فرسان الله والأرض ... أو ... ســـيف اللـــه







فرسان الله والأرض
أو
ســـيف اللـــه

دراما تاريخية
محمد أبو العلا السلاموني
(الجـــزء الأول): ـ المشهد الأول

(( منطقة صحراوية خارج مكة.‏
يدخل خالد بن الوليد بملابس الصيد والفروسية متقلداً سيفه وقوسه،

يشد جواده خلفه، وبيده الأخرى يجر صيداً صحراوياً.‏
في أثناء دخوله تستقبله جوقة من المنشدين تضم رجالاً ونساء)).‏
***‏
الجوقة : يا ابن الوليد يا مجيد..‏
يا فارس الفتيان والرجال..‏
يا أيها الصنديد..‏
رعتك اللات والعزى..‏
وآلهات النور والظلام..‏
ألا ترون يا رفاق..‏
ألا ترونه قد صاد صيده العظيم..‏
سهامه لا تخطئ الظباء..‏
وسيفه مخضب على الدوام..‏
سلوا عنه النجوم والظلام والحجر..‏
سلوا صحراء مكة والبراري والحضر..‏
سلوا الوحوش في جحورها ممن تفر..؟‏
إذا امتطى جواده مادت به الصحراء..‏
كأن الأرض زلزلت..‏
مياهها تفجرت..‏
جبالها تبعثرت..‏
سماؤها تمزقت..‏
رمالها تناثرت..‏
وقلبه يا صحبتي..‏
قلب يضاهي وحشة الصحاري والقفار..‏
يحاكي رهبة الظلام..‏
كأنما قد من الجحيم..‏
أو قطعة هوجاء من قلب سقيم..‏
أحشاؤه اليباب والأطلال والهشيم..‏
(خالد يجمع بعض الأحجار والحطب ليوقد ناراً إلا أنه يسمع وقع جواد فيسرع ناظراً نحو الجانب الأيمن)‏
خالد : (صائحاً) ها أنتذا..‏
(يدخل ذلك الشخص الذي كان في دور الإمام)‏
جئت إذن..؟ أين عمر..؟‏
الإمام : بعثني إليك..‏
خالد : ما زال إذن يرفض رحلات الصيد..‏
الإمام : لا بأس.. هل بدأتم..؟‏
خالد : أجل..‏
الإمام : (يشير إلى جثة الوحش) هذا صيدك..؟ إنه ضبع..‏
خالد : هذا هدفنا اليوم..‏
الإمام : وأين عكرمة وعمرو..؟‏
خالد : تفرقت بنا المطاردة واتفقنا على هذا المكان عند نهاية السباق..‏
الإمام : هل ستبدأون ثانية..؟‏
خالد : حتى الليل كالعادة.. (لحظة) ماذا بك..‏
الإمام : هل لديك بعض الماء..؟‏
خالد : (يناولـه قربة معلقة بجواره) هل أنت مريض..؟‏
الإمام : (يشرب) لم أدرك مدى رهبة الصحراء مثلما أدركت اليوم.‏
خالد : لأنك لم تعد تحاول.. أصبحت دائماً وابن الخطاب ترفضان رحلاتنا..‏
الإمام : حقاً..‏
خالد : هل ذقت الضب يوماً..‏
الإمام : لا..‏
خالد : حينما تذوقه ستدرك أكثر كم حياتنا شاقة ومرعبة.. (لحظة) أراك بدأت تتغير..‏
الإمام : أحقاً..؟‏
خالد : ألا تشعر بذلك..؟‏
الإمام : لا أدري..‏
خالد : ومع ذلك فمن الصعب أن يتغير الإنسان منا في هذه الصحراء..‏
الإمام : ما الذي تغير في يا ابن الوليد..؟‏
خالد : لا أدري تماماً.. ولكن..‏
الإمام : ماذا..؟‏
خالد : هل أصبحت تخشى الصحراء..؟‏
