فرسان الله والأرض ... أو ... ســـيف اللـــه







فرسان الله والأرض
أو
ســـيف اللـــه

دراما تاريخية
محمد أبو العلا السلاموني
ـ المشهد الرابع الحـــــديـبية.

الوقت : الظهيرة.‏
منطقة جبلية بالقرب من مكة).‏

***‏

الجوقة : أتى محمد والمسلمون في سلام‏

يريدون الطواف بالبيت بالحرام‏

فيا ترى ماذا رأت قريش..؟‏

أعدت أعظم الفرسان..‏

وخيرة الرجال والفتيان..‏

وسار ركبهم يحطم الصخور..‏

على أكتافهم جلود الأسد والنمور..‏

يقودهم ذاك الفتى الجسور‏

وبعد فترة أشار ابن الوليد بالوقوف..‏

فها هنا قد أشرفت خيوله على طريق المسلمين..‏

ترجّل عن جواده ولم يشأ أن يصدر الهجوم..‏

وظل لحظة يلفه الوجوم..‏

وعاودته نوبة السقام والهموم..‏

(يدخل عمرو وعكرمة)‏

عكرمة : أرأيت ماذا يفعل..؟‏

عمرو : أين هو الآن..؟‏

عكرمة : هناك يستمتع بمشهد المسلمين وهم يصلون في سلام..‏

عمرو : ألم تحدثه..؟‏

عكرمة : كنت أحدث صخراً.. باللعنة.. كان يجلس فوق صخرة تطل على محمد وأتباعه.. وكنت أحدثه وهو ينظر إليّ بعينين ضائعتين.. أنا واثق في أنه لم يرني في تلك الساعة..‏

عمرو : هل كنت تريده أن يقتلهم وهم يصلون يا عكرمة.‏

عكرمة : أي حماقة.. منذ متى حلّت بكم الرحمة يا شياطين مكة..؟ هل لديكم معنى للقسوة والرحمة؟ ألم نتفق على أنه لا حقيقة ولا قانون..؟ ليس هناك سوى أن نفعل.. نفعل فحسب..‏

عمرو : وهذا ما نفعله يا عكرمة..‏

عكرمة : وخالد..؟ هل يفعل..؟‏

عمرو : لقد فعل يا عكرمة.. كف يده عنهم..‏

عكرمة : لماذا..؟‏

عمرو : لم أعرف أنك تبحث عن سبب لأي شيء.‏

عكرمة : ولكن خالداً أصبحت لديه أسباب يا عمرو..‏

عمرو : لا يا صاحبي.. ثق بأنه لا يملك سبباً لما يفعل..‏

عكرمة : إنها ليست الأولى يا ابن العاص.. ألم يحدث ذلك يوم حصار يثرب..؟‏

عمرو : لقد احتكمنا يومها كما تعلم..‏

عكرمة : ولكنها كانت رغبته أول الأمر..‏

عمرو : أنت تعلم أنه كان بمقدوره اقتحام الخندق..‏

عكرمة : ولم يفعل..‏

عمرو : نعم... كان ضرباً من العبث..‏

عكرمة : بل كان يعني شيئاً..‏

عمرو : يا لك من أحمق.. ترى ماذا كان يعني من انتصاره في أحد..؟ أليس لمجرد أن يثبت لك أن النصر والهزيمة لا يعنيان شيئاً..‏

