فرسان الله والأرض ... أو ... ســـيف اللـــه







فرسان الله والأرض
أو
ســـيف اللـــه

دراما تاريخية
محمد أبو العلا السلاموني
( الجـــزء الـــثاني ):ـ المشهد الأول غــزوة مــؤتة..

الوقت : الضحى.‏
سهل صغير أشجار نخيل وزيتون‏
راية المسلمين وسط المكان)‏
***‏

الجوقة : يا ابن الوليد يا مجيد..‏

نراك اليوم قد بدأت في مسيرك الجديد..‏

بالأمس كنت تطحن الخواء..‏

وتسحق الأحزان والأنواء..‏

واليوم تبدأ البناء..‏

لأجل رفعة الحياة والنماء..‏

ألا ترون يا رفاق..‏

ابن الوليد بين جند المسلمين..‏

أنضم لا يبغى للقياد أو ريادة الطعان‏

وإنما مضى كأي جندي صغير..‏

فما أراد غير أن يزود عن ضياء قلبه الوليد..‏

ويفتدى سلام روحه الذي يريد..‏

فيا لـه من موقف مجيد..‏

لفارس عتيد..‏

(أصوات حرب)‏

ولقيت هنا جموع الروم جيش المسلمين..‏

تلاحم الجميع في عراك لا يلين..‏

فيا لجيش المسلمين..‏

ويا لطائر صغير بين أنياب النسور..‏

ويا لـه من طائر مناضل جسور..‏

تفرقت أشلاؤه ودمه يفور..‏

جراحه تواجه القدر..‏

النصر للصمود..‏

والموت قمة الظفر..‏

هل تعلمون يا رفاق ما الذي حدث..؟‏

قد مات قائد الرجال..‏

ومات قائد وقائد كبير.‏

وأصبح الجنود دون قائد قدير..‏

فيا لحسرة على جيش بلا أمير..‏

في ذلك اليوم العسير..‏

(يدخل بعض جنود المسلمين ومن بينهم‏

خالد وقد بدا عليهم الإرهاق الشديد)‏

رجل : مات القواد الثلاثة..‏

رجل : لنصطلح على قائد منا..‏

رجل : أقترح أن يكون القائد هو ثابت بن أقدم..‏

رجل : نعم.. لقد شهد بدراً..‏

رجل : خذ اللواء يا ثابت..‏

الجميع : خذه يا ثابت.. (يحملون إليه لواء القيادة)‏

ثابت : (يتقدم) لا يا رجال..‏

رجل : أترفض يا ثابت..‏

ثابت : لقد نسيتم من هو أولى بالقيادة مني.. إنه خالد بن الوليد..‏

الجميع : خالد بن الوليد..‏

ثابت : أجل يا رجال.. خالد بن الوليد هو الأحق..‏

رجل : أجل.. إنه هو..‏

رجل : أصبت يا ثابت..‏

رجل : بالله.. كيف نسينا فارس فرسان العرب..‏

رجل : هو لها بحق الإسلام..‏

ثابت : أقدم يا خالد وخذ اللواء.. (يتقدم ليسلمه اللواء).‏

خالد : (برفق) لا يا ثابت..‏

ثابت : ولم لا يا ابن الوليد..‏

خالد : أنت أحق مني يا ثابت.. لك سن وقد شهدت بدراً.‏

ثابت : خذ يا رجل.. فوالله ما أخذت اللواء إلا لك.. أنت أعلم بالقتال مني (يسلمه اللواء) هيا يا رجال.. أعدوا أنفسكم فسيقودكم خالد..‏

(يخرجون ما عدا خالد وثابت)‏

ثابت : (يربت على كتف خالد) يا بن الوليد.. نحن في محنة ولا يخفى عليك ولذا فأنا أعلم أنك ستحمل عبئاً ثقيلاً.. جيش ضئيل العدد والعدة.. نالت منه الحرب أكثر مما يحتمل.. كما أنك تعلم أننا لا نساوم في عقيدتنا.. فهذه الحرب التي نخوضها الآن ندرك تماماً ما ستسفر عنه.. لا أمل لنا في النصر على الروم.. وعزاؤنا الوحيد هو ذلك الحق الذي يسكن أفئدتنا ويشرق بالنور في وجوهنا رغم الظلمة والجلاد.‏

خالد... هؤلاء الناس الذين تقودهم قد جاؤا طوع إرادتهم يحملون السيف من أجل الحقيقة... وكل منهم يعلم أنه يحارب في معركة يرقد فيها معنى حياته ومصيره فانظر ماذا ترى...‏

