فرسان الله والأرض ... أو ... ســـيف اللـــه







فرسان الله والأرض
أو
ســـيف اللـــه

دراما تاريخية
محمد أبو العلا السلاموني
ـ المشهد الخامس
مكان ناء خارج مكة‏
(( أطلال قديمة لدار خاوية وبئر مهجور وجزع نخلة عتيقة.‏
خالد نائم في الظل وقد بدا عليه الأسى العميق، جواده بجانبه يقف ساكناً)).‏
***‏

الجوقة : يا ابن الوليد يا مجيد‏

يا أيها الصنديد‏

يا درة الفرسان والفتيان‏

ماذا أصابك الغداة‏

من هجرة الصحاب‏

وهمت في الوهاد والهضاب‏

ترى أين المسير..؟‏

لا دار لك‏

ولا وطن‏

سوى مغارات الشجن‏

لأنت دائماً غريب‏

فيا لها من غربة تزلزل الشروق والغروب‏

وتوقف الأفلاك عن مسيرها الدؤوب‏

إلى متى ينوء قلبك الغريب‏

فتنعم بالهدوء والسلام والسكينه‏

وتمَّحى جراحك الثخينه‏

يا ابن الوليد يا شريد‏

كفاك أيها العنيد‏

ارجع لمكة واطرح الآلام‏

فلا كسرى ولا هرقل يملكان لك السلام‏

لا دار غير دارها‏

لا غوث غير غوثها‏

يا ابن العرب‏

كيف المسير في ظلام فجره لا يقترب‏

أين الهرب..؟‏

كيف الحياة وأنت تنزف الحياه‏

فيا لضيعة الإنسان‏

ويا لغربة الإنسان..‏

(يدخل الوليد وقد بدا عليه كأنما يبحث عن شيء يرى الجواد فيربت عليه ثم يجثو إلى جانب خالد في حنو ظاهر ويهمس لـه محاولاً إيقاظه).‏

الوليد : خالد.. أخي.. (يفزع خالد فجأة ويقفز منتصباً وقد شهر سيفه)‏

خالد : من..؟‏

الوليد : أنا يا خالد..‏

خالد : الوليد..؟‏

الوليد : أجل.. أما زلت تفزع في نومك يا أخي..؟‏

خالد : أفزع..؟‏

الوليد : (يتأمل الأطلال) بالله.. هل تذكر يا خالد أيام كنت تلتقى بليلى هاهنا هل تذكر حبك القديم..؟ هل تحرك قلبك يا أخي فأتيت إلى هنا لتجتر أحزان الحب الغابر..؟‏

خالد : ماذا..؟ (يتأمله فجأة متحرشاً) ماذا أتى بك إلى هنا..؟‏

الوليد : لماذا تركت أنت مكة يا أخي..؟‏

خالد : مكة..؟ أكنت هناك..؟‏

الوليد : جئنا للعمرة حسب صلح الحديبية.. وبحثت عنك فقيل لي إنك هجرت مكة وهمت على وجهك في الصحراء وبحثت عنك في أماكنك المعتادة إلى أن وجدتك هنا عند أطلالك القديمة.. فتيان مكة أيضاً يبحثون عنك.‏

خالد : (وقد أدار ظهره في جفاء) وماذا تريد يا وليد..؟‏

الوليد : (يقترب منه) بعثني النبي إليك..‏

خالد : محمد..؟‏

الوليد : كان قد علم بما آل إليه أمرك.. وأحزنه أن تكون على هذه الحال..‏

خالد : اذهب ودعني يا وليد..‏

الوليد : لا يا خالد.. لا.. إننا محزونون من أجلك حقاً.. ما من أحد منا إلا ويدعو الله أن يهديك إلى الحقيقة.‏

خالد : (بحده) ولماذا لا يهديني الله إلى الحقيقة يا وليد..؟‏

للوليد : لأنك لا تريد ذلك..؟‏

خالد : أقنعني إذن..؟‏

الوليد : أعماقك تستطيع أن نقنعك يا خالد.. اخرج من دوارك ومزق عذابك وتعال معي.. إنني أمد لك يدي.. خطوة واحدة من العزم المجيد وستهزم بها عذاب الماضي وظلمة الجاهلية العقيمة..‏