الإمام : وهل هناك عربي يخشى الصحراء يا ابن الوليد..‏
خالد : ومع ذلك فهناك من يهجر الصحراء..‏
الإمام : ألا تفكر في ذلك..؟‏
خالد : ما كان لمخلوق صحراوي مثلي أن يهجر الصحراء..؟‏
(يقترب من نبات شوكي)‏
نحن كهذا النبت.. لا نستطيع الحياة في غير الصحراء..‏
الإمام : لماذا يا خالد..؟‏
خالد : لماذا..؟ ماذا تعني..؟‏
الإمام : أنحن الذين نعيش في الصحراء.. أم أن الصحراء هي التي تعيش في قلوبنا..‏
خالد : (يهز كتفه بعنف) فيم تفكر.. أطلعني على ما في قلبك..‏
الإمام : أفكر في أن أطرد الصحراء من قلبي..‏
خالد : أفصح..‏
الإمام : هل فكرت في الحياة حقاً يا ابن الوليد..؟‏
خالد : الحياة..؟ ماذا تعني الحياة..؟ لا قيمة لها في الصحراء الإنسان منا قد يموت هنا أبشع ميتة.. قد يلدغه أحقر ثعبان.. قد يقتله العطش.. وقد يخنقه حر الظهيرة.. ما ثمن الإنسان هنا..؟ ما ثمن الحياة.. لا شيء كما ترى.. ولكن.. ما أثمن أن يعيش كنبات شوكي يصر على الحياة عنوة ويضرب بجذوره في جوف الجدب هكذا.. (يغمد سيفه في الرمال) هكذا هو‏
(يبدو الإمام كما لو أنه على وشك التقيؤ)‏
ماذا بك..؟ أنت مريض بالتأكيد..‏
الإمام : لم أذق طعاماً هذا اليوم..‏
خالد : أنت ترتعش.. إنها بوادر حمى..‏
الإمام : لا أعتقد.. ولكن يبدو أنني في حاجة إلى طعام..‏
خالد : حسناً..‏
(يأخذ قوساً وسهماً ثم ينظر إلى السماء لحظة وبسرعة البرق يطلق سهمه ثم يسرع خارجاً ـ يجثو الإمام بالقرب من جثة الوحش ويطرق لحظة ثم يسل سيفه ويصنع حفرة يدفن فيها (الضبع)‏
خالد : (داخلاً وبيده طائر) سيكون غذاؤك شهياً يا صاحبي..‏
(يحاول أن يعد ناراً فتحين منه التفاتة)‏
ولكن.. ماذا فعلت بحق الآلهة..؟‏
الإمام : دفنته..‏
خالد : ويحك.. الأغبياء سيظنون أنني فشلت.. ولكن لماذا فعلت ذلك..؟ (يحاول أن يشعل ناراً)‏
الإمام : (يمسك بيده) لا تفعل يا خالد.. لست جائعاً إلى هذا الحد..‏
(يتحرك للخروج) عمر سينتظرك في مكة عندما تعود..‏
خالد : انتظر.. هناك ما تود أن تقوله عن عمر..‏
الإمام : سنتحدث في ذلك عندما تعود..‏
خالد : قل لي.. ترى (مباغتاً) هل هي دعوة محمد..؟‏
الإمام : (يتوقف وقد كان يهم بالخروج) دعوة محمد..؟‏
خالد : هل هي..؟‏
الإمام : لماذا.. (يقترب منه) لماذا تظن ذلك يا خالد..‏
خالد : لبس المرض عمراً منذ جاء محمد..‏
الإمام : (يربث على كتفه) وأنت..؟‏
خالد : أنا..؟ أنا ماذا..؟‏
الإمام : ألم تفكر فيها قط..؟‏
خالد : ما كان لي أن أتخاذل مثل عمر.. لماذا تنظر إليَّ هكذا..‏
الإمام : (باسماً) يا لك من غلام..‏
خالد : لماذا..؟‏
