فتح الإسلام - من المهد الى اللحد ؟!




فتح الإسلام - من المهد الى اللحد ؟!
د. محمد احمد جميعان



المتتبع للمعلومات الصحفية والإعلامية المتسربة حول " فتح الإسلام " يدرك تماما ان المسالة تتعدى بكثير موضوع تنظيم مسلح التقت أفكار مؤسسيه حول الجهاد وتحرير فلسطين ، ولو كان الأمر على هذا النحو من التقزيم لما تمكن هذا التنظيم من تعبئة وتجنيد نحو ألف عنصر او يزيد في مدة لا تزيد عن سنتين ونصف بقدرات قتالية ميدانية وفنية وتقنية وتسليحية لم يستطع معها الجيش اللبناني ، في البداية، ولمدة أسبوعين اختراق صفوف التنظيم بشكل ملموس ( رغم ان هذا الوضع سوف يختلف جذريا في الأيام القليلة القادمة..) بل ان المبادرة والمبادأة في المواجهة غالبا ما تأتي من قبل التنظيم لتحسين مواقعه وسيطرته وارباك الجيش على نحو تكبد فيه الجيش عدد كبير من الضحايا في مقابل خسائر تكبدها التنظيم من عناصره في القصف المدفعي والمداهمة الأمنية لبعض الشقق في مدينة طرابلس التي يستخدمها كبيوت آمنة قبيل اندلاع المواجهات ..
 
المعلومات المنشورة توضح ان لدى التنظيم قدرات تدريبية ومهارات وتقنيات عالية حتى النظارات الليلية التي يفتقد إليها الجيش اللبناني ، بل واستعدادات كافية للمواجهة ..وامكانات مالية كبيرة وحوالات مالية تصل عن طريق البنوك أللبنانية، ومصاريف تنم عن ثراء ، تصل حد استئجار شقق فخمة ، كانت محل استغراب سكان المخيم ، وان لدى التنظيم قدرة على تنجيد وتدريب واستيعاب متطوعين عرب من خارج لبنان قدموا عن طريق المطار في أغلبيتهم ؟!
 
ان خلفية هذا التنظيم تشير بشكل مؤكد ان بدايته وتأسيسه كان على يد مخابرات إقليمية سهلت له الاستيلاء على أنقاض وسلاح وممتلكات ومقرات تنظيم " فتح الانتفاضة " المعروف خلفيته وتاسيسه وارتباطاته في المخيم نفسة.. ناهيك ان مسؤؤل التنظيم ومؤسسه شاكر العبسي نشيط ومعروف لدى الأجهزة الاستخبارية في المنطقة وبالتأكيد فان له ملف معلومات او قيد كبير من المعلومات وهو بالضرورة المهنية متابع من قبلهم ، بل اكثر من ذلك هو مطلوب قضائيا وسبق ان سجن عدة مرات كان آخرها سنتين ونصف في السجون السورية خرج بعدها مباشرة الى المخيمات في لبنان واختار مخيم نهر البارد شمالى لبنان ليؤسس هذا التنظيم ؟!... والمعروف ان اكثر عمليات التجنيد الاستخبارية نجاحا هي التي تتم في السجون ؟!
 
كذلك من المعروف ان مخيمات اللاجئين محل استهداف استخباري مكثف سيما من الموساد الإسرائيلي واذرعه المختلفة لوجود نشاط سياسي وتنظيمي للتنظيمات الفلسطينية فيها ولا يمكن لهذا الحجم من التنظيم وبهذا الشكل من التدريب و الساحات والأسلحة والتمويل والتواجد الغريب فيه ان يكون بعيدا عن التجنيد والاختراق الاستخباري سيما المحلية والإقليمية والإسرائيلية على وجه التحديد ...
 
ان دفاع أمين عام حزب الله اللبناني عن " فتح الإسلام " كان مبطنا وفيه تقية بطريقة ذكية وخفية وغير مباشرة و ولكنها حازمة وجازمة لا تخفى على مراقب او متابع للشأن السياسي والأمني وضعت النقاط على الحروف حين أعلن نصرا لله " ان المخيم خط احمر ، وان الجيش اللبناني خط احمر ولكنه أضاف في صيغة تحريضية مبطنة أيضا ان أمهات ضباط وجنود الجيش اللبناني لم تخلفهم وتنساهم من اجل ان يموتوا في مخيم نهر البارد ؟! " وهنا لابد من الإشارة الى الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل قبل نحو سنتين وأعلنت القاعدة مسؤوليتها عنها لم تكن بعيدة عن التنسيق بين حزب الله والقاعدة ممثلة في فتح الإسلام وقد يكون نتاج باكورة تنسيق مخابراتي وليس سياسي ( أي على مستوى امني وعملياتي فقط ) بين فتح الإسلام وحزب الله حيث لم تكرر العمليات هذه بعد ذلك قد تكون أخذت بعد استعدادي اكبر وأعظم للمواجهة مع إسرائيل وقد يكون ذلك بتوجيه من قبل مخابرات حزب الله المعروفة بالعقائدية والنشاط والامكانات المالية الكبيرة والقدرات الدفاعية والهجومية...
 