عكرمة : ولكنه الآن أصبح يرى لهما معنى..‏

عمرو : أنت الذي ترى ذلك..‏

عكرمة : إذن.. سوف أرى..‏

عمرو : ماذا ستفعل..؟‏

عكرمة : سأفعل ما لا يعني له..‏

(يخرج عكرمة من جهة اليمين بينما يدخل خالد من اليسار مكتئباً)‏

عمرو : خالد..؟ هل جئت..؟‏

خالد : هل رأيتهم يصلون يا عمرو..؟‏

عمرو : نعم يا خالد..‏

خالد : لمن يصلون يا ابن العاص..؟‏

عمرو : لإلههم..‏

خالد : أين يا عمرو... أين هذا الإله..؟‏

عمرو : في قلوبهم يا خالد..‏

خالد : ولماذا ليس في قلوبنا يا عمرو..؟‏

عمرو : لأن قلوبنا قدت من صخر يا ابن الوليد..‏

خالد : ألهذا يصلون وهم مطمئنون..؟‏

عمرو : إلههم يحرسهم..‏

خالد : ولكني كنت سأقتلهم..‏

عمرو : ولكنك لم تفعل..‏

خالد : وإذن..؟‏

عمرو : وإذن فتلك إرادة إلههم..‏

خالد : (صارخاً فجأة) كيف.. كيف يا ابن العاص.. إنني أنا.. أنا الذي فعلت ذلك..‏

عمرو : لا.. لاتثر يا خالد.. إنهم هم الذين يعتقدون ذلك..‏

خالد : هل هم مجانين يا عمرو..؟‏

عمرو : لا.. ولكنهم يبحثون عن معنى لكل شيء..‏

خالد : ومعنى أني لم أقتلهم أن إلههم يحرسهم..‏

عمرو : أجل.‏

خالد : وإذا كنت قد قتلتهم..‏

عمرو : أيضاً تكون تلك إرادة ربهم.. تماماً كما هزمتهم في أحد.. أتراهم فقدوا إيمانهم بعدها..؟‏

خالد : هذا ما يحيرني يا ابن العاص.. إذا كان إلههم لا يفعل لهم إلا ما هم يفعلون.. لماذا إذن يؤمنون به..؟‏

عمرو : لأنهم بهذا يخرجون من المتاهة يا خالد.. نحن لا نجد معنى لما نفعل.. ولذلك نعبث.. أما هم فيجدّون.. نحن لا نثق بحقيقة ما ولكنهم يثقون هكذا يجدون المنفذ الذي نفتقده.. وهكذا يخرجون من التيه ويواجهون العالم وكل شيء آمنين.. لأنهم سيكونون قد أمنوا ظهورهم.. لن يطعنوا من الخلف لأنهم يؤمنون بما يفعلون.. ألا تراهم وهم يقاتلون.. يلقون بأنفسهم تحت أسيافنا ولكنهم يموتون مطمئنين.. وجوههم الدامية يضفي الهدوء سياجه عليها.. أما نحن.. فلأننا لا نؤمن بما نفعل.. فنقاتل ونشعر أن ثمة خيانة تحيق بنا.. أن ثمة من يطعننا من الخلف رغم النصر الأكيد.. وحينما يموت الواحد منا.. نشاهد الفزع مجسداً على وجهه الضاري.. لم أرَ في حياتي رجلاً منا قط إلا وشاهدت الرعب على وجهه هل رأيت الوجوه التي أطحت بها يا خالد..؟ لقد كنا فزعين رغم انتصارنا.. وكانوا هم مطمئنين رغم هزيمتهم.‏

خالد : أحقاً يا عمرو..؟ إذن أي عذاب ثقيل لدينا يا ابن العاص.. أي عذاب.....‏

(تسمع خطوات جياد وصياح حرب)‏

ما هذا..؟‏

عمرو : أتراهم المسلمون..؟‏

خالد : لا..‏

عمرو : إذن فهو عكرمة..‏

خالد : عكرمة..‏

عمرو : ربما فكر في أن يهاجمهم..‏

خالد : الأحمق.. إني لم آمر بذلك‏

(يسل سيفه ويخرج من جهة اليمين بينما عمرو يتبعه من مكانه بناظريه)‏

جوقة : وقام خالد لكي يرد عكرمه..‏

فيا لها من مكرمه..‏

سعى إليه قبل أن تدور الملحمه‏

وحال بينه وبين ما يريد‏

وعاد بعدها ولكن مطرق الجبين...‏

(يدخل خالد مطرقاً)‏

وعاودته نوبة الحزن العقيم..‏

أخالد يا أيها العظيم..‏

ترى كيف احتواك ذلك الليل السقيم‏

ترى ماذا تحرك في فؤادك العديم..‏

هل تعقل الحياة من بعد المجون والجنون والعبث..‏

هل تسحق الوثن..؟‏

وتأنس الزمان والوجود والوطن..‏

عمرو : هل قتلته..؟‏

خالد : لا‏

عمرو : لماذا..؟‏

خالد : لماذا..؟ لا أدري.. ولكن.. خبرني يا ابن العاص.. أكنت تقول إن الواحد منا يموت وعلى وجهه يجثم الفزع..‏