الإمام : هل تكره محمداً..؟‏
خالد : لا.. ولكني أقاومه..‏
الإمام : ولماذا تقاومه..؟‏
خالد : لماذا..؟ ما معنى هذا السؤال..؟‏
الإمام : هل أخطأ محمد؟‏
خالد : رجل يقلب الصحراء فوق رؤوسنا وترى أنه لم يخطئ..‏
الإمام : إنه لم يقلب الصحراء.. بل يحاول أن ينزعها من قلوبنا..‏
خالد : من يمكنه ذلك.. من..؟.. عمر نفسه يدريك استحالة ذلك..‏
نحن الصحراء.. والصحراء هي نحن.. كيف يمكن إذن..؟‏
الإمام : تلك هي الشجاعة يا ابن الوليد..‏
خالد : كفى هراء.. تلك دعوة المخذولين..‏
الإمام وماذا ترى فيمن تبعه من فحول مكة وفرسانها..‏
خالد : هؤلاء لم يعودوا كذلك.. أصبحوا مرضى.. تماماً كما يبدو عليك الآن..‏
الإمام : لا يا بن الوليد.. ألا تراهم كيف يتكلمون.. إنهم يتكلمون على حقيقة يؤمنون بها.. لأول مرة يكون ثمة شيء يمكن الإيمان به لم تعد في قلوبهم ريبة مثلنا يا ابن الوليد..‏
خالد : هراء.. ما من شيء يمكن الإيمان به في هذا العالم الأخرق..‏
الإمام : لكم أود لو تشاركنا يا خالد..‏
خالد : فيمَ..؟‏
الإمام : أن نفهم هذا الرجل..‏
خالد : تفهم ماذا.. تفهم الفساد والعبث.‏
الإمام : إنهم يقاومون الفساد والعبث.. أما نحن.. فنحمل سيوفاً ونقاوم لا شيء. تلك المقاومة التي ما أثمرت سوى العذاب وأحزان الصحراء.. كل شيء حولنا يموج ونحن هنا كما نحن.. عرب الصحراء وصحراء العرب.. مخلوقات صحراوية داخل حصار قاتل.. نعيش في تيه الصحراء بلا مبرر ونقاوم بلا معنى.‏
خالد : والآن يا صاحبي.. وجدت الخلاص..؟‏
الإمام : لا أدري تماماً.. ولكن.. ثمة محاولة مجيدة يقوم بها محمد وأتباعه..‏
خالد : وماذا تنتظر..؟ أن نستسلم لدعوة محمد..؟‏
الإمام : إنه استسلام لخفقة قلب تهفو إلى الحقيقة والعدالة.. تهفو إلى ما نحن نبحث عنه في ظلمة تحول دوننا يا خالد..‏
خالد : (محتداً) كفى هراء.. أقسم لأقتلنك وابن الخطاب.. إن كانت الأوهام قد تملكتكما وتبعتما محمداً فاذهبا.. فليس بيني وبينكما سوى السيف..‏
الإمام : أترفع السيف في وجه من يبحثون عن الحقيقة يا خالد..‏
خالد : إنهم يبحثون عن هراء..‏
الإمام : ليكن شأنهم إذن..؟‏
خالد : لا.. لن أدعهم حتى وإن كان ابن الخطاب منهم..‏
الإمام : إنهم لا يتحدونك..‏
خالد : ولكنّى سأتحداهم..‏
الإمام : دائماً تقاوم بلا جدوى يا بن الوليد..‏
خالد : تعلم أن تلك هي حياتنا..‏
الإمام : ومتى سينتهي ذلك العبث..؟‏
خالد : سؤال لا معنى لـه ككل أسئلة ابن الخطاب..‏
الإمام : إنه سؤال حقيقي يا خالد..‏
خالد : وهل سيجيبك محمد..؟‏
الإمام : سيفتح الطريق لمواجهة تلك الأسئلة الصعبة..‏