خالد.. انظر إلينا.. إننا بشر.. ومحمد بشر.. إنسان مثلي ومثلك... عاش بين ظهرانينا وأكل مما نأكل وشرب مما نشرب.. وقاسى مثلما قاسينا.. ولكنه أبى أن يتمزق الإنسان فينا.. أبى إلا أن يكون الإنسان جديراً بالحق والخلود رفض هزائم الإنسان ووضع في يده السيف الحقيقي ليواجه معضلة الوجود.. الحياة تحتاج منا إلى جهد عظيم لنعيد بناءها على الحق والحقيقة.. ونسحق ما فيها من فوضى وعبث.. خالد يا أخي العظيم.. لقد حاربتنا في أحد وانتصرت.. ولكنا كنا نرى الأسى في عينيك.. وأيضاً أفزعتنا يوم الخندق.. إلا أن الفزع الذي كان في قلبك يربو على فزعنا أضعافاً بقدر نجوم السماء.. رعبك مدمر.. أما رعبنا فخفقة قلب تهفو إلى الأمن والسلام.. أنت تصنع مجد الإنسان الضائع.. أما نحن فتتغنى بخلود الإنسان.. خالد.. أتسمعني..؟‏

خالد : (وقد اهتز) أسمعك يا وليد..‏

الوليد : نحن نعيش حياة صعبة يا خالد.. نناضل فيها نضالاً رهيباً.. ونفني في نضالنا كل ما نملك.. وأخيراً نموت.. نموت يا خالد.. نهاية تحكم على كل شيء بالخواء والعدم.. كفاحنا وجهدنا بلا ثمن.. مجد عظيم لا قيمة له.. هل ثمة عذاب أنكى من هذا..؟ من المحال أن نظل بلا ثمن.. أن يظل الإنسان يمارس بطولة لا جدوى منها.. ذلك هو البحران الذي عشناه في الجاهلية.. أبطال بلا معنى..‏

خالد : أبطال بلا معنى..؟‏

الوليد : أجل يا خالد.. ذلك ما كان يسحقنا حقاً.‏

خالد : والآن يا وليد..‏

الوليد : والآن جاء محمد. فتح لنا الطريق إلى معنى الحياة وعلينا أن نمضي..‏

خالد : كيف يا وليد..؟ ألن نتيه في ظلمة الصحراء..؟‏

الوليد : لن نتيه يا خالد..‏

خالد : ألن نطعن من الخلف أو نؤخذ على غرة..؟‏

الوليد : مطلقاً يا خالد‏

خالد : ألن يغرر بنا في معركة لا طائل من ورائها..؟‏

الوليد : أبداً يا خالد..‏

خالد : وهل ستموت جاهلية الصحراء في قلوبنا يا وليد..‏

الوليد : ستموت إذا آمنا بشرف الإنسان يا خالد..‏

خالد : إني أومن بشرف الإنسان يا وليد..‏

الوليد : إذن فقد آمنت بمحمد يا خالد..‏

خالد : إني أومن به يا وليد..‏

الوليد : (يحتضنه بعنف) بوركت يا أشرف الفرسان..‏

خالد : (من بين دموعه) ألا فزع يا وليد..؟‏

الوليد : (ووجه خالد بين يديه) لأنت قمة الإنسان الحق يا أخي..‏

خالد : ألا خواء يا وليد..؟‏

الوليد : لأنت جهد الإنسان الخصب يا خالد..‏

خالد : (وقد خنقه الانفعال) يا إلهي.. (يخر جاثياً) لكم أود أن أموت تلك اللحظة البهيجة يا وليد.‏

الوليد : لا موت يا خالد.. لا موت.. الإنسان الحق لا يموت.. الإنسان الحق يهزم الموت والخواء والظلمة.. يصنع العالم من جديد. أتسمع يا خالد.. العالم يحتاج لجهدنا المتأزر لنبنيه من جديد.. لنسحق ما فيه من جاهلية وعبث.. ونقيم مجد الإنسان على الأرض.. ولسوف يزدهر العالم ويورق وتثمر الحياة.. خالد يا أخي العظيم.. لسوف يهز إيمانك أرجاء مكة وصحراء العرب وقريباً سيعرف العالم من يكون خالد بن الوليد..‏