عمرو : الفزع الذي لا نهاية لـه يا خالد..‏

خالد : لماذا يا عمرو..؟ لماذا..؟ ألسنا شجعاناً بما فيه الكفاية..؟‏

عمرو : ولكنا سننهزم في النهاية يا خالد..‏

خالد : وماذا يقول محمد في ذلك يا ابن العاص..؟‏

عمرو : يقول إن الإنسان يستحق الخلود.. وإن الإنسان لم يخلق عبثاً..‏

خالد : أحقاً يا عمرو..؟ أيقول ذلك حقاً..؟‏

عمرو : نعم يا خالد.. هذا ما سمعته من اتباع محمد..‏

خالد : وهل يصدقه أتباعه يا عمرو..؟‏

عمرو : ويفنون في سبيله كما ترى..‏

خالد : إذن هل تراهم وصلوا إلى الحقيقة يا ابن العاص..‏

عمرو : ربما.. إنهم يحاولون على أية حال..‏

خالد : ولكن.. ما هي الحقيقة يا ابن العاص..؟ ما الحقيقة التي يحاول أن يصل إليها أتباع محمد.. كيف أجدها.. أنى لي أن أعرف.. كيف يتأتى لإنسان يعيش في صحراء لا يعرف سالكها أن يخرج.. كيف بحق آلهة العرب والفرس والروم جميعاً.. (يسل سيفه) لو أن لي أن أعرف يا ابن العاص لو تأتى لي ذلك..‏

(يحطم الصخور بسيفه فيما يشبه الجنون)‏

عمرو : اهدأ يا خالد.. اهدأ.. ليس هكذا..‏

خالد : (ملوحاً بالسيف في الهواء) كيف إذن يا ابن العاص.. كيف..؟‏

عمرو : أغمد سيفك واهدأ يا خالد..‏

خالد : الرعب.. الرعب يا ابن العاص.. أي حياة تلك والإنسان يموت فيها فزعاً وعلى وجهه يجثم الهول.. أي شجاعة تلك يا صاحبي.. أي كرامة للإنسان.. ما من ليلة إلا وأفزع في نومي.‏

عمرو : أنت مريض يا خالد.. ويجب أن تهدأ..‏

خالد : هنا يسكن الذعر في أعماقنا يا عمرو.. هنا يدب الرعب في أوصالنا لا شجاعة لدينا.. لا شجاعة لدينا.. الهراء يسحق شجاعتنا.. لأننا في النهاية نموت عبثاً.. نموت يا عمرو.. نموت كأي حشرة حقيرة.. نموت ولا من نادب علينا.. نموت ولا عزاء.. نموت ولا قبر يأوينا من الهوام والضباع نموت ورائحتنا البشعة تطغى على الحياة برمتها.. نموت..‏

عمرو : (وقد انهارت قواه فجأة) كف يا خالد.. كف عن هذا..‏

خالد : (مسترسلاً) لقد أحببتها يا عمرو.. أحببتها.. وودت لو أني عشت وإياها وحدنا دون الناس جميعاً.. وتصورت أن من الممكن أن تكون هناك سلوى للإنسان.. وسعادة حقيقية ـ سعادة خليقة بالإنسان في مستوى عنفوان أمانيه ووجده.. ولكن كان هناك ما يحبط لدي كل شيء.. كان هناك من يترصدني.. حتى عند نومي.. فلا ألبث أن أفزع ويتهتك كل شيء ولا يبقى سوى السراب.‏