خالد : هراء.. ما الذي وهبتنا إياه دعوة السابقين..؟‏
الإمام : هذا الرجل يفهمنا يا ابن الوليد.. نشأ بيننا وعانى كل ما نعانيه.‏
خالد : ولكنه لا يريد أن يستمر..‏
الإمام : بل يريد لاستمرارنا معنى..‏
خالد : كيف..؟‏
الإمام : لقد سمعته مرة.. مرة واحدة في بيت أختي.. كانت قد تبعته. حينها.. نظرت في عيونهم.. كان ثمة شيء يطل منها.. نظرات مفعمة بالطمأنينة والأمل.. شيء يقتحم على قلبي طريقاً يخرق به الصمت والضباب والعفن.. حينها.. بدت لي الصحراء بكل عنفوانها تتمزق كأستار بالية..‏
خالد : أساطير جديدة إذن.. أوهام نخلقها لنبرر أشياء لا معنى لها..‏
(يعطي لـه ظهره) اذهب.. اذهب إلى ابن الخطاب ودعه ألا يرهقني بتحديات أخرى..‏
الإمام : أنت تعترف إذن بأنك تتحدى أوهاماً.‏
خالد : وماذا كنت تظن إذن..؟ الحقيقة الوحيدة التي نعرفها.. هي أنا وأنت.. الإنسان.. ذلك الصمت الذي يرقد هنا في صدورنا كالوثن.. وما عدا ذلك فأوهام وسخف.. أنت تعلم ذلك جيداً.. ولكنك تحاول أن تبحث عن وهم يريحك من عذاب صدرك..‏
الإمام : حسناً.. سننتظرك إلى أن تعود يا خالد.‏
(ينصرف بينما يتحرك خالد متوتراً تسمع خطوات جياد، بعد لحظة يدخل عمرو بن العاص صامتاً وبيده صيده)‏
خالد : عمرو..؟‏
(لحظة ويدخل عكرمة بن أبي جهل يسوق أمامه الوليد حاملاً متاعه)‏
عكرمة : هاك صيدي يا ابن الوليد ثكلتك أمك..‏
خالد : (بدهشة) أخي الوليد..‏
عكرمة : صيد بائس كما ترى..‏
خالد : ماذا أتى بك يا وليد.. ماذا حدث يا عكرمة..؟‏
عكرمة : لماذا يحمل متاعه..‏
خالد : (يتحسس متاعه) ما هذا..؟ و(العكرمة) أجب يا عكرمة..‏
عكرمة : (منفجراً) يا للعنة.. لماذا لا تسأله هو.. لتشكر الشيطان إذا لم أقتله لفوري.‏
الوليد : ولماذا لم تفعل يا عكرمة..؟‏
عكرمة : اشمأززت من أن أقتل حشرة مثلك.‏
الوليد : خسئت يا ابن أبي جهل..‏
(يسل سيفه في مواجهة عكرمة فيسل الأخير سيفه استعداداً للمبارزة)‏
عكرمة : أقدم.. أقدم ولا تكن جباناً..‏
خالد : (حائلاً) كفا عليكما اللعنة.. ما هذا..؟ (للوليد) ضع سيفك يا وليد.. (الوليد يغمد سيفه) لماذا تحمل متاعك.. هل تبعت محمداً..؟ لم لا تتكلم..؟ إذن فقد تركت مكة لتهاجر إلى يثرب مع الآخرين..؟‏
الوليد : (بهدوء) نعم يا خالد..‏
خالد : يا للحمق.. (منفجراً) لماذا لم تقتلا..؟ لماذا يا عكرمة.. لماذا لم تقتلاه يا عمرو..؟‏
عمرو : (ببرود) لقد ظننا أنك ستفعل ذلك بنفسك يا خالد.. لقد صدنا لك صيداً حياً من جوف الصحراء.. فانظر ماذا ترى..‏
خالد : أخي الوليد.. والوليد بالذات.. تباً لكل شيء.. كيف يحدث ذلك كيف.... (يأخذ بتلابيب الوليد) كيف يحدث ذلك يا بن الوليد.‏
