق موعد وقابل ابى الذى استقبله فى تجهم كالعادة واستأذن فى الانصراف لبقية شؤونه الا ان عمى قال فى ادب شديد يناسب الموقف:
- ان اسماعيل يريد ان يتحدث معك فى أمر شخصى.
التمعت عينا ابى بوميض غريب لبرهة وتخلى عن تجهمه قائلا :
- اذا كان الامر يتعلق بديوانى فأنا ليس لدى وقت الآن ...
قاطعه عمى وقد اسقط فى يده :
- لم ينتهى من قراءته بعد .
همس اسماعيل لعمى قائلا فى استنكار :
- اى ديوان , انا لست مدعوا الى ندوة ثقافية هنا .
قال عمى :
- ان اسماعيل حضر خصيصا لمقابلتك باعتبارك رجل البيت الاول الآن .
عاد ابى الى عبوسه وحاول الانصراف مجددا , متجاهلا الاطراء الذى اسبغه عمى عليه لتوه , لكن يبدو انه لم ينطلى عليه .
- ماذا يريد صديقك, اسرع فأنا فى عجلة من أمرى , مقاول الانفار فى انتظارى منذ ساعة .
تقدم اسماعيل فى قوة وجرأة قائلا:
- الموضوع لا يحتمل التأخير, جئت طالبا يد اختك.
- زينة ؟! لا شأن لى بحياتها , يمكنك ان تسألها فهى تعمل وتخرج وتسافر مثل الرجال تماما .
-انه لا يقصد زينة على الاطلاق , انه يشير الى مهرة .
انتابت ابى نوبة من الضحك الهيسترى وهو يضرب كفا بكف وسقطت منه نظارته وخرج عن قالب الوقار الذى جمد هيئته الخارجية فيه ولم يهدأ الا حينما تطلع الى ناحية السلالم المؤدية للطابق العلوى حيث حجرات النوم الخاصة , وتلاقت عيناه بعينى عمتى مهرة وقد ازينت وبانت كملكة بلقيس , طأطىء ابى رأسه واقتاد الضيف \ الزوج المرتقب الى حجرة الضيوف واوصد الباب جيدا وتفرس وجهه وامعن النظر فى ملامحه كأنه يبحث عن خلل وراثى مخبوء او اثر لجنون قديم :
- هل انت جاد فى عرضك ايها الرجل ؟
- اجل , بالمناسبة اسمى اسماعيل و ..
- انت تعرف ان مهرة قد ورثت مالا طائلا ونصيبا مفروضا من الارض والعقارات قد يصل الى مليونا من الجنيهات .
تدخل عمى قائلا :
- ان اسماعيل صديقى نسبه ينتهى الى عائلة الميرغينية ذات الاصل الشريف والجذور التاريخية الراسخة بالسودان , ان حالته ميسورة ويمتلك اضعافا مما تمتلكه اختى مهرة .
عم السكون على المكان واختلطت اسئلة الاستفهام فى عقل ابى , فمهرة بكل المقاييس ليست امرأة مثيرة ولا يحزنون ولا فاتحة شهية على موائد الرجال , فماذا اذن , لا يوجد سوى المال , اجل فما لديها يغرى الكثيرون , لكن لا احد من هؤلاء الكثيرون دخل السباق وراهن عليها , انها متبطلة من الحب والزواج حتى انه نسى انها قد جاوزت سن الزواج الا قليلا .
قال ابى وهو يهز رأسه :
- انا موافق بالثلاثة على شرط ان تكتب مؤخر صداق نصف مليون جنية اما المهر فيكفيها خمسة وعشرون قرشا .
وافق اسماعيل وكادت السعادة تقضى على قلبه واحضر لها شبكة من الالماظ واختار لها فستانا بلون اللازورد الشفاف ولف رأسها بغطاء سماوى حتى بدت كأميرة من احراش افريقيا وحددوا موعدا للزواج حينما يهل هلال الشهر العربى التالى ..حتى زينة كان يداخلها التعجب وهى ترى اسماعيل ملتبسا بالهيام والوجد بمهرة تردد فى تعجب :