(يخرج الوليد بينما خالد يكون قد استرخى ثم نام في هدوء)‏

الجوقة : اليوم يا صحاب عيد..‏

اليوم يوم ابن الوليد..‏

اليوم حطمت يداه بؤرة الدوار..‏

وزلزل الحصار..‏

وفجر العذاب والجراح والشجن..‏

ومزق الوثن..‏

وصارع الأنواء والمحن..‏

وحقق الظفر..‏

ألا ترون يا رفاق..‏

ألا ترون كيف لف وجهه الصفاء..‏

وقام مثل طفل أغفلته نسمة المساء..‏

ألا ترونه نما في قلبه النبت الجديد..‏

وفوق رأسه إكليل غاره المجيد‏

يا ابن الوليد يا مجيد‏

لتغف عيناك على المساء في هدوء‏

فلن تنوء بالأثقال بعد اليوم لن تنوء‏

(يدخل عكرمة باحثاً عن خالد)‏

عكرمة : (شزرا) أنت هنا إذن يا ابن الوليد.. أخيراً استطاعت أطلال ليلى أن تغزو قلبك اليابس أيها الجاهلي العتيق.. يا للعنة.. خالد.. استيقظ ثكلتك أمك.‏

خالد : (يستيقظ في هدوء جداً) عكرمة..؟‏

عكرمة : تنام ملء جفونك ومكة كلها تبحث عنك..؟‏

خالد : مكة..؟ ما حال مكة الآن يا عكرمة..؟‏

عكرمة : مكة في جحيم يا ابن الوليد..‏

خالد : في جحيم..‏

عكرمة : ماذا تظن إذن..؟ ما دمت أنت وأمثالك يهيمون في الصحراء كالمرضى... ماذا يبقى لمكة إذن..؟ (يجثو إليه فجأة) أريد أن أعرف.. أريد أن أعرف يا ابن الوليد..‏

خالد : ماذا يا عكرمة؟‏

عكرمة : إذا لم تكن مع مكة أو محمد.. فمع من إذن..؟‏

خالد : إني مع محمد يا عكرمة..‏

عكرمة : (منتصباً وقد فوجئ) ويحك..؟ مع محمد..؟‏

خالد : نعم..‏

عكرمة : يا للحمق.. كيف.. كيف يا ابن الوليد..؟‏

خالد : (ينهض إليه) وأنت يا عكرمة.. ألا تفكر في ذلك..؟‏

عكرمة : (مبتعداً باستنكار) خسئت يا خالد..‏

خالد : ألا تريد أن تسمعني يا عكرمة..؟‏

عكرمة : يا للعنة.. تريد أن تخدعني كما خدعت نفسك..‏

خالد : لا خداع يا عكرمة.‏

عكرمة : وماذا إذن يا ابن الوليد.. اجعلني أومن إذا كنت صادقاً..‏

خالد : لا أستطيع أن أهبك شيئاً يا عكرمة.. ولكن بوسعك أن تفعل ذلك بنفسك..‏

عكرمة : وهل استطعت أنت ذلك..؟‏

خالد : لم أبدأ الرحلة بعد يا عكرمة..‏

عكرمة : أي رحلة..‏

خالد : إلى يثرب..‏

عكرمة : هجرة عقيمة يا ابن الوليد..‏

خالد : ستكون هجرة شاقة يا صاحبي..‏

عكرمة : والنهاية لا جدوى يا ابن الوليد.. لا جدوى.‏

خالد : لقد خاض الرحلة عمر والوليد وكثير من الرفاق وسأخوضها مثلهم..‏

عكرمة : إنهم لن يساعدوك.. لأن كلاً منهم يخدع نفسه ويعتقد أن غيره على صواب.‏

خالد : سأنظر في عيونهم يا عكرمة.. سأتلمس قلوبهم.. سأتحقق منهم وهم يصلون ويحاربون ويموتون.. وأعرف إن كان ثمة فزع في وجوههم.. وسأجلس بين يدي محمد.. واستشف الحقيقة من قلبه ولسانه.. عكرمة يا ابن عمي.. بودي لو شاركتني الرحيل.‏