الوليد : (هادئاً) دعني وشأني يا خالد.‏
خالد : لماذا تبعت محمداً..؟ لماذا..؟ أجبني ما الذي أدخل في رأسك هذا الهراء؟‏
عمرو : أكتشف أخيراً أن آلهتنا أحجار صماء.. يقول إنه لعن نفسه كثيراً عندما كشف لـه محمد عن هذه الحقيقة.‏
الوليد : ماذا تريد أنت أيضاً يا ابن العاص..؟‏
عمرو : إنه أمر مضحك حقاً.. أن يظل آباؤنا وأجدادنا يقدسون آلهة يجيء محمد ليميط اللثام عن حقيقة كونها أحجار صماء لا تأكل ولا تشرب.‏
الوليد : أتسخر يا ابن العاص..؟‏
عمرو : حاشا لله يا بن الوليد.. إنني فقط أرثى لنفسي.. إذ كيف خفيت عن ذهني تلك الحقيقة المؤسية.. وإلى جانب هذا لا أفكر أن إلهاً في السماوات.. أجل.... كم هو أمر خطير.. ولكن خبرني يا هذا بحق صاحبك.. أواثق أنت من أن إله السموات هذا ليس صخراً كآلهتنا..ليس ميت القلب كآلهتنا.. ليس أصم وأبكم وأعمى كآلهتنا..؟ إذا كنت واثقاً من ذلك يا رفيقي فادع ربك هذا يفجر لنا الماء في هذا الحجر.. دعه ينبت الصحراء دعه يسحق اشمئزازي واحتقاري لك.. دعه يفعل إن كنت مؤمناً به حقاً.‏
الوليد : لكم يبدو تفكيرك سقيماً يا ابن العاص..‏
عمرو : نعم.. نعم يا ابن الوليد.. ماذا تنتظر من رجل مؤمن بالوثن.‏
الوليد : وهل تؤمن بالوثن حقاً..؟‏
عمرو : وأؤمن بالخراب والدمار والعدم يا ابن الوليد.. سل أخاك أي آلهة يعبدها ويفنى في سبيلها..‏
عكرمة : (بحدة) عم تتكلم يا عمرو.. أي آلهة لعينة تلك التي تتحدث عنها..؟‏
عمرو : آلهتنا يا صاحبي.. آلهة مكة والصحراء..‏
عكرمة : سحقاً لآلهتنا ولكل شيء.. فيم حديثك عن آلهة لا حقيقة لها.. دعونا ماذا سنفعل بالإله الجديد.. لم لا تتكلم يا خالد..؟‏
عمرو : يا عكرمة.. إله محمد ليس وثناً.. أنه هناك في السماوات.. في عالم بعيد.. كيف إذن يستطيع خالد أن يواجهه.. هل تستطيع يا ابن الوليد.. خذ سيوفنا جميعاً وأقتله إن استطعت..‏
عكرمة : يستطيع يا عمرو.. يستطيع أن يفعل..‏
عمرو : كيف يا صاحبي..؟‏
عكرمة : بمقدوره أن يرفضه.. كما رفض الكثير..‏
الوليد : ولماذا يا عكرمة.. لماذا ترفضون إله محمد..؟‏
عكرمة : لأن لا إله هناك يا ابن الوليد.. هل سبق لك أن آمنت بإله قط..؟‏
الوليد : أولم تشعر بحاجتك إلى إله يا عكرمة..‏
عكرمة : لماذا..؟‏
عمرو : ابن الوليد أضنته وحشة الصحراء يا عكرمة..‏
الوليد : نعم يا ابن العاص.. هل تنكر هذا.. ألا تبدو يائساً على الرغم من شجاعتك.. ألا تشعر بالخواء وأنت في قمة النصر يا خالد..؟ ألا يبدو عبثاً كل ما تبذله من جهد شجاع في صحرائك يا عكرمة.. ألا تشعرون يا فتيان مكة ويا شباب العرب أنكم تبذلون فتوتكم فيما لا قيمة لـه وبلا مقابل..‏