- سبحان الله ..سبحان العاطى الوهاب .
عمتى زينة رغم انفتاحها الشديد على العالم وثقافتها الغزيرة الا ان كثيرا من الرجال يجفلون من الاقتراب منها لما تتميز به من طبع حاد وقدرة عجيبة على استلاب عقول الاخرين , لم تكن ذات انوثة طاغية ولا يستهويها التبرج وابراز المفاتن , كانت تصون جسدها وتعرف كيف تحافظ عليه من نهاشى الطريق وتسلل المستهترين من ادعياء الصداقة واصحاب الشعارات الرنانه فى ان الرجل يساوى المرأة , لا تنكر ان ثمة رجال مخلصين قد خلصوا من شوائب الغى والضلال وغواية الانثى , ونظروا الى عقلها واعجبوا بكفاءتها فى التفكير واعتبروها ندا قويا , لها حضور طاغ وفكر واقعى , بحثت عن رجل واحد تشد اليه الرحال وظلت تنتظره واوشكت على اتمام الثلاثين , لا يقلقها ما كان يقلق عمتى مهرة , تخشى ان تستيقظ ذات يوم فلا تجد الجدة المناكفة ولا ابى المستكين ولا امى الطيبة ولا عمتى مهرة الساذجة , وتظل وحيدة تصرخ فى الفراغ , حتى يحتويها قبرها لحياة اخرى , الله وحده اعلم بتفاصيلها .
لم يكن شعورا بالحسد من عمتى مهرة , لكنه شعور غريب مستبد , كريه الملامح جعلها تشعر بثقل السنوات الثلاثين التى ناء بها ظهرها , وتلتفت لنفسها بالمراّة , تخشى هجوم خطوط التجاعيد المفاجىء وشيب الشعر المباغت , تخشى ان تتحول الى ظل باهت , تتساءل :
- كيف يمكن لرجل مثل اسماعيل ان يعاشر مهرة , وهو الرسام الذى يحمل جنين الشعر بين جنباته , ومهرة لا تعرف معنى القصيدة ولا كيف يكون الرجل شاعرا , هل اعتبرها ملهمته الجديدة وعندما يفرغ منه وحى الشعر سيلفظها عند اقرب مأذون مثل النسوة الثلاثة اللائى ارتبط بهن ذات يوم .
مصمصت شفتيها وهى ترى السعادة والفرح تجوبان عينى مهرة واسماعيل , لا يوجد بينهما اى تكافؤ ؛ لا من قريب اوبعيد ؛ ربما يكون اسماعيل رجلا شاذا بكل ما تحمله تلك الكلمة اللعينة من دلالات وايحاءات ؛ ربما , من يدرى ؟!
حاولت عمتى زينة ان تطرد هذا الاحساس البغيض وظلت طوال الليل توبخ روحها , فمهرة قاست كثيرا فى حياتها وربما يكون زواجها من اسماعيل تعويض من الله , اصبحت عمتى مشوشة الفكر وطلبت من الجريدة التى تعمل بها مراسلة صحفية اجازة من العمل لمدة اسبوع , كانت تريد النظر فى اعماقها قليلا , والتحدث الى نفسها , ربما تخلص الى شىء خطير ذات معنى بجعلها تكتشف سر نفور الرجال منها رغم انها تفوق عمتى مهرة فى كل شىء .
مرة اخرى ظهرت عمتى مهرة فى كفة المقارنة التى تمقتها عمتى زينة , لا تريد ان يجنح بها الخيال الى هذا المنحى الاسود الذى جعلها تفيق على حقيقة مرة وهى ترى طوابير البنات وقد وصمن بالعنوسة , ذلك الطابور الكريه يزداد طولا يوما بعد يوم واحيانا يستطيل , معلنا ان الفتاة عندما تزداد جرعة التنوير لديها ينأى عنها الرجل الى اخرى يريح فيها عقله وتخمد شهوته .