(يشد على يده و يخرجان)‏

الجوقة : يا أبن الوليد يا مجيد..‏

لانت اليوم قائد الرجال..‏

وحامل الأثقال..‏

لفيلق تثخنه الجراح‏

محطم العتاد والسلاح..‏

وحوله كواسر الوحوش والذئاب..‏

تضج بالدمار واليباب..‏

أتعرفون يا صحاب ما الذي جرى لابن الوليد..‏

خاض القتال كل يومه الطويل..‏

وذاب في جحيم الموت والصهيل والصليل..‏

واندق في يمينه تسع من السيوف..‏

فياله من ساعد عنيف..‏

وفي المساء عاد قائد الفرسان..‏

مدمدم الجنان ..‏

فيم يفكر فارس الفرسان..‏

(تخفت الإضاءة علامة المساء ثم يدخل خالد يتبعه ثابت)‏

ثابت : ماذا رأيت يا خالد..‏

خالد : (بعد صمت) ثابت.. يجب أن أنقذ الجيش..‏

ثابت : فيم تفكر..؟‏

خالد : (مبتعداً) سأنسحب به..‏

ثابت : (باستنكار) تنسحب..؟‏

خالد : نعم يا ثابت..‏

ثابت بئس تفكيرك يا ابن الوليد.. بعد كل هذه التضحيات..؟‏

خالد : ثابت .. يجب أن تفهمني .. إن رجالنا يموتون..‏

ثابت : اعْلم ذلك.. ولقد دخلنا المعركة منذ البدء وكلنا يعلم هذا.‏

خالد : أنا أيضاً دخلت المعركة واعْلم هذا يا ثابت .. ولكن ..‏

ثابت : ولكن ماذا يا خالد..؟‏

خالد : لو لم أكن أمير الجيش لما فكرت في الانسحاب مثلك..‏

ثابت : وإذن..‏

خالد : مادمتم قد اصطلحتم على أن أتولى القيادة.. فمن واجبي أن أعمل بقدر ما أتحمل من مسؤولية..‏

ثابت : وما يدريك أنك تستطيع الانسحاب يا خالد.. أن الروم يحيطون بنا ولا مفر وأنا لا أريد أن أموت وظهري لهم .. هل تفهم هذا يا خالد..‏

خالد : أفهمه يا ثابت .. ثق أنني سأضمن سلامة الانسحاب..‏

ثابت : ليكن شأنك يا خالد ... فأنت أمير الجيش..‏

(يخرج ثابت وعندئذ يظلم المكان تماماً بينما تسلط الإضاءة حول خالد والأمام في مشهد ذهني مرتبط بالمشهد التمهيدي في بداية المسرحية)‏

الامام : وهكذا انتزعت النصر من قمة الهزيمة يا ابن الوليد..‏

خالد : ماذا؟‏

الامام : أن يوم مؤتة هذا ليوم مشهود..‏

خالد : تعني أحد...؟‏

الامام : أقول مؤتة يا أبن الوليد..‏

خالد : ألن يكف ابن الخطاب عن وساوسه.؟‏

الامام : هل تخبرني كيف انتصرت في أحد رغم الهزيمة يا خالد..؟‏

خالد : ماذا تعني..؟‏

الامام : لماذا انسحبت في مؤتة..؟‏

خالد : لم أشأ أن أفني الجيش معي..‏

الامام : ولكنك لم تفن في أحد.. لقد انتصرت..‏

خالد : لا تقارن هذه بتلك..‏

الامام : ألم يكن باستطاعتك الانتصار في مؤتة؟‏

خالد : كان ذلك مستحيلاً..‏

الامام : وأيضاً كان نصرك في أحد مستحيلا..‏

خالد : كان ذلك ضرباً من المقامرة..‏

الامام : ولماذا لم تفعل في مؤتة..؟‏

خالد : هل أقامر بالعقيدة..؟‏

الامام : ليست مقامرة ... فلن يكون في الأمر ثمة خسارة.. فأما النصر أو الشهادة وكلاهما مكسب.‏

خالد : لماذا تضع القضية على هذا النحو الغريب..؟‏

الامام : ألم نتفق على أن يكون لكل شيء معنى يا أبن الوليد..؟‏

خالد : ألم يكن لانسحابي معنى..؟‏

الامام : معناه أنك خسرت النصر...‏

خالد : بل أنقدت الجيش ..‏

الإمام : أنت الذي ترى ذلك ... وليست تلك هي الحقيقة..‏

خالد : الحقيقة..؟‏

الامام : نعم يا خالد ... الحقيقة...من قبل لم تكن لدينا حقيقة قط... أما ا لآن .. فالحقيقة هي سندنا لإقرار العدالة على الأرض..وإلا فلا معنى لانتصارك أو هزيمتك...‏

خالد : وما الذي تريده تماماً..؟‏

الامام : أن تعترف بأنك أخطأت..‏

خالد : أهذه عدالة ابن الخطاب..؟‏

الامام : أجل ..‏

خالد : إنها عدالة البيع والشراء.. وأنا لست بسلعة..‏

الامام العدالة هي العدالة يا ابن الوليد‏

خالد وأنا أرفض..‏

(اظلام تام ـ خطوات خيل وصليل سيوف)

............................. يتبع
صورة سماح يحيى