عمرو : نحن لا نطلب المقابل يا وليد..‏
الوليد : أنتم لا تطلبون.. إذن اذهبوا ودعوا غيركم يبحث عن القيمة والحقيقة.. اذهبوا بجدبكم ودعوا السماء تمطر لتروا الأرض تزدهر..‏
عكرمة : لا وحق الشيطان يا ابن الوليد.. ما كان لي حياة وأمثالك يعيشون على هراء.. يا لها من حماقة.. لم لا تتكلم يا خالد.. ماذا أصابك حتى تتجمد كالصخر هكذا.. (يسل سيفه) هيا يا ابن الوليد ثكلتك أمك.. لن أدع أحداً يتبع محمداً وهذا السيف في يدي.. هيا يا ابن الوليد.. وحق الشيطان لأمثلن بجثتك ولأطعمن الطير من أحشائك.. هيا.. هيا..‏
(يضحك في غرور)‏
خالد : (معترضاً) كف يا عكرمة..‏
عكرمة : ماذا يا خالد.. أنك لن تمنعني عن تمزيق هذا الأحمق..‏
(فجأة يضرب الوليد سيف عكرمة ويقذفه بعيداً ويهم بطعنه)‏
الوليد : (متمكناً منه) هل أمزق كبدك يا ابن أبي جهل..؟‏
عكرمة : افعل إن كنت شجاعاً.. كما كنت أهبك الحياة لو تمكنت منك يا ابن الوليد.. (يتركه الوليد) يا للحمق.. ثق أنني لن أكون مديناً لك مهماً كان الأمر..‏
الوليد : أعلم أن حياتك لا قيمة لها..‏
عكرمة : وحياتك يا ابن الوليد.. ألها قيمة..؟ هبنا القيمة يا ابن الوليد.. اجعل محمداً يهبنا القيمة.. (يلتقط سيفه) يا للعنة.. ما قيمة الإنسان بلا هذا..؟‏
(يقبض على السيف من فصله في تشنج فتقطر يده دماً)‏
ما قيمة الإنسان يا فتيان العرب..؟ ما قيمة ذلك الذي ينزف دمه طوال حياته لتمتصه الرمال وشمس الصحراء.. (للوليد) هبني قيمة يا وليد.. لا شك أن صاحبك أعطاك منها الكثير.. منقذ العرب.. منقذ الشباب والرجال.. دعه يعطينا مثلما أعطاك.. إنني مدين لك بحياتي.. فخذها وامنحها قيمة أو معنى دعني مرة واحدة أشعر أنني خليق بالحياة..‏
خالد : كفى هذياناً يا عكرمة..‏
عكرمة : (مسترسلاً) أتدري يا وليد.. أنك لو كنت تقتلني لربما كنت وهبتني القيمة التي أريدها..؟‏
الوليد : لك أن تقتل نفسك..‏
عكرمة : يا للحماقة.. أهناك فتى من فتيان العرب يفعل ذلك يا ابن الوليد لماذا إذن نصر على أن نناضل الصحراء.. أليس كل منا يتحدى الموت والقدر.. من منا عاش دون أن يصارع مصيره كل لحظة من لحظات هذه الصحراء الآثمة.. تريدني أن أقتل نفسي يا ابن الوليد.. وحق الشيطان لأمزق العالم قبل أن أفكر في ذلك..‏
الوليد : إذن اتبعنا يا عكرمة.. وستحصل على القيمة..‏
عكرمة : إنني أطلب المستحيل..‏
الوليد : لا مستحيل إن تبعتنا..‏
عكرمة : إذن برر لماذا نعيش في الصحراء؟‏
الوليد : لأن الصحراء في قلبك..‏
