فرسان الله والأرض ... أو ... ســـيف اللـــه







فرسان الله والأرض
أو
ســـيف اللـــه

دراما تاريخية
محمد أبو العلا السلاموني
ـ المشهد الرابع حروب المرتدين في بني تميم باليمامة
الوقت : ليلاً. الجو عاصف وممطر‏
خيمة خالد بن الوليد. تسمع صيحات حرب)‏
***‏

الجوقة : وجاء موعد الرحيل ذلك اليوم الحزين‏

محمد أتم ما أتى به للعالمين‏

وها هو الغداة أعلن الوداع‏

وغادر الأرض التي كانت تموج بالضياع‏

وقد أقرَّ في ثناياها النظام والسلام‏

مضى الذي تمت به سكينة القلوب‏

وأثلج الصدور بالرجاء والأمل‏

في ليل أرضنا الملئ بالثقل‏

في الليلة مطيرة بلا قمر‏

تبعثرت فيها القلوب في مسارب الدروب‏

والكل في خطر‏

وثارت الفتن‏

وأشتدت المحن‏

وارتد من أقر عائداً إلى الوثن‏

فيالها من طعنة نجلاء في الظهور‏

في ليلة ظلماء مثل ظلمة القبور‏

ويا لها من محنة تعم الأرض من جديد‏

ويا لفتنة أتت بالنار والحديد‏

وعادت آلهات الشر والعماء والصمم‏

لتنذر الإنسان بالسراب والعدم‏

وجاهلية الظلام والصنم‏

(يدخل خالد من اليسار وعليه غبار المعركة وآثار المطر وبيده سيفه ويتجه بنظره إلى اليمين)‏

خالد : (خطيباً) يا بني تميم.. أنني أدعوكم أن تعودوا.. لماذا تخليتم عما أمنتم به لقد فتح لكم محمد الطريق.. وها هو ذا قد مات مات لتواصلوا أنتم من بعده فلماذا فقدتم الثقة في أن تصنعوا الحياة من جديد... اقتلوا اليأس في قلوبكم وعودوا معي لنزرع الصحراء ونفجر النماء في الأرض.. (لحظة) أريد سبباً واحداً لأن تستمروا دون أن يكون لديكم الأمل في أن تصنعوا الحياة كما ينبغي أن تكون..؟ لقد عشنا هنا في صحرائنا هذه قروناً.. نأكل الشمس ونسف الرمل ثم نموت.. أهذه هي الحياة التي تريدونها..؟ أجيبوني إذا كنتم تريدون ذلك فأنا لا أريده.. ولن أسمح به.. لقد تحطمت الأوثان الخربة في قلوبنا ولن أسمح بعودتها... من لا يريد أن يصنع الحياة كما ينبغي فلا يعيش.. ليدع الحياة لمن يصنعها ويجعلها منها فردوساً يليق بشرف الإنسان على الأرض.. وها أنذا أشرع سيفي في وجه أعداء الله والأرض.. فوالله لن أتوانى عن أن أطيح برأس من يفكر في أن يعيد الجاهلية من جديد..‏

(تشتد العواصف ـ يدخل جندي)‏

الجندي : لقد أحطنا بني تميم يا أمير..‏

خالد : بثوا فيهم الدعاة ولننظر ما سيفعلون‏

الجندي : لم يعد سوى مالك يا أمير.. مالك بن نويرة واتباعه هم الذي يحرضون القوم على الردة والقتال.‏