الامثلة كثيرة , تعايشها بروتينية ولم تحاول يوما تحليلها وتزج برأسها فى موطن الدبابير حتى عايشته قسرا فى اختها مهرة , افاقت على وضعها الاجتماعى كأنثى طاردة للرجال , ورغم كل شىء الا انها لن تستسلم ولن تقدم قرابينها لأى رجل عابر زمنها وحلمها , سوف تنتظره حتى الموت ولن تفرط ولن تبكى ليلا الوحدة والسهد العاطفى , وسوف تظل تبحث عن قلب تدور فى فلكه ولا يلفظها لامرأة اخرى .
كى تثبت لنفسها اولا انها تحب الخير لاختها مهرة , قامت عمتى زينة واهدتها سوارا ذهبيا مرصعا بالياقوت الاحمر وبعض القبلات والامنيات الرائعة وتراجعت الى غرفتها تتشسبث بالقلم الذى تستكين اليه وقت الشدة وتبوح للورق الابيض , وتظل تكتب مذكراتها وخواطرها حتى بزوغ الفجر , وتكون بذلك قد ضمنت لنفسها نوما هادئا بدون تململ وارق , لم تعد الحبوب المنومة والمهدئة ذات تأثير قوى على مركز النوم بعقلها , ظل النوم عنيدا , يخاصم عينيها , بالكاد يركن جسدها بضع سويعات وتستيقظ طوال الليل , فما كان منها سوى اللجوء الى البوح والفضفضة على الورق , على الاقل لن يفشى لها سرا ولن يعاتبها على ماتلفظه من افكار وامنيات واحلام , تعتبر مذكراتها عورة , تخبئها فى مكان امين , لا يقدر احد على اكتشافه , فسطورها تحوى قصص الفشل العاطفى الذى صادفته مرتين فى حياتها وترك فى روحها جرحا غائرا , تحاول ان تتناساه , لكن رياح الفقد واعصار الرغبة المباغت يذكرانها بأول قصة حب عندما اتمت عامها السابع عشر وهى فى طريقها للمدرسة الثانوية بصحبة زميلتها كوثر بنت عمدة البلد الحاج بسيونى ابو طاحون الذى يفاخر بتعليم البنت مثل الولد تماما , كان رجلا مختلفا بالنسبة لزمانه , بل انه كان يحض كوثر على التفوق على ولده الكبير الدكتور حمدى الذى كان يملك سيارة صغيرة ويتطوع يوميا لتوصيلهما الى الزقازيق حيث يعمل نائبا للامراض الصدرية بالمستشفى العام , وقتها كانت عمتى تنظر اليه على انه افضل رجل فى العالم , فهو دائم الابتسام , يتحدث برقة وعيناه يطل منهما وهج محبب يجعل من ينظر اليهما ينسى نفسه الى ان جاء يوم واجلس عمتى امامه فى لحظة صفاء وحب وقال لها :
- المرأة التى سوف اتزوجها لن اسمح لها بأن تطأ بقدمها الشارع , سأنزلها فى قلبى كالاميرة وسأنثر حولها الخدم , ستكون شهرزادى أنا , أنا فقط .
- هل هذا هو الحب فى نظرك . نحيا ونموت كالانعام , نصبح بهائم فى حظيرة الزواج .
- اشد ما يقلقنى فى المرأة ان تفكر , الفكر ليس جيدا لبشرتها وجمالها , يكفيها عبء الحمل والوضع .
- تريدها خاضعة دوما .
- احيانا الخضوع يضفى جمالا ملائكيا على المرأة , لا أحب ان تعمل المرأة , سرعان ما تتحول الى جنس ثالث , وانا لا اطيق تلك الفكرة .
- جنس ثالث ؟!
