فرسان الله والأرض ... أو ... ســـيف اللـــه







فرسان الله والأرض
أو
ســـيف اللـــه

دراما تاريخية
محمد أبو العلا السلاموني
ـ المشهد الثاني غــزوة الفــتح

(( دار من ديار مكة‏
الباب إلى اليمين ـ في الصدر عدة نوافذ تبدو منها الكعبة وحولها ديار مكة موسيقى تكبيرة العيد مختلطة بخطوات وصليل سيوف)).‏
***‏

الجوقة : وتاقت القلوب نحو مكة العظيمه..‏

كم تاقت القلوب..‏

وهفهفت إلى ديارها القديمه ..‏

إلى الشعاب والدروب‏

فمنذ كم من السنين هاجر المهاجرون..‏

وأخرج المطاردون ..‏

مضت سنون كالقرون..‏

والكل في أتون ..‏

فيالغربة الحياة والقلوب والعيون..‏

ويا دروبا أجدبت قبل الأوان..‏

ويا لنورها الذي خبا في ظلمة الأزمان..‏

فهل تضاء مثلما كانت تضاء ..‏

وتلتقي عيون الأصدقاء بالولاء والصفاء؟...‏

وهل يعود ذلك المسافر البعيد..‏

وهل يعود طائر المساء من جديد..‏

وينشر القمر..‏

ضياءه على الدروب والديار المقفره..‏

ويسقط المطر..‏

من بعد رحلة الهجير والمصير والخطر..‏

(يدخل خالد وخلفه عكرمة بين حارسين خالد يشير إلى الحارسين فيخرجان)‏

خالد : وما الذي تريده تماماً..؟‏

الامام : أن تعترف بأنك أخطأت..‏

خالد : أهذه عدالة ابن الخطاب..؟‏

الامام أجل..‏

خالد : إنها عدالة البيع والشراء..وأنا لست بسلعة..‏

الامام : العدالة هي العدالة يا أبن الوليد ..‏

خالد : وأنا أرفض‏

(اظلام تام ـ خطوات خيل وصليل سيوف)‏

***‏

خالد : (يتجه إلى النافذة ويصمت لحظة) وبعد يا عكرمة ..؟ أما آن لنا أن يفهم أحدنا الآخر..؟ (يلتفت إليه) أما ترد..؟‏

عكرمة : (بشراسة) ماذا تريد بحق الجحيم.. لم لا تقتلني كما تقتل الآخرين..‏

يا للعنة .. أقسم لو أن بيدي أن أقتلك لقتلتك..‏

خالد : (يضغط على سيفه مغيظاً) خذ يا أبن أبي جهل.. كف عن الجعجعة وأفعل ..‏

عكرمة : لا ..برغبتي أنا .. تباً لك ولسيفك.. ماذا تظن..؟ هل تأسرني بمعاملتك هذه..؟‏

خالد : أنت أسيري..‏

عكرمة : أريد أن أعرف يا أبن الوليد..؟ ماذا فعلت منذ أن تبعت محمدا حتى الآن؟‏

مجرد مقاتل مرتزق يعمل لحساب الآخرين.‏

خالد : لا تريد أن تفهم أبدا يا عكرمة..‏

عكرمة : ماذا أفهم يا أبن الوليد.. أي شروط تريد أن تمليها علي لأرضخ لك يا فاتح مكة... ها أنا ذا بين يديك..‏

خالد : (قانطاً) أسمعني يا عكرمة.. يجب أن لا نلتقي بعد الآن..‏

عكرمة : ساخراً يا للسماء المقدسة.. هل هو عفو يا أمير الجيش الفاتح (يجثو في حركة مسرحية) دعني أقبل قدميك يا واهبي الحياة.‏

خالد : (صارخاً) عكرمة.. أخرج..‏

عكرمة : (ناهضاً في جد) سأخرج يا خالد... لن أمكث لحظة في مكة.. فماذا بقي لي يا صاحبي.. مكة التي كنت آمل الدفاع عنها.. إذا بها تسقط تحت قدميك.. ماذا تبقى لي أذن..؟‏

خالد : (يقترب منه) لماذا أنت وحدك يا عكرمة.. مكة كلها أسلمت وأنت الوحيد الذي تأبى مع نفر قليل من أتباعك.. لطالما تعنت أن ألقاك يا عكرمة.. ظننتك حين دخلت مكة ستحضنني ..فإذا بك من دون الجميع ترفع سيفك في وجهي.. أنا من دون الجميع يا عكرمة...‏

عكرمة : يا للحماقة.. أهذا ما كنت تنتظره مني..؟ أقسم لو كنت قد تمكنت منك لمثلت بجثتك أبشع تمثيل.. تأتى مكة التي كنت أحتفظ بها لنفسي وتنتزعها مني ثم تريد أن استقبلك.. تباً لك..‏

خالد : لم أنتزع منك مكة يا عكرمة.. مكة دارنا جميعاً..‏

عكرمة : لم تعد داري يا خالد.. لم يعد لي فيها شيء.. ولست في حاجة لأن أبقى تحت رايتكم.. كما أن مكة ما كانت بموطن لأحد منا إنما هي الصحراء هي دارنا وما أ ظنك نسيتها.. فإذا ما أستهوتك الصحراء يوماً فستجدني في انتظارك.. ولن أرفع عليك سيفاً ولن أحمل لك حقداً.. فالصحراء كفيلة بأن تسحق كل ما بيننا من جفاء.. ( يسمع صليل سيوف) لي رجاء كف يدك عن هؤلاء الذي يقاتلهم أتباعك..‏