عمرو : (في توتر واضح) يا إلهي.. لماذا تقول لي ذلك.. ماذا تريد مني يا ابن الوليد..؟ ماذا أستطيع أن أقدم لك.. إنني مثلك تماماً.. لا يستطيع أحدنا أن يهب الآخر شيئاً.. أنت تعلم هذا جيداً.. كل منا قبر نفسه نعيش فرادى ونموت فرادى كوحش الصحراء.. لا يستطيع أحدنا أن يساعد الآخر.. إنما هو.. هو الذي يستطيع..‏

خالد : هو..؟ من يا عمرو..؟‏

عمرو : محمد..‏

خالد : محمد..؟‏

عمرو نعم.. هو الذي يستطيع..‏

خالد : أحقاً يا عمرو..؟‏

عمرو : اذهب إليه إن شئت.. إنه يهب أتباعه الأمن والحقيقة..‏

خالد : وأنت..؟‏

عمرو : أنا..؟ لا شأن لك بي..‏

خالد : ألا تريد الأمن والحقيقة..؟‏

عمرو : بحق الجحيم دعني وشأني..‏

خالد : أجب يا عمرو..؟‏

عمرو : كفى يا خالد.. هذا لا يطاق.. أن ننقلب معاً هكذا.. شيء لا يحتمل ليذهب كل منا في سبيله وليفعل ما يشاء..‏

خالد : وماذا ستفعل يا عمرو..؟‏

عمرو : قلت لك دعني ولا تسلني عن نفسي.. يا إلهي... أي لحظة تعيسة تلك.‏

خالد : ألم تغثك آلهتك الصخرية يا عمرو.. سلها علها تهبنا شيئاً من العزاء.. شيئاً من السكينة.. لحظة واحدة من سكينة يخفق بها قلبي المحترق قبل أن يحال إلى رماد.. بعض الأمن يا آلهة قريش والعرب.. بعض الطمأنينة يا آلهة الفرس والروم والنصارى واليهود.. بعض الطمأنينة إله محمد والمسلمين... بعض السكينة والأمن والحقيقة وخذوا كل ما أملك.. أهبكم دمي وحبي ووجدي..‏

عمرو : (يقبض على عنقه دون أن يتمالك نفسه) قلت لك كف.. كف بحق الجحيم وإلا قتلتك.‏

خالد : (مبتسماً في أسى) افعل يا عمرو.. (عمرو يتراجع) لكم تبدو مسكيناً يا صاحبي الطيب.. يا لنا من مخلوقات بائسة.. اسمع يا عمرو.. إذا فكرت في أن تسلم واقتنعت.. فحاول أن تقنعني.. وإذا لم تفلح فاقتلني.. تعال في ليلة ظلماء وانتظر حتى أنام.. وقبل أن أفزع في نومي.. وحين يكون وجهي هادئاً مضيئاً بالطمأنينة والسكون.. دع سيفك في قلبي.. ثم أذهب إلى محمد وقل لـه أن خالد بن الوليد قد أسلم ومات.. ودعه يرتل فوق رأسي قرآنه المجيد.. وليضع يده الطيبة على جبيني لتمسح آثار ذعر قديم.. ولينظر في عيني لحظة ثم يغلقهما بعد أن تريا جهة الإنسان يمجد الحياة والخلود في وجه العذاب والعدم.‏

(يخرج خالد)‏

عمرو : (من أعماقه كالمستنجد) خالد.. خالد..‏

(يخرج وراءه كأنه يتهاوى)‏

الجوقة : أيتها الصحارى والوهاد والقفار‏

أيتها الأطلال والخراب والمار‏

متى تكف الأنواء عن ذاك الفتى‏

متى يا صحبتي متى..‏

ألا فلتغربي يا ظلمة الأزمان‏

ألا ولتكشفي عن جوهر الإنسان‏

وليبرق السنا في قلب ابن الوليد‏

وليورق الروح.. الجديد..‏

ولتخمد الأحزان..‏

ليستريح الضائعون في صدى الأكوان..‏

وليوهب الإنسان ما يضيء دونه الطريق..‏

في ظلمة الصحراء..‏

ويفتح الطريق من جديد..‏

ليخرج الحق الوليد..‏

وتثمر الحياة بالحياة..‏

(تخفت الإضاءة تدريجياً)

............................. يتبع
صورة سماح يحيى