- انت ما زلت صغيرة , اصيخى السمع الى نساء العالم الآن , كلهن يردن العودة الى البيت واحضان الرجال , انظرى الى كعوبهن المتشققة وايديهن الخشنة وصدورهن المهدولة وبطونهن المتدلية , لقد فقدن مقومات الانثى.
- والرجل الم يفقد عرشه بعد وصار ضبعا فى مملكة النساء
- انت جريئة , بل ....
منذ تلك اللحظة وانقطعت علاقتها بكوثر واخيها ولم تسمع شيئا عنه سوى انه تزوج مرتين وطلق مرتين ايضا اما كوثر فقد هاجرت مع ابن عمها الى كندا ولم تعد تعرف عنها شيئا .
المرة الثانية التى احبت عمتى فيها بصدق وتمنت لو انها ماتت معه , كان منذ سنوات طويلة عندما كانت تحبو فى سنواتها الاولى بالجامعة بكلية الاداب قسم صحافة , كان يكبرها ببضع سنوات, لم يكن مصريا خالصا فأبوه فلسطينى وامه مصرية ,كانت تراه ناضجا شارف على الثلاثين , لم يكن شاعرا لكنه يتحدث كالشعراء , فى حديثه ثورة وملامحه الهادئة لا تشى بشىء من ثورته , لا يحب مدح الحكام ويعتبرها رذيلة ومفسدة , يتميز بلحية حافظ دوما على تشذيبها , حاول ان يجعلها تنضم الى جماعته بالجامعة , وامتنعت خوفا من بطش جدى الذى حذرها لدى التحاقها بالجامعة قائلا :
- اياك وحقل ِالالغام.
- ماذا تقصد يا ابى ؟
- السياسة , لا تدسى رأسك الصغير فى السياسة ولا تلقى برأيك جزافا والتزمى الصمت وعيشى ايامك كحمل وديع حتى تسلمى من الذبح .
كان تهديدا حقيقيا , فهو لا يحب الدخول مع السلطة فى مناوشات , يريد ان يحيا فى سلام , فلديه ما يغنيه عن هجو السلطة فلماذا اذن المتاعب ؟!
عمتى التزمت الصمت حتى لا تتوارى خلف جدران البيت الكبير, اما فارسها فلقد تطوع فى حركة فلسطين الحرة وذهب الى القدس المحتلة يزور اباه وبيده حجرا فى جيبه , طوحه بعيدا فى وجوه الصهاينة وحاول رشق دباباتهم مع بعض الفتية الصغار , ينشد قائلا :
- مازال معى حجرى !
كانت رصاصات العدو اسرع من حجارته وانزوت صفحته كذبالة المصباح وامسى خبرا من اخبار الماضى وبكته بشدة وانشدت فى لوعة صادقة تقول كما قال المعرى ( ان حزنا ساعة الموت أضعاف سرور ساعة الميلاد ).
لم تتورط عمتى زينة فى اى علاقة عاطفية منذ ذلك الحين وأسدلت ستارا كثيفا على قلبها وانتوت ان تفرغ قوتها الداخلية ورغباتها المكبوتة فى العمل حتى حصلت على ترقيات متتالية فى مدة قصيرة وكان هذا مدعاة لمزيد من التباعد بينها وبين زملاؤها من الرجال , والغريب انها لم تسلم من همس زميلاتها الذى يشبه الفحيح حول سيرتها وكثرة اسفارها للخارج وانها تتخذ من عملها كمراسلة اولى بالجريدة تخفى وراؤه نزواتها وهفواتها الساقطة والا لماذا لم تتزوج حتى الان وهى لا ينقصها مال او جمال , حتما , ولابد هى تريد ان تظل طليقة لا يحدها ظل رجل ولا يكسر ضلعها حين يذهب لتقويمه .