 بالمقابل فان تقرير الصحفي " سيمون هيرش " وهو بالمناسبة من اكثر الصحفيين احترافا وتوثيقا للمعلومات الذي استقى معلوماته في ذلك التقرير من احد ضباط CIA ومن الأمير بندر والسيدة رايس وزيرة الخارجية الأمريكية واحد قيادات المعارضة اللبنانية إثناء زيارته لبيروت تحدث فيه عن دعم تمويلي كبير مقدم من تيار المستقبل الى تنظيم " فتح الإسلام " وتنظيمات أخرى كجند الشام وعصبة الأنصار لتقوية مواقع السنة وكذلك دعم للحركات السنية في العراق ولبنان لمواجهة الشيعة . وهذا يتوافق مع ما نشرته الصحف الإسرائيلية يوم 18/11/2006 حول وثيقة أمنية تتضمن الحديث عن خطر مباشر على إسرائيل ما لم ينزلق الطرفين السني والشيعي في حرب طائفية بينهما .
 
ومن الملفت للنظر ان بداية الاشتباكات بين الجيش اللبناني وتنظيم " فتح الإسلام " لم تكن مخططة ومهيأة مسبقا لذلك تفاجئ الجيش وتكبد خسائر بشرية فادحة لأنها بدأت اثر مداهمة أمنية من قبل فرع امن المعلومات اللبناني لأحدى الشقق التي يقطنها عناصر من تنظيم " فتح الإسلام " وذلك بعد عملية سطو مسلح على بنك " البحر المتوسط " المعرف ملكيتة في بيروت والذي كان ( كما تشير المعلومات ) بواسطته يتلقى التنظيم حوالات مالية .. والملفت هنا ان عملية المداهمة هذه قتل فيها كافة عناصر التنظيم المتواجدين في الشقة ..في مفارقة ملفته بين طبيعة الواجب الأمني للمداهمة والتي تقتضي اللقاء القبض على العناصر أحياء لاستكمال التحقيق معهم او جرحهم بما يحقق السيطرة وجلبهم أحياء لاستكمال التحقيق.. ولكن ما حدث خلاف ذلك تم قتلهم جميعا فلماذا حصل ذلك ؟!
 
وهكذا كان الصراع على أشده ، صراع مخابراتي لقوى وتنظيمات ودول لها أهداف وأجندة سياسية على الساحة اللبنانية اختلط فيه الحابل بالنابل ولم يعد من السهولة ( في بداية الأمر) بمكان مواجهة هذا التنظيم بأجهزة أمنية و عسكرية محلية رسمية لبنانية ، ولم يعد بمكان ( في بداية الأمر أيضا ) ان نرى مواقف واضحة وحازمة تجاه هذا التنظيم اللهم إلا من رفع عتب هنا وهناك ومن تهويش ولجلجة وتخبط لاسيما ان المعلومات الحديثة تشير الى التحاق عناصر التنظيمات الفلسطينية في المخيم الى جانب التنظيم وذلك مع اشتداد المواجهات بين الجيش والتنظيم في الأيام الماضية التي أعقبت 1/6/2007..علما بان التنظيم لم يسجل عليه من قبل القاطنين في المخيم أية شكاوي او سلوكيات تشكل إزعاج عليهم ، بل يبدوا من المقابلات الإعلامية وردود الفعل عموما في المخيمات الفلسطينية ان هناك تعاطفا معه بشكل ملحوظ ..
 
ان الدعم المباشر الذي قدم في الأيام الماضية عبر جسر من الطائرات الأمريكية والعربية من ذخائر ومعدات وخبرات وخطط وخبراء وأمور أخرى قد تكون سرية لم يعلن عنها... كفيلة وسوف تمكن الجيش من السيطرة وحسم الأمر عسكريا وتحقيق الأهداف التي يسعى إليها في غضون أيام معدودة ولكن بخسائر كبيرة على الجيش والمدنيين وهكذا ينتهي التنظيم من المهد الى اللحد وتكون النهاية " لفتح الإسلام " على الساحة اللبنانية...
 
 ولكن السؤال الكبير والغامض لماذا ترك التنظيم حتى وصل الى هذه القوة وهذا الحجم وهذه القدرات في مكان وظروف وحيثيات من السهل اختراقها ؟! سؤال يحتاج الى إجابة قد تكون أهم من الحسم...هل هذا يشير او يرتبط بما تحدثت عنه الصحف الإسرائيلية وتقرير سيمون هيرش والتوطين او الوطن البديل والأهداف الاخرى المقررة له .. وعندما لم يستجب التنظيم او لم يلتزم بالأهداف الأمريكية والحليفة والمساعدة في التوطين وغيرها.. بل تجاوز ذلك بالسطو المسلح على بنك البحر المتوسط كان لابد من مواجهتة والقضاء عليه ؟
 
وفي كل الاحوال فان السر الكامل يبقى في حوزة مؤسس التنظيم شاكر العبسي الذي أظهرت تصريحاته انه يحمل أفكار القاعدة ومنهجيتها في العمل وانه كان ينوي إعلان الإمارة لولا الاشتباكات التي حصلت .. إلا ان الجانب الأهم الذي لم ولن يتحدث عنه إعلاميا هو طبيعة ارتباطاته المخابراتية وحقيقة انتمائه وولائه والجهات التي كانت تقدم الدعم له ماليا وتسليحيا ومتطوعين ... فهل يبقى حيا ونعرف تفاصيل كل ذلك أم يتم تصفيته ليدفن السر معه كما هي عادة بعض الأجهزة المخابراتية في هذا الشأن حتى لا تكشف عوراتها وتلاعبها في مصائر الشعوب ؟
 
drmjumian@yahoo.com
www.maktoobblog.com/majcenter             
         
صورة د. محمد احمد جميعان

التعليقات (1)

عزيزنا الدكتور محمد....
تساؤلات عميقة جارحة  ، وتحليل يحترم العقل، على ضوء المعطيات المتوفرة.
يا سيدي: يظل  الشك دليلنا حتى يأتينا اليقين ...........
سلم يراعك
صورة سمير الشريف