خالد : لا بأس .. أحيطوا بهم وأتوا إلي بمالك حياً أو ميتاً‏

الجندي : أمرك يا أمير..‏

(يخرج بينما يدخل الحارس)‏

الحارس : امرأة مالك تريد لقاءك يا أمير‏

خالد : هل أساء إليها أحد..؟‏

الحارس : لا يا أمير‏

خالد : دعها تأتي..‏

(يخرج الحارس وبعد لحظات تدخل سيدة متشحة بالسواد ويبدو عليها الاعياء).‏

خالد : ليلى..كيف حالك؟‏

ليلى : أما زلت تذكرني حقاً يا خالد..؟‏

خالد : (برقة ) يا الله .. ماذا بك ؟ هل أنت مريضة..؟‏

ليلى : هل يبدو علي ذلك..؟‏

خالد : كنت أراك دائماً أكمل شيء في الوجود‏

ليلى : والآن يا خالد‏

خالد : والآن.. ( فجأة) ولكن ماذا صنع بك مالك..؟‏

ليلى : عشت معه العذاب يا خالد..‏

خالد : كيف؟ كنت أعتقد أن من يحصل عليك يحصل على الجنة‏

ليلى : ولماذا لم تحصل أنت علي ..؟‏

خالد : هل نسيتِ أنك رفضتِني..؟‏

ليلى : ظننت أنك ستصنع المستحيل لتحصل عليَّ .. ولكنك في الحقيقة لم تكن بك رغبة في الجنة حقاً..؟‏

خالد : لماذا تزوجت من مالك..؟‏

ليلى : كنت في حاجة إلى الأمن والسكينة‏

خالد : وما الذي قلب مالكاً على هذا النحو..؟‏

ليلى : ساورته الشكوك..‏

خالد : فيم..؟‏

ليلى : في كل شيء..‏

خالد : لم أشك قط في أن يكون مسلماً حقاً..‏

ليلى : هذا ما ظننته حينما تزوجته..‏

خالد : والآن..؟‏

ليلى : في الأيام الأخيرة جاءني في منتصف الليل مخموراً وصاح بي أن أخرج وارتد عن الإسلام.. في الصباح جمع قومه وخطب فيهم بطريقة جنونية وأعلن ارتداده وكفره بما جاءبه يا محمد.. وأتى بما جمعه من زكاة ورده إلى أصحابه.. ومنذ ذلك اليوم وهو لا يكف عن المجون والعبث وبلغ به الجنون أن اتبع امرأة عابثة تدعى البنوة وتجمع حولها المرتدين لمناهضة المسلمين.. ولا أدري حتى الآن ماذا يفعل فقد هجرني منذ وقت طويل..‏

خالد : ألا تعرفين سبباً لذلك..؟‏

ليلى : لا ..لقد مرت به فترة يأس.. بعدها بدأ يدمر كل شيء حتى حبه لي..‏

خالد : هل كان يحبك..؟‏

ليلى في أول زواجنا .. أما الآن فإن عاطفته قد تحجرت.. أصبحت روحه يابسة تماماً كما كانت روحك في الجاهلية‏

خالد : كنت أحبك‏

ليلى : ولكنك كنت تخيفني‏

خالد : أحقاً..؟‏

ليلى : لا أنسى يوم أن مررت بك وأنت نائم وحاولت إيقاظك فإذا بك تفزع في وجهي بسيفك.. وكدت تطعنني‏

خالد : كنت مريضاً يا ليلى‏

ليلى : بل كنت جاهلياً.. عندما أخبرني أخوك الوليد بإسلامك سألته عن حالك فأكد لي أن فزعك قد انتهى..‏

خالد : والآن يا ليلى ... أما زلت تفزعين مني..؟‏

ليلى : لم أدخل قلبك بعد يا خالد‏

خالد : ألا تحاولين..؟‏

ليلى : لا تنسى أنني زوجة مالك..‏

خالد : لم تعودي زوجته مادام قد ارتد.. هذا من حقك‏

(تسمع ضجة ثم يدخل مالك بين حارسين)‏

حارس : قبضنا على مالك بن نويرة يا أمير‏

الآخر : قهرنا اتباعه ولكنه ظل يقاوم حتى سقط في أيدينا‏

خالد : حسناً.. اتركاه.. ( يخرجان)‏

ليلى : كنت تعبث يا مالك... لم فعلت هذا..؟‏

مالك : (بازدراء) لا تسمعيني صوتك يا امرأة..‏

ليلى : لم لم تقتل نفسك إذن ما دمت يائساً‏

مالك : وددت لو قتلتك أنت..؟‏

ليلى : أنا يا مالك...؟‏

مالك : لقد سئمتك وسئمت آمالك الخرقاء.. كرهتك وكرهت الحديث عن الفردوس الموعود، كرهت كل المحاولات الفاشلة من أجل عمل شيء يستحق الجهد.. أنتم تبحثون عن أوهام وخرافات قد حاولت مثلكم ولكن..‏