كنت اعتبرها وردة الصباح التى لا تستحقها عائلتنا فهى تساوى الكثير من الرجال , عندما اجلس اليها اشعر انها اكثر وعيا ونضجا من ابى الذى مازال يحاول مع هاجس الشعر ويزور دور النشر سرا ويحاول طبع قصائده على حسابه لكنه يرجع كسيف البال , مثقل باحباطات اللاءات ونغمة ربما نفكر فى الامر العام القادم , او ان الدار مزدحمة بما لديها ,لا يلبث ان يعود الى امى ويلقى فى عينيها انطفاء الرغبة فى الحياة , يمط شفتيه ويبدأ فى لوم نفسه لانه لم يقف فى وجه جدى ويتزوج ملهمته الحقيقية و عشقه الاول , لو فعل كان من الممكن ان تتفتق اريحيته الشعرية ويذهب الى وادى عبقر ينهل من انهار الشعر والعشق ويصير مشهورا .
مازال ظل جدى يباغته وهو يدير شئون الارض والمزرعة , يسمعها احيانا كلمة تقال من امامه واحيانا كثيرة تكون ممجوجة سافرة ومعيبة , لا تطرب أذناه ابدا لسماعها وان قيلت على محمل المجاملة وذكر مأّثر الذى كان جدى ومناقبه التى لاتعد على اصابع اليدين فهو تاجر اريب ورجل حقيقى وفلاح من جذر الارض السمراء وحكيم ومراوغ وفارس ولديه رصيد من الفحولة لا بأس به , يكفيه انه تزوج اكثر من مرة ولم يقرب الحبة الزرقاء , ليس كمثل شباب اليوم الذين يتكئون على المنشطات وقواهم خائرة من السعى طيلة النهار والليل لسد البطون الخاوية والافواه المفتوحة .
بينه وبين نفسه كان حنقه يزداد على جدى الذى علمه الاستكانة والمخادنة ولم يجعله يشب عن الطوق ولم يلاعبه يوما او علمه ركوب الخيل مثله , كان يخشى عليه وكان هذا نابعا من قناعة تامة لدى جدى ان ابى لا يصلح لأى شىء غير ان يكون ظلا له .
على النقيض من ابى كان عمى راضيا بحاله , قانعا بما لديه , تشرب طباع امه وجرأتها واقبالها على الحياة , كانت دنيا هى المرأة الوحيدة التى تستطيع مناقشة جدى بالحجة والبرهان , وكان يستمع لها بل يستمتع بما تقول ويألف عصبيتها ويسمح لها بما هو محرم على نسائه الاخريات , يتناول العسل الابيض من يديها ويغمسه فى أديم شقاوتها ولهوها ويستكين اليها طفلا راشدا وينسى حدود الزمن معها ويتمنى لو تقهقر به الزمن الى الوراء لاستبدلها على الفور بكل نساء العالمين , وكان لها هى فقط , يرى بعينيه دوران الفصول الاربعة عند عتبة روحها ,يلزمها بضعة ايام وليال , يعشق فى جوارها لسعات البرد الشتوية ونسائم الليل القمرية الصيفية ويتابع انكسار الربيع على اشجارالخريف الذابلة ويشهد تلون الحياة بالالوان القزحية عندما يباغت الربيع الارض اليباب ويمنحها لمسته السحرية .

صورة أميمة عزالدين

التعليقات (4)

دفق من الارتسام لخصائص الشخصية الروائية دمت مبدعة

صورة خيرة خلف الله

أميمة
تعرفين عشقي لهذا العمل فهو مايزال يتوج حروفك الرائعة
دمت رائعة

صورة د.حنان فاروق

حنان
كل سنة وانت طيبة وكاتبة رائعة، رمضان كريم
ولا حرمنى الله من تشجيعك واتمنى لك الخير كله

صورة أميمة عزالدين

خيرة ، ايتهاالجميلة كل سنة وانت طيبة ورمضان كريم
طلتك ابهجتنى كثيرا وقراءتك اسعدتنى كثيرا ، محبتى لك ايتها المبدعة وشرفت بك كثيرا

صورة أميمة عزالدين