عكرمة : لقد جننت..‏

خالد : سنبحث عن الحقيقة معاً..‏

عكرمة : امتلأ رأسك بالأوهام يا ابن الوليد..‏

خالد : لا يا عكرمة.. إنما هي أشياء تموج في قلوبنا.. أشياء تستحق أن نموت من أجل التحقق منها.. عكرمة يا ابن عمي.. لنبدأ البحث.. لنحاول ذلك فلن نخسر شيئاً..‏

عكرمة : سنخسر شرفنا يا خالد.. فإذا يبقى لدينا إذا انتهينا إلى لا شيء..‏

خالد : يا ابن عمي.. لن نقاوم الخراب لأنه خراب.. بل سنقاومه لأن ثمة نماء وراء الخراب..‏

عكرمة : وما يدريك يا ابن الوليد..؟‏

خالد : أشعر بذلك..‏

عكرمة : هراء.. الخراب وراء الخراب.. لماذا تبحث عن شيء لا وجود له.. لقد علمتنا الصحراء ألا حقيقة هناك.. فعم تبحث إذن..؟ هل أصبحت ممن يتقبلون السلوى والعزاء يا ابن الوليد..‏

خالد : ولكنا لم نحاول بعد يا عكرمة..‏

عكرمة : ما أكثر من حاولوا ولم يواجهوا سوى الإحباط..‏

خالد : سنحطم الإحباط يا عكرمة..‏

عكرمة : أنت واهم..‏

خالد : لا يا عكرمة.. يجب أن نخرج من دائرة الإحباط.. إن محمداً قد فتح لنا ثغرة يجب أن ننفذ منها.. تلك هي رحلتنا المقدسة، من قبل كنا نطرق الطريق الموصد بالصخر.. واليوم علينا أن نطرق الطريق الذي فتحه محمد.‏

عكرمة : إلى ما لا نهاية يا ابن الوليد.. إلى متاهة أخرى نبدد فيها جهدنا..‏

خالد : لن يكون أقسى من الطريق الموصد يا عكرمة..‏

عكرمة : يا للعنة.. من كان يظن.. من كان يظن أن ابن الوليد قائد فرسان العرب يفكر في الطريق السهل.. أي شيطان لعين قلب عقلك يا ابن الوليد..؟‏

خالد : ما أظنه سهلاً يا عكرمة.. إنه ساحة جديدة من الجهد المجيد ساحة مقدسة لجهدنا المتآزر يا ابن عمي.‏

عكرمة : حسناً يا خالد.. افعل ما يعن لك.. اجلس هنا لتشبعك أطلال الحب بالذكرى والآمال الرائعة.. واذهب إلى يثرب وابحث عن الحق والخير والجمال في صحراء آثمة.. بدد جهدك وفتوتك في الأوهام.. أما أنا.. فسأظل في مكة.. سأعبد الأوثان والخراب والعدم.. وسأقاتل عن مكة حتى آخر قطرات دمي.. اذهب يا خالد.. إذهب.. ولكن مكة لن تذهب معك.. ستظل معي أنا.. (يخرج).‏

خالد : عكرمة.. انتظر يا ابن عمي.. انتظر..‏

(يبدو كالمترنح يقترب من جواده كأنما يستنجد به. تدخل الجوقة)‏

الجوقة : كفى يا ابن الوليد قد كفى‏

ما عدتما أخوا صفا‏

لا صيد لإلقاء لا اتفاق‏

لا شيء يا رفاق‏

لا شيء غير لوعة الشقاق والفراق‏

كلاكما وحيد‏

كلاكما مضى إلى طريقه البعيد‏

يا صحبة العذاب..‏

يا رفقة النبال والشراب‏

ما عادت العيون تلتقى‏

ولا القلوب تشتهي‏

فلا عزاء في لقاء‏

لربما النزال والطعان‏

فيالها حقيقة تشع بالدماء‏

وتهدم الوفاق والصفاء والإخاء‏

(يسمع صوت شبه استغاثة)‏

الصوت : خالد.. يا ابن الوليد..‏

خالد : (منتفضاً) من..؟ عمرو (يتجه إلى اليسار صائحاً) تعال يا ابن العاص (يدخل عمرو في حالة رثة).‏