عكرمة : وهل يستطيع صاحبك أن ينزعها.‏
الوليد : أجل يا عكرمة..‏
عمرو : كفاح رائع يا ابن الوليد.. ولكن الصحراء هي الصحراء يا صاحبي..‏
الوليد : هل حاولت حتى تحكم هذا الحكم يا ابن العاص..؟‏
عمرو : أتظن أن دعوة محمد هي الأولى.. ألم تقرأ يا صاحبي أساطير الأولين. العربي هنا يا صاحبي يفضل الوثن على أديان العالمين.. ذلك أن الوثن هو تلك الصحراء التي ترقد في أعماقه كالقدر.. أتظن إذن أن من السهل على العرب أن ينزعوا حقيقة عاشوا فيها بكيانهم.. لتهبهم ما سبق لهم أن أدركوا زيفه.. ثق يا صاحبي الطيب أنني سأؤمن بك إذا أدركت أن هناك ما هو أقدس وأجل من أوثاننا المهيبة الصماء.‏
الوليد : إذا كنتم قد عجزتم عن سحق أوثانكم فإن محمداً يستطيع..‏
عمرو : أنثى انتظر ذلك الفارس الأسطوري الذي يستطيع ذلك.. فلماذا لا يأتي.. ها هي ذي أوثاني ملء صدري ورأسي فليحطمها إن استطاع‏
الوليد : سيحطمها يا عمرو.. سيحطمها كما حطم أوثاني..‏
عكرمة : ولماذا تحطمون الأوثان.. لماذا هذا العبث.. تعلمون ألا شيء هناك فيما وراء بحثكم المبارك يا صاحبي.. فلماذا تخدعون أنفسكم لماذا تخدع نفسك يا ابن عمي المسكين..؟ كل هذا ولم تعرف بعد الحقيقة منا ومن آل بيتك العريق.. ألم تتعلم من والدك الجبار الوليد بن المغيره.. ألم تتعلم من أخيك هذا صاحب القلب الصخري سله ليجبك ألا حقيقة هناك.. لا سلوى للإنسان في عذابه المقيم.. حتى الحب.. قاوم قلبه لأنه خفق يوماً ما بحب ليلى.. أقصاه بكل جبروت.. سله لماذا فعل ذلك لتعرف حقيقة الأمر المر يا صاحبي الغر..‏
الوليد : إنها هي التي رفضته.. وليس هو..‏
عكرمة : ولكنك تعلم أن خالداً كان بمقدوره أن يحصل عليها إن أراد.. ولكنه لم يفعل.. سله لماذا..‏
الوليد : كان يعلم أنها تحبه أيضاً..‏
عكرمة : نعم أنت ترى إذن أنه لم يحاول أن يمارس حبه.. لأنه يعلم ألا معنى لشيء.. وألا جدوى لمثل هذه الأحاسيس التي تضيع في بشاعة الصحراء.. حاول يا وليد أن تلتمس قلب خالد.. أنك لا تتلمس سوى الصخر..‏
الوليد : لأن لا واحد منكم يحاول أن ينبت نبتاً في قلبه.. وإذا ما نبت سحقتموه كأنكم جراد لا يرحم.. هي حاولت ذلك.. بحثت عما ينبئ قلبها بحب حقيقي.. لقد تبعت محمداً وتزوجت نم مالك من نويره بعد أن أسلم وهو يعلم هذا.. أنت تعلم هذا يا خالد.. كنت تحبها وكانت تحبك ولكنك أبيت إلا أن تنفذ مشيئة الوثن الراقد في أعماقك.. وسحقت حبك وعذبت نفسك بلا مبرر..‏
خالد : (متفجراً) وليد.. أغرب عني.. أذهب ولا ترني وجهك بعد اليوم هل تسمع..؟‏
الوليد : أجل يا أخي.. سأذهب.. ولكني سأدعك وقلبي معك.. (يحمل متاعه ويخرج)‏