خالد : أنهم يستحقون القتل..‏

عكرمة : أتنتقم..؟‏

خالد : لقد دخل المسلمون مكة من جميع مداخلها فلم يحدث قتال إلا في الجانب الذي دخلته أنا ..‏

عكرمة : وإذن..‏

خالد : كانوا يتحدونني..‏

عكرمة : أنا الذي قدتهم..‏

خالد : ليكن هذا جزاؤهم..‏

عكرمة : إذن لماذا لا تقتلني أيضاً..‏

(يدخل رجل بصحبة حارس)‏

الحارس : رسول من عند النبي يا أمير..‏

الرسول : النبي يأمرك أن تكف عن القتال يا خالد..‏

خالد : أنا أنفذ أوامر النبي..‏

الرسول : ولكن النبي نهى عن القتال..‏

خالد : لقد أخبرني رجل من عنده أن أقتل كفار قريش..‏

الرسول : لم يصدر الني أمراً بذلك..‏

خالد : كيف..؟‏

الرسول : لقد جئتك من عند النبي لتكف عن القتال..‏

خالد : حسناً.. (للحارس) مرهم أن يكفوا عن القتال..( يخرجان) هذا الرجل المجنون..‏

عكرمة : ما بك يا خالد..‏

خالد : لا شيء.. أذهب ودعني الآن يا عكرمة..‏

عكرمة : (بنبرة خاصة) هل أنت نادم يا صاحبي..‏

خالد : نادم..؟‏

عكرمة : قيل لي أنه إذا أخطأ أحد من أتباع محمد فإنه يشعر بالندم كما ينزل به العقاب..‏

خالد : وهل أخطأت يا عكرمة..؟‏

عكرمة : يا للهراء .. لماذا تتكلم بخوف هكذا..؟‏

خالد : ومما أخاف..؟‏

عكرمة : أن تحمل في رقبتك دم من أمرت بقتلهم..‏

خالد : ليس خطأي..‏

عكرمة : لقد قلت لي أنهم يستحقون القتل..‏

خالد : فعلت ذلك بناء على الأوامر التي حملها إلي ذلك الرجل..‏

عكرمة : لماذا أذن لم تقتلني وقد كنت على رأسهم..‏

خالد : أكنت تريد أن أقتلك يا عكرمة..‏

عكرمة : هذا هو قانونكم.. أليست تلك هي العدالة التي تتحدثون بها..؟‏

خالد : (محتداً) وماذا تعرف أنت عن العدالة والقانون حتى تتكلم عنهما..‏

عكرمة : لا تحتد هكذا يا صحابي.. إنما أنا أردد ما تقولون .. نحن في الجاهلية لا تؤرقنا مثل هذه القضايا.. فالحياة هراء..‏

خالد : ألا تود أن تحيا حياة نقية من الهراء يا عكرمة..‏

عكرمة : لا جدوى يا صاحبي .. العبث هو مبدأ هذه الحياة.. فلنحيها كما هي ودعك من النظام والعدالة والقانون.. فلنحيا الحياة بخبطها وعبثها ولتكن إعصاراً من الأعاصير.. ولتكن البشاعة مع البشاعة.. تلك هي الحياة التي نحبها.. الحياة المجنونة ..أتفهم يا خالد..؟ لندع الحياة تمضي بجنونها ولنمض معها.. فلا مناص من ذلك.. لأنها هي نحن.. الحياة هي الإنسان.. هي أنا.. أتفهم يا ابن الوليد..الإنسان منا يساوي الحياة والكون والعالم.. أنا كل شيء.. أنا الوجود برمته.. أنا كل ما كان ويمكن أن يكون .. (بجنون) أنا الكل.. أتسمع يا ابن الوليد.. أنا الكل.. و الكل باطل.. أنا عكرمة بن أبي جهل..اللعين الملعون.. أنا الشيطان والظلام والعدم.. أنا الوثن الحقير الذي يعبد نفسه وفي أحشائه ترقد البشاعة والرمم.. أنا..‏

(ينفعل ويختنق بالانفعال والبكاء الهستيري فيرتمي على خالد)‏

خالد : (بين ذراعيه) عكرمة يا ابن عمي.. كفى .. يجب أن ترى النبي.. يجب أن تجلس بين يديه.. يا إلهي .. لا يمكن أن يمزق الإنسان نفسه هكذا دون أن يعرف الحقيقة.. ثمة معركة يجب أن يحدد موقعها.. ولا يمكن أن نظل نقاتل في ظلام وإلا طعنا أنفسنا...‏

(يظلم المكان ويظهر الإمام صامتا في المشهد الذهني)‏

يا رفيقي: إن كانت لرؤية قد اتضحت بك.. فأعطني عينيك لأرى بهما .. أعطني إياهما ولا تدّني..‏

(يظلم المكان تماماً)

............................. يتبع
صورة سماح يحيى