عمرو : خالد.. أين أنت يا خالد.. (يرتمى عليه في إنهاك).‏

خالد : ما بك يا عمرو..؟‏

عمرو : سبعة أيام في الصحراء يا صاحبي‏

خالد : سبعة أيام..؟ لم يا ابن العاص..‏

عمرو : كنت أبحث عنك يا ابن الوليد‏

خالد : عني..؟‏

عمرو : وتهت في الصحراء دون أن أدري.. لأول مرة أتيه يا خالد.. آه يا صاحبي لكم كنت قاسياً.. تذهب وحدك وتدعنا في الغربة يا ابن الوليد..؟‏

خالد : استرح يا عمرو.. (يجلسه) أنت لم تأكل منذ زمن.. سأعد لك شيئاً.‏

عمرو : لا.. الآن شبعت يا خالد‏

خالد : شبعت.‏

عمرو : نعم.. حينما عثرت عليك‏

خالد : (يحضر لـه قربة ماء) اشرب يا عمرو‏

عمرو : (يشرب في شره) أنت ما زلت حيا إذن يا ابن الوليد‏

خالد : انتظر.. سأصيد لك شيئاً.‏

عمرو : (يتثبت به) لا يا خالد.. يكفيني أنك ما زلت حيا.. هذا ما كنت أرجوه من الآلهة.‏

خالد : (يتأمله) فيم تفكر يا عمرو..؟‏

عمرو : (في بؤس شديد) خالد.. اقتلني أو أقتل نفسي..‏

خالد : لم يا عمرو..؟‏

عمرو : ما عدت أحتمل.. ما عاد بمقدوري أن أستمر هكذا.. الإنسان ليس صخراً يا خالد.. ليس صخراً.. بل إن الصخر نفسه لا يحتمل ما يعانيه الإنسان.. أتصدق يا صاحبي إنني وقفت أمام أحد الآلهة وصرخت في وجهه صرخة اهتزت لها أرجاء المعبد.. وبعد لحظات كان الإله قد سقط حطاماً..؟‏

خالد : أجل يا عمرو.. الإنسان ليس صخراً..‏

عمرو : حينها يا خالد.. تحسست نفسي.. تلمست أطرافي.. واكتشفت أشياء عجيبة.. أتصدق يا خالد.. اكتشفت أنني لحم ودم.. وثمة خفقات هنا في صدري.. وأشياء تتطاحن هنا في رأسي ونظرت إلى الناس.. ولأول مرة اكتشفت أنهم بائسون وفي حاجة إلى الرثاء.. الخواء في عيونهم ولكنهم يتماسكون.. الأسى مرسوم على قسماتهم ولكنهم يستأسدون.. ولم أحتمل لم أحتمل يا خالد.. هذا فوق طاقة الإنسان..‏

خالد : نعم يا عمرو.. فوق طاقة الإنسان.‏

عمرو : ولكن.. لماذا يتماسكون.. لماذا يستأسدون..؟ ما جدوى باطل الأباطيل هذا إذا لم يكن هناك معنى لكل شيء.. (لحظة) ووجدتنى أسقط كما سقط الإله حطاماً.. فقدت تماسكي واستئسادي وتخليت عن شجاعتي وفتوتي.. طرحت كل أسلحتي وصرت في العراء.. والآن يا خالد.. إنني ذبيح ولم أمت بعد.. إما أن تقتلني أو أقتل نفسي.‏

خالد : أو لم تعرف ماذا قال محمد في ذلك يا عمرو؟‏

عمرو : (منفضاً) محمد..؟ ماذا قال في ذلك يا خالد..؟‏

خالد : أذكر أنك قلت لي أنه يقول إن الإنسان لم يخلق عبثاً.. أتذكر يا عمرو..؟‏

عمرو : أحقاً يا خالد.. أحقاً قلت ذلك..؟‏

خالد : نعم يا عمرو..‏

عمرو : وماذا أيضاً يا خالد.. ذكرني.. ماذا يقول محمد أيضاً..‏

خالد : أنا مثلك أود أن أعرف المزيد مما قاله محمد يا عمرو..‏

عمرو : كيف يا خالد.. لقد سمعت أتباعه يقولون كلاماً عجيباً وددت لو حفظته.. إما أن يكون هذا الكلام سحراً.. أو أنني مريض.. نعم.. إنني مريض بلا شك هكذا أكد لي عكرمة والرفاق..‏

خالد : لا يا عمرو.. إننا بصدد المخاض.. بصدد أن نولد من جديد..‏

عمرو : أي مخاض يا صاحبي.. إنني أموت والصحراء تخنقني بقسوة..‏

خالد : لن ندعها تخنقنا يا عمرو..‏

عمرو : كيف يا خالد..‏

خالد : سنرحل إلى يثرب..‏

عمرو : (بدهشة) يثرب.. أو أسلمت يا ابن الوليد..‏

خالد : أجل يا ابن العاص..‏

عمرو : (يضحك بهستيرية ثم يسقط بإعياء) يا إلهي.. يا إلهي.. كم هو رائع أن يكون أنت.. أنت أيها الجاهلي العتيق.. كم هو رائع أن تبحث عن كلمات محمد تلك الكلمات التي أردت أن تحطمها بسيفك العاتي..‏

خالد : ألا تريد أن تستمع إلى كلماته يا عمرو..؟‏

عمرو : (ينهض كالمتشبث) بلى يا ابن الوليد.. لكم أود لو أستمع إلى كلماته الساحرة كلمة كلمة.. حرفاً حَرفاً.. هيا يا خالد.. أريد أن أرى محمداً.. أريد أن أتلمس وجه الإنسان المشرق.. أريد أن أسمع حديثاً عذباً عن عالم مجيد يكلل جهد الإنسان بالغار والنور.. أريد أن أرى الصخر يذوب والصحراء تنبت والحياة تستحق الحياة.. وامحمداه.. وامحمداه.. لقد سئمت الصَّمَمَ وأريد أن أسمع سئمت الخواء.. وباطل الأباطيل حطم سأمي يا محمد.. أنزع الأطلال من صدري.. ولتسكن روحك بين جوانحي وتوقف الدوار في عقلي وليمكث حديثك العذب في رأسي يا آلهة الصخر الغاشة إليك عني واذهبي حيث جيفة الجثث والرمم.. نؤت بك سنين شبابي وفترة روحي.. حملتك والخواء في قلبي.. وأثقلت كاهلي ولا مبرر.. أيها الباطل الأكبر وداعاً.. وداعاً يا آلهة الصخر والعذاب إلى يثرب حيث كلمات النور والرواء.. حيث العيون ترتجى والقلوب تخفق.. وحيث لا متاهة أو دوار..‏

(يخرجان وقد توكأ كل منهما على الآخر-‏

تدخل الجوقة مليحة بسعف النخيل)‏

الجوقة : إلى مدينة النبي سار ركب الصاحبين‏

فيا لها من رحلة يضم ركبها هذين..‏

تساءلت صحراء مكة ما الذي دها الاثنين‏

ابن الوليد وابن العاص يا للضربتين..‏

ويا لها من حادثة..‏

تهز مكة بل تهز الرافدين‏

يا أشرف الفتيان والفرسان‏

عليكما السلام والأمان..‏

مبارك هذا الرحيل..‏

مبارك على مدى الأزمان..‏

لأنتما ركب الحياة في مسارها الجديد..‏

لأنتما النضال بعده النصر الوليد..‏

إلى مدينة النبي صاحبتكما الروح الأمين..‏

تباركت خطاكما بادرة المهاجرين..‏

(أثناء ذلك تليح الجوقة بسعف النخيل حيث خرج خالد وعمرو ويصحب ذلك ضربات دفوف هادئة وتخفت الإضاءة تدريجياً).‏

***‏

ســتار‏
    

............................. يتبع
صورة سماح يحيى