عكرمة : لماذا تركته يا خالد..؟ الأخوة استطاعت أن تقبر روحك اليابسة باللعنة.. أترى يا عمرو كيف يبدو خالد..؟ فتيان مكة يتهاوون كطيور ذبيحة.. وحق الشيطان لن أترك ذبيحاً يموت بدون سيفي إنها الحرب.. ولا شيء غير الحرب.. هل تسمع يا خالد.. سننتظرك في مكة لندبر الأمر.. وإلا فسنعلم أنك تبعت أخاك الوليد.. هيا يا عمرو..‏
(يخرج عكرمة وعمرو بينما يظهر الإمام على غير توقع وكأنما انشقت عنه الأرض)‏
الإمام : (يقترب في تودد) خالد..‏
خالد : أنت..؟ (بجفاء) ماذا تريد؟‏
الإمام : هيا بنا..‏
خالد : إلى أين..؟‏
الإمام : إلى يثرب..‏
خالد : (كالرعد) ماذا..؟‏
الإمام : عمر قرر أن يهجر مكة.. هل تصاحبه..؟‏
خالد : ماذا تظن..؟ وحق الآلهة ما منعني من قتلك أنت وابن الخطاب سوى ازدرائي لكما..‏
الإمام : اسمعني يا خالد.. تعلم أن عمر أقرب إليك من نفسك.. فلا تحاول أن تخفي عني.. كف عن أوهامك وأنصت إلى خفقان قلبك.. لو أنك كنت قد آمنت بقلبك لما فقدت ليلى.. كان الحب يخفق بين جوانحك ولكنك أقصيته بروحك الضارية..‏
خالد : حسبك.. اذهب ودعني الآن وحدي..‏
الإمام : دائماً تقتل مشاعرك العظيمة.. لأجل أوهام عابثة عقيمة.. ما كان يضيرك لو أنك كنت قد تزوجتها.. كانت تحبك حقاً.. وما من أحد إلا وحسد حبكما هذا.. أجمل فتاه.. وأعظم فارس.. وفجأة تنقلب على نفسك كوحش يمزق أحشاءه بلا رحمة.. وإذا بذلك الحب العظيم يتحطم على صخرة روحك الصلدة..‏
خالد : (يمسك بتلابيبه مغيظاً) قلت لك اذهب ولا تحدثني عنها.. هل تسمع..؟ أقسم لو حدثتني عنها ثانية لأذهبن وأقتلها حيثما تكون.‏
الإمام : لا بأس يا ابن الوليد.. لن أحدثك عنها.. يوماً ما ستجرى الدماء الحارة في عروقك اليابسة.. وحينئذ سيحدثك الصخر عنها يا صاحبي‏
(يخرج بينما خالد يغرق في نفسه)‏
الجوقة : قلوبنا عليك يا فتى مكة..‏
قلوبنا عليك..‏
نخشى عليك من ظلام قلبك الحزين..‏
ذاك الذي أقصيت عنه حبك الجميل..‏
فيا لحسرتاه..‏
على ذاك الذي يمارس الحياة ثم يسحق الحياة..‏
كأنه إله.‏
ابن الوليد لا يريد قلبه السلام..‏
ابن الوليد روحه تقتات بالظلام..
فالحب والهدوء والوئام..‏
جميعها لديه قبض ريح..‏
وكلها نزيف قلبه الجريح..‏
فما لديه غير خفقة الموات‏
وحبه الذي قد كان مات..‏
تئن روحه في كل حين..‏
لكنه يحطم الأنين..‏
يحن قلبه إلى الجمال والرواء..‏
لكنه يمزق الحنين..‏
تهفو حياته إلى النماء..‏
لكنه يسعى إلى الخواء..‏
كأنه قدر..‏
ويا لقسوة الأقدار.‏

(تخفت الإضاءة تدريجياً إلى أن يخرج خالد)

............................. يتبع
صورة سماح يحيى