ليلى : ولكن كنت جباناً..‏

مالك : بل كنت أكثركم شجاعة.. كنت شجاعاً إلى الحد الذي صارحت فيه نفسي والعالم بكل ما ساورني من شكوك.‏

خالد : ولماذا لم تقاوم يا مالك..؟‏

مالك : (باشمئزاز) لماذا..؟ ما جدوى أن أقاوم.. لماذا أقاوم شكي واشمئزازي ومقتي لكل شيء... لماذا أقاوم كل هذا وأنا أعلم أنه نابع من أعماق صدري... أشياء كهذه هي التي تمثل الحقيقة كل الحقيقة.. وكل ما عداها لم يعد يعنيني في شيء ... هذا ما اكتشفته أخيراً..‏

خالد : وماذا تنتظر يا مالك..؟‏

مالك : من قال لك أني انتظر شيئاً..‏

خالد : ألا تريد أن تصنع شيئاً ذا قيمة يا مالك..؟‏

مالك : لا شيء يستحق مني الجهد‏

خالد : وما فعلته اليوم..؟‏

مالك : عنَّ لي ذلك.. هذا كل شيء‏

خالد : وهل عنّ لك أن تثير الفتنة بين قومك..؟‏

مالك : بل يخط لي أن أثير الفتنة في أرجاء الأرض‏

خالد : إذن فأنت لا تريد أن تكتفي بنفسك‏

مالك : أنني أرفضكم وأرفض نظامكم.. كما أرفض أن تفرضوا ذلك على العالم..؟‏

خالد : ما الذي تريده تماماً يا مالك..؟‏

مالك : (صارخاً) أنني أرفضكم.. هذا كل شيء أرفض محاولاتكم البائسة لتنظيم العالم.. وأنت يا زوجتي المجنونة التعيسة ستعلمين يوماً ما أنك تبحثين عن هراء.. وستستيقظين على الحقيقة المفزعة ولن تحميك أي محاولة تهدفين بها الطمأنينة والأمن..‏

ليلى : (بشراسة) اقتله يا خالد‏

مالك : لتعودي إليه يا فاجرة‏

(يحاول مالك أن يصفعها فيبادر خالد ويقبض على ذراعه)‏

خالد : خذوه..‏

(يدخل الحراس ويخرجون به. يظلم المكان ويظهر الامام)‏

الامام : قتلته يا خالد‏

خالد : لا‏

الامام : لم لا تعترف يا ابن الوليد.. أو لم تقتل مالك واتباعه ..‏

خالد : لم يكن ذنبي ما حدث‏

الامام : من إذن..؟‏

خالد : لقد أمرت بتدفئتهم ولكن الحراس اخطأوا وقتلوهم..‏

الامام : خطأ متعمد‏

خالد : ماذا تعني..؟‏

الامام : كانت لديك الرغبة في قتلهم‏

خالد : لا شأن لك برغبتي‏

الامام : لماذا تزوجتها إذن..؟‏

خالد : هذا شأني‏

الامام : لا تقل شأني وشأنك.. أنك تتصرف بما يمس العدالة والقانون ..‏

خالد : وما الذي تريده مني، أن اعترف بأنني قتلت مالكاً..؟ ليكن، ألم يكن مرتداً وخارجاً على النظام والقانون..؟‏

الامام : ليقتل إذن باسم العدالة والقانون ولا لمجرد أنك ترى ذلك يا ابن الوليد. أتسمع؟‏

خالد : لماذا تنكر حقي في أن اكتشف الطريق بنفسي وفي أن أحكم على ما أرى؟ إنني أنا الذي أعيش شئوني ومن حقي أن أقول كلمتي..‏

الامام : لتفعل ذلك.. ولكن.. لتتحمل مسؤلية مدى ما يكون في رأيك من صواب أو خطأ..‏

(اظـــلام تــام)

............................. يتبع
صورة